محررو لقطة AI – 13
لقطة AI
4 سبتمبر 2026
لم تكن زيارة قائد الجيش السوداني عبد الفتاح البرهان إلى الدمازين جولة بروتوكولية عادية، ولم يكن توقيتها منفصلًا عن التحولات العسكرية المتسارعة في إقليم النيل الأزرق.
فالبرهان وصل إلى عاصمة الإقليم في 2 سبتمبر، بعد أيام من إعلان قوات الدعم السريع والحركة الشعبية لتحرير السودان–شمال، بقيادة عبد العزيز الحلو، السيطرة على مواقع عسكرية ومناطق مهمة قرب الكرمك وقيسان، وفي أعقاب وصول تعزيزات جديدة من القوة المشتركة المتحالفة مع الجيش إلى الدمازين.
وبين الخسائر التي أُعلن عنها، والتعزيزات التي وصلت، والحديث العسكري عن عمليات واسعة مرتقبة، بدت الزيارة أقرب إلى مراجعة عاجلة لجبهة تتعرض لضغط متزايد، منها إلى احتفال باستقرار الأوضاع.
ماذا حدث في الدمازين؟
تفقد البرهان مقر الفرقة الرابعة مشاة والقوات المرابطة في الإقليم، واستمع إلى تقرير عن الموقف الأمني والعملياتي واستعداد الوحدات لتنفيذ مهامها.
كما تجول في بعض طرق الدمازين وأسواقها بسيارة مكشوفة، برفقة حاكم إقليم النيل الأزرق أحمد العمدة وقائد الفرقة الرابعة اللواء إسماعيل الطيب.
وقال مجلس السيادة إن الزيارة هدفت إلى الوقوف على جاهزية القوات، بينما اعتبر قائد الفرقة الرابعة أن ظهور البرهان في المدينة أكد سيطرة الجيش على الأوضاع ورفع الروح المعنوية للقوات.
لكن الرسائل المصورة والبيانات الرسمية تمثل جانبًا واحدًا من المشهد.
ففي الجانب الآخر، كانت قوات الدعم السريع والحركة الشعبية–شمال قد حققت تقدمًا في مناطق حدودية، وأعلنت السيطرة على قاعدتي بكوري وسركم بعد تحركات في محوري قيسان والكرمك. كما وصلت إلى الدمازين دفعة ثانية من تعزيزات القوة المشتركة خلال أسبوع واحد، وفق سودان تربيون.
وهذا يعني أن الزيارة جاءت في لحظة ضغط حقيقي، لا في جبهة هادئة.
رسالة طمأنة أم اعتراف بالخطر؟
حرص البرهان على التجول داخل الدمازين يحمل رسالة واضحة إلى سكان المدينة: العاصمة ما زالت تحت السيطرة، والجيش موجود، ولا خطر وشيكًا يهدد بسقوطها.
لكن الحاجة إلى إرسال هذه الرسالة تكشف، في حد ذاتها، حجم القلق الذي أحاط بالإقليم بعد اتساع المعارك.
فالقائد العسكري لا ينتقل عادة إلى جبهة بعيدة، عقب وصول تعزيزات وتحقيق خصومه مكاسب ميدانية، لمجرد تفقد الأحوال. وتصبح الزيارة في مثل هذا التوقيت جزءًا من إدارة المعركة: رفع معنويات الجنود، تثبيت القيادات المحلية، مراجعة الخطط وإظهار أن القيادة العليا تتابع التطورات من الميدان.
وقد تكون أيضًا إشارة إلى قرب محاولة عسكرية لاستعادة الكرمك وقيسان والمواقع المحيطة بهما.
فالتعزيزات وصلت، وقائد الجيش تفقد القوات، وقادة الفرقة تحدثوا عن خطط للمرحلة المقبلة وعن إعلان الإقليم خاليًا من قوات الدعم السريع وحلفائها. لكن هذه التصريحات تبقى إعلان نوايا، ولا تعني أن موازين القوى تغيرت بالفعل.
ما سيحسم دلالة الزيارة ليس الخطاب الذي صدر من الدمازين، بل ما ستشهده الجبهات بعدها.
لماذا أصبح النيل الأزرق مهمًا؟
لفترة طويلة، ظل إقليم النيل الأزرق جبهة أقل حضورًا في الحرب مقارنة بالخرطوم ودارفور وكردفان. لكن هذا الوضع تغير مع تحالف الدعم السريع والحركة الشعبية–شمال واتساع عملياتهما في جنوب شرق البلاد.
تكمن أهمية الإقليم في موقعه.
فهو يجاور إثيوبيا وجنوب السودان، ويتصل بولاية سنار التي تقود بدورها إلى الجزيرة ووسط السودان. ولذلك فإن أي تقدم واسع من النيل الأزرق لا يهدد البلدات الحدودية وحدها، بل يمكن أن يفتح ضغطًا جديدًا باتجاه المناطق الوسطى التي استعادها الجيش خلال عملياته السابقة.
وخلص تحليل لمنظمة بيانات مواقع وأحداث النزاعات المسلحة «أكليد» إلى أن النيل الأزرق تحول من جبهة هامشية إلى ساحة مركزية، وأن توسع العمليات فيه قد يستهدف إعادة فتح الطريق نحو سنار والجزيرة والخرطوم، وإجبار الجيش على توزيع قواته بين مسارح متباعدة. أكليد
من هنا، لا تتعلق المعركة بالكرمك وقيسان وحدهما.
إنها معركة على بوابة جنوب شرق السودان، وعلى قدرة الجيش على منع خصومه من العودة إلى تهديد الوسط بعد تراجعهم عنه.
الجبهة التي تستنزف الجيش
تحمل زيارة البرهان دلالة أخرى أقل راحة للجيش.
فإرسال دفعتين من مقاتلي القوة المشتركة إلى الدمازين خلال أسبوع يكشف أن القوات الموجودة في الإقليم تحتاج إلى إسناد إضافي، في وقت يخوض فيه الجيش وحلفاؤه عمليات على جبهات متباعدة في كردفان ودارفور.
واتساع رقعة القتال يخدم الطرف الذي يريد تشتيت خصمه وإجباره على توزيع قواته وموارده الجوية واللوجستية بين مناطق بعيدة.
فكل قوة تُرسل إلى الدمازين لن تكون متاحة في كردفان، وكل إمداد يتحرك إلى النيل الأزرق يزيد العبء على خطوط النقل، وكل جبهة جديدة تفرض على القيادة العسكرية خيارات صعبة بشأن الأولويات.
كما أن الاستعانة بحركات مسلحة نشأ نفوذها الأساسي في دارفور للقتال في النيل الأزرق تعكس التحول الذي طرأ على طبيعة معسكر الجيش. فالحرب لم تعد تُدار بواسطة وحدات الجيش النظامية وحدها، وإنما عبر تحالف واسع يضم قوات نظامية وحركات مسلحة وتشكيلات مساندة، لكل منها قيادتها ومصالحها وحساباتها.
هذا التحالف يمنح الجيش قوة إضافية، لكنه قد يمنح قادة الحركات أيضًا نفوذًا سياسيًا وعسكريًا أكبر كلما زاد اعتماد القيادة عليهم.
الحدود الإثيوبية في خلفية المشهد
لا يمكن فصل زيارة الدمازين عن موقع الإقليم المحاذي لإثيوبيا.
مصادر عسكرية سودانية تحدثت عن حشود وتحركات داخل منطقة أصوصا الإثيوبية القريبة من الحدود، وعن وجود مقاتلين ومعدات وطائرات مسيّرة. لكنها اتهامات تحتاج إلى تحقق مستقل، ولا تكفي الرواية العسكرية وحدها لإثبات تورط رسمي إثيوبي.
ومع ذلك، فإن وجود جبهة نشطة بمحاذاة الحدود يجعل الزيارة رسالة تتجاوز أطراف الحرب داخل السودان.
فالبرهان أراد إظهار أن قيادة الجيش تنظر إلى النيل الأزرق باعتباره خطًا سياديًا لا مجرد جبهة محلية، وأن أي تحرك عسكري عبر الحدود أو بالقرب منها سيواجه برد مباشر.
لكن تحويل هذا الموقف إلى سياسة فعالة يحتاج إلى أكثر من الخطاب؛ يحتاج إلى ضبط الحدود، وحماية المدنيين، ومنع توسع الحرب إلى أزمة إقليمية مفتوحة.
المدنيون بين رسائل القوة وواقع النزوح
وسط الحديث عن الجاهزية والتعزيزات واستعادة المناطق، يبقى المدنيون الحلقة الأكثر هشاشة.
المعارك دفعت آلاف السكان إلى النزوح، وعطلت الأسواق والمدارس والخدمات، ووسعت الاحتياجات الإنسانية في إقليم يعاني أصلًا ضعف البنية الأساسية.
كما أن استخدام الطائرات المسيّرة وتوسع نطاق الضربات يزيدان الخطر على المناطق البعيدة عن خطوط الاشتباك المباشر. وكانت بعثة الأمم المتحدة المستقلة لتقصي الحقائق قد حذرت من أن الأسلحة والتقنيات العسكرية الخارجية رفعت قدرة أطراف الحرب على مهاجمة مناطق مدنية بعيدة، وأشارت إلى سقوط أكثر من ألف قتيل في هجمات بالطائرات المسيّرة خلال الأشهر الخمسة الأولى من 2026، مع اتهام الطرفين بارتكاب انتهاكات قد يرقى بعضها إلى جرائم حرب. رويترز
ولذلك فإن نجاح الزيارة لا يُقاس فقط باستعادة موقع عسكري أو رفع معنويات الجنود، بل بقدرة الجيش على حماية المدنيين ومنع القتال من الاقتراب من الدمازين ومناطق التجمعات السكانية.
ماذا تعني الزيارة فعليًا؟
تحمل زيارة البرهان ثلاثة معانٍ متداخلة.
أولها أن الجيش يدرك خطورة التطورات في النيل الأزرق، مهما حاول خطابه الرسمي إظهار أن الأوضاع تحت السيطرة الكاملة.
وثانيها أن الاستعدادات تجاوزت مرحلة إرسال التعزيزات إلى مرحلة مراجعة القيادة العليا للخطط، بما قد يمهد لعملية تهدف إلى استعادة المناطق التي خسرها الجيش.
أما المعنى الثالث، فهو أن الحرب دخلت مرحلة تتعدد فيها الجبهات ويصبح الاحتفاظ بالأرض أكثر كلفة من السيطرة عليها مؤقتًا.
لقد أراد البرهان أن يقول من الدمازين إن المدينة آمنة وإن الجيش يستعد للهجوم. لكن ظهور قائد الجيش في قلب الإقليم لا يلغي حقيقة أن خصومه نجحوا في فرض جبهة جديدة عليه، وأجبروه على تحريك قوات وحلفاء وموارد إلى أقصى جنوب شرق البلاد.
لهذا لا يمكن قراءة الزيارة بوصفها دليل انتصار، كما لا يمكن اعتبارها مجرد استعراض.
إنها رسالة قوة صدرت في لحظة قلق.
وإذا أعقبتها عملية ناجحة تعيد الكرمك وقيسان وتؤمّن الحدود، فستُقرأ باعتبارها مقدمة لتحول عسكري. أما إذا استمر تمدد قوات الدعم السريع والحركة الشعبية–شمال، فستبدو الزيارة محاولة لرفع المعنويات أمام جبهة كانت تقترب من أن تصبح أخطر مما أرادت القيادة الاعتراف به.
في الحروب، لا تحسم الصور الملتقطة في الأسواق ميزان السيطرة.
ما يحسمه هو ما يحدث بعد مغادرة الموكب.
لقطة AI… عين ترصد الحدث. وعقل يقرأ المشهد.
التعليقات
0 تعليقات