×

كيف هزم التكافل الاجتماعي هدير الحرب ؟

كيف هزم التكافل الاجتماعي هدير الحرب ؟

التكايا.. المعجزة الشعبية التي صنعت الحياة وسط الموت

قراءة في التحولات التي تصنع مستقبل البلاد. ( 4 )

عبود النصيح

في الحروب الكبرى تُروى عادة قصص الجيوش والقادة والمعارك، وتتصدر أخبار التقدم والتراجع عناوين الصحف وشاشات الأخبار. لكن خلف الضجيج العسكري والسياسي، تنشأ أحياناً قصص أخرى أكثر عمقاً وتأثيراً؛ قصص لا تصنعها البنادق،  ولا  يصنعها الضجيج في الصحف بل يصنعها الناس العاديون وهم يحاولون الدفاع عن حقهم البسيط في الحياة.

في السودان، وبينما كانت الحرب تلتهم المدن والقرى وتدفع الملايين إلى النزوح والفقر والجوع، ولدت واحدة من أكثر التجارب الإنسانية إلهاماً في التاريخ السوداني  ، تجربة لم تعتمد على سلطة أو مؤسسة أو تمويل ضخم، بل اعتمدت على قوة المجتمع نفسه.

إنها تجربة التكايا.

فمع اتساع رقعة الحرب وتعطل مؤسسات الدولة وانهيار أجزاء واسعة من الخدمات الأساسية، وجد ملايين السودانيين أنفسهم في مواجهة واقعاً  قاسٍ لم يكن الغذاء فيه أمراً مضموناً، ولا الدواء متاحاً للجميع، ولا المستقبل واضح المعالم.

في تلك اللحظة الحرجة لم ينتظر الناس حلولاً تأتي من الخارج، بل بدأوا في ابتكار حلولهم بأنفسهم.

من قلب الأحياء السكنية ومراكز النزوح والقرى البعيدة، ظهرت التكايا باعتبارها استجابة شعبية تلقائية لمواجهة الجوع الذي أخذ يهدد حياة الآلاف. تحولت ساحات المنازل والمساجد والمراكز المجتمعية إلى مطابخ مفتوحة تستقبل المحتاجين يومياً، وتقدم ما تيسر من الطعام لكل من يطرق أبوابها.

كانت الحرب تفرّق الناس، بينما كانت التكايا تجمعهم.

وكانت المدافع تزرع الخوف، بينما كانت مواقد التكايا تبعث الطمأنينة.

لم تكن تلك المبادرات مجرد عمل خيري عابر، بل كانت تعبيراً عن واحدة من أعمق القيم المتجذرة في المجتمع السوداني؛ قيمة التكافل الاجتماعي التي ظلت حاضرة في مختلف المحطات الصعبة التي مرت بها البلاد.

عندما تحولت التكايا إلى صيدليات إنسانية

ومع مرور الوقت لم تعد مهمة التكايا مقتصرة على توفير الطعام فقط.

فمع تدهور القطاع الصحي ونقص الأدوية وإغلاق أو تضرر العديد من المرافق العلاجية، بدأت مبادرات أهلية عديدة مرتبطة بالتكايا في جمع الأدوية وتوفيرها للمرضى، خاصة كبار السن ومرضى الأمراض المزمنة والأطفال.

في كثير من المناطق أصبحت التكايا عنواناً للتضامن الصحي كما كانت عنواناً للتضامن الغذائي.

شباب متطوعون يجمعون الأدوية من المتبرعين، وأطباء يقدمون الاستشارات المجانية، ومبادرات مجتمعية تسعى لتوفير العلاج لمن عجزت ظروف الحرب عن إيصال الخدمات إليه.

هكذا تحولت بعض التكايا إلى ما يشبه الصيدليات الإنسانية الصغيرة التي ساهمت في إنقاذ أرواح كثيرة في ظروف بالغة الصعوبة.

وربما كان ذلك أحد أكثر الجوانب أهمية في هذه التجربة؛ لأنها لم تكتفِ بمواجهة الجوع، بل حاولت أيضاً مواجهة المرض والعزلة واليأس.

أكثر من وجبة طعام ،

الخطأ الأكبر في قراءة تجربة التكايا هو النظر إليها باعتبارها مجرد مطابخ شعبية.

ففي جوهرها كانت التكايا مشروعاً مجتمعياً متكاملاً لإنتاج الأمل في زمن الانهيار.

لقد أعادت بناء الروابط الاجتماعية في أحياء مزقتها الحرب، وخلقت مساحات للتعاون بين الناس في وقت كانت فيه عوامل الانقسام والخوف تتسع يوماً بعد يوم.

نساء يطبخن لساعات طويلة، وشباب يتولون عمليات التوزيع، ومتطوعون يجمعون التبرعات، وأسر تتقاسم القليل الذي تملكه مع أسر أخرى لا تملك شيئاً.

بهذه الروح الجماعية تمكن المجتمع من بناء شبكة أمان أهلية واسعة خففت من آثار واحدة من أكبر الأزمات الإنسانية التي عرفها السودان في تاريخه المعاصر.

الدرس الذي صنعه السودانيون

ربما لا تكون التكايا هي القصة الأكثر تداولاً في نشرات الأخبار، لكنها بلا شك واحدة من أهم القصص التي ستبقى في ذاكرة هذه الحرب.

لقد أثبتت التجربة أن المجتمع السوداني يمتلك قدرة استثنائية على التكيف وإعادة تنظيم نفسه عندما تواجهه الأزمات الكبرى.

كما كشفت أن رأس المال الحقيقي للأمم لا يتمثل فقط في الموارد أو المؤسسات، بل في الثقة المتبادلة بين الناس واستعدادهم للعمل معاً عند الشدائد.

ومن هنا تتجاوز أهمية التكايا حدود العمل الإغاثي المباشر لتصبح مؤشراً على شكل السودان الذي يمكن أن يولد بعد الحرب؛ سودان أكثر اعتماداً على المبادرة المجتمعية والعمل التطوعي والتضامن الأهلي.

وفي تقديري، لم تكن التكايا مجرد استجابة طارئة للجوع الذي صنعته الحرب، بل كانت درساً عملياً في معنى المجتمع نفسه. لقد اكتشف السودانيون، وسط واحدة من أقسى الأزمات في تاريخهم ، أن النجاة الفردية لم تعد ممكنة، وأن الطريق الوحيد للحياة كان عبر التضامن والتكافل والعمل الجماعي.

ربما تتوقف الحرب يوماً، وربما تُعاد بناء المدن والطرق والمؤسسات، لكن أحد أهم التحولات التي ستبقى في ذاكرة هذه المرحلة هو ذلك الدرس البسيط والعميق: عندما عجز العسكر والساسة عن حماية الناس، تكفل الناس بحماية بعضهم البعض.

وهكذا، بينما كان الموت يتمدد في مساحات واسعة من البلاد، كانت التكايا تصنع الحياة.

ولذلك ستبقى هذه التجربة واحدة من أكثر الصفحات إشراقاً في تاريخ السودان  لأنها أثبتت أن المجتمع، مهما اشتدت المحن، قادر على أن ينتصر لانسانيته .

كما أن القيمة الحقيقية لهذه التجربة لا تكمن في عدد الوجبات التي قُدمت أو الأدوية التي وُزعت، بل في المعنى الذي أنتجته. فقد كشفت التكايا عن قدرة السودانيين على ابتكار أدواتهم الخاصة للحياة عندما تتعطل مؤسسات الدولة وتضيق الخيارات. ولهذا يمكن النظر إليها باعتبارها واحدة من التحولات الاجتماعية العميقة التي تصنع مستقبل البلاد؛ لأنها أعادت بناء الثقة بين الناس، ورسخت ثقافة المشاركة، وأثبتت أن قوة المجتمع قد تكون أحياناً أكثر بقاءً من آثار الحرب نفسها. . فالتحية لمن كانوا مشروع استشهاد حقيقي لإنقاذ مجتمعهم .

إرسال التعليق

You May Have Missed