محررو لقطة AI – 7
23 سبتمبر 2026
بدأت الحكومة السودانية في رسم ملامح مسار اقتصادي يتجاوز التعامل مع آثار الحرب باعتبارها أزمة طارئة، ويتجه نحو محاولة إعادة تشغيل قطاعات الإنتاج والاستثمار والتجارة، واضعة الزراعة والقطاع الخاص والبنية التحتية في مقدمة أولويات التعافي.
وزارة المالية والتخطيط الاقتصادي حددت، خلال اليوم الثاني من الحوار رفيع المستوى حول تعافي القطاع الخاص السوداني في الخرطوم، مجموعة من الأولويات تشمل تعزيز الشراكة مع القطاع الخاص، وتوجيه الاستثمار نحو القطاعات الإنتاجية والحيوية، وإعادة تأهيل البنية التحتية، بالتوازي مع إدخال إدارة المخاطر والتأمين ضمن خطط الاستثمار الزراعي. (Suna)
ويأتي الحوار الذي تنظمه وزارة المالية بالتعاون مع برنامج الأمم المتحدة الإنمائي في وقت يواجه فيه السودان واحدة من أصعب مراحله الاقتصادية منذ اندلاع الحرب، وسط تراجع حاد في قيمة الجنيه، واضطراب الإنتاج والتجارة، وتضرر البنية التحتية، وصعوبات كبيرة في تمويل الواردات والعمليات الإنتاجية.
الزراعة لم تعد مجرد موسم
مدير عام إدارة السياسات والتخطيط بوزارة المالية، مكي عبد الرحيم، قال إن الحكومة تركز على الشراكات بين القطاعين العام والخاص باعتبارها إحدى أدوات تحقيق التعافي الاقتصادي والاجتماعي.
وحدد قطاعات يمكن أن تستوعب هذه الشراكات، بينها الزراعة بشقيها، وإنتاج الغذاء، والطرق والجسور وتطوير الموانئ. (Suna)
وهذه الرؤية توسع النقاش الزراعي من السؤال التقليدي حول تمويل الموسم إلى سؤال أكبر:
كيف تتحول الزراعة إلى محرك لإعادة بناء الاقتصاد؟
السودان يمتلك قاعدة إنتاج زراعي واسعة، لكن الحرب ألحقت أضرارًا شديدة بالأسواق وطرق النقل والتمويل وسلاسل الإمداد.
وتوصل تحليل حديث لبرنامج الأمم المتحدة الإنمائي إلى أن ثلاث سنوات من الحرب أحدثت اضطرابًا واسعًا في الإنتاج الزراعي وفتت الأسواق، لكنه حدد في المقابل سبع سلاسل إنتاج يمكن للاستثمار الموجه فيها المساعدة على استعادة سبل العيش، وهي السمسم والذرة وفول الصويا والفول السوداني والكركديه والصمغ العربي والثروة الحيوانية. (UNDP)
وهذا يعني أن المشكلة ليست غياب الموارد.
المشكلة هي كيفية إعادة ربط المنتج بالتمويل، والإنتاج بالتخزين، والمزرعة بالسوق، والسوق بالميناء.
الاستثمار الزراعي وسط الحرب يحتاج إلى حماية
من أبرز ما طرحته وزارة المالية إدخال مفهوم إدارة المخاطر بصورة مباشرة في استراتيجية التعافي الزراعي.
مديرة إدارة المخاطر بالوزارة، أسماء عجبنا، حددت مجموعة واسعة من المخاطر التي تواجه الاستثمار الزراعي، بينها المخاطر المناخية والطبيعية والاقتصادية والمالية والتشغيلية، إضافة إلى اضطرابات الأسواق وسلاسل الإمداد.
ودعت إلى جعل إدارة المخاطر جزءًا أصيلًا من استراتيجية التعافي الزراعي، وليس نشاطًا منفصلًا عنها، مع تعزيز تأمين الاستثمارات الزراعية. (Suna)
هذه النقطة شديدة الأهمية في البيئة السودانية الحالية.
المستثمر أو المزارع لا يواجه اليوم خطر ضعف المحصول وحده.
هناك الحرب.
وتقلب سعر الصرف.
وارتفاع الوقود.
وتعطل الطرق.
وصعوبة الوصول إلى الأسواق.
ونقص التمويل.
ومخاطر التخزين.
ثم تأتي التقلبات المناخية فوق كل ذلك.
ولذلك يصبح ضخ المال في الزراعة من دون منظومة لإدارة هذه المخاطر مقامرة أكثر منه استثمارًا طويل الأجل.
أربع عقد أمام الصادرات
الحوار الاقتصادي شخص أيضًا أربع مشكلات رئيسية تعطل نمو الصادرات السودانية:
الحرب، والطاقة، واللوجستيات، وتعقيد الإجراءات الرسمية. (سودان تربيون)
وهذه ربما تكون واحدة من أكثر النقاط واقعية في النقاش.
فزيادة الإنتاج وحدها لا تعني زيادة الصادرات.
يمكن للمزارع أن ينتج السمسم أو الصمغ العربي أو الفول السوداني، لكن إذا ارتفعت تكلفة النقل والطاقة، وتعطلت الطرق، وتعقدت الإجراءات، وصعب الحصول على التمويل، فإن الميزة الإنتاجية للسودان تتآكل قبل وصول السلعة إلى الميناء.
ولهذا اقترحت إحدى أوراق الحوار زيادة القيمة المضافة من خلال التصنيع، وحماية الإنتاج المحلي، وإحلال بعض الواردات، مع التركيز على القمح والدقيق والأسمدة وزيت الطعام. (Suna)
وهنا يظهر تحول آخر مهم.
السؤال لم يعد فقط:
ماذا يستطيع السودان أن يصدر؟
بل أيضًا:
ما الذي يستطيع إنتاجه محليًا حتى لا يضطر إلى شرائه بالدولار؟
الجنيه يجعل التعافي أكثر صعوبة
هذه المناقشات تأتي في اليوم نفسه الذي أظهر فيه تقرير لرويترز حجم الأزمة النقدية التي تواجه الاقتصاد.
الجنيه السوداني كان يتداول الثلاثاء في السوق الموازية عند نحو 7,500 جنيه للدولار، بعدما وصل أخيرًا إلى نحو 8 آلاف جنيه، مقارنة بنحو 4,100 جنيه في مايو، بينما كان سعره قبل الحرب في حدود 600 جنيه للدولار. (Reuters)
وهذه الفجوة ليست مجرد رقم في سوق العملات.
كلما ضعف الجنيه ارتفعت تكلفة الوقود والآلات وقطع الغيار والأسمدة والمواد المستوردة.
وبذلك تصبح إعادة تشغيل الزراعة والصناعة نفسها أكثر تكلفة.
وهنا تظهر العلاقة المباشرة بين ما تناقشه وزارة المالية وبين أزمة العملة.
لا يمكن تثبيت الاقتصاد بالسياسة النقدية وحدها إذا لم يعد الإنتاج والتصدير وتدفق النقد الأجنبي.
وفي المقابل يصعب استعادة الإنتاج إذا ظل سعر الصرف يتراجع بسرعة.
إنها دائرة لا يمكن كسرها من طرف واحد.
الصمغ العربي نموذج للمشكلة
خصص الحوار جزءًا من نقاشاته لقطاع الصمغ العربي.
المديرة العامة لشركة الصمغ العربي، أم سلمة عبد الماجد، طرحت مجموعة من الاحتياجات تبدأ بالاهتمام بالمنتجين وفتح أسواق الصادر، ولا تنتهي عند إعادة تأهيل المصانع ودعم التصنيع المحلي والتمويل واللوجستيات وسلاسل الإمداد. (سودان تربيون)
وهذا القطاع يقدم مثالًا واضحًا على الفارق بين امتلاك المادة الخام والاستفادة الاقتصادية الكاملة منها.
القيمة الأكبر لا تأتي دائمًا من تصدير الخام.
كلما استطاع السودان تصنيع نسبة أكبر من مواده الزراعية والحيوانية محليًا، ارتفعت القيمة التي تبقى داخل الاقتصاد وازدادت فرص العمل والعائد من الصادرات.
ولهذا دعا وزير الثروة الحيوانية أحمد المنصوري أيضًا إلى تصنيع المنتجات الزراعية والحيوانية الموجهة للصادر واستخدام التقنيات الحديثة في مكافحة التهريب وحماية الإنتاج المحلي. (سودان تربيون)
القطاع الخاص مطلوب.. لكنه يريد ضمانات
برنامج الأمم المتحدة الإنمائي يقول إن المزارعين والتجار في السودان يواجهون قيودًا في الوصول إلى التمويل، واضطراب الممرات التجارية، وارتفاع تكاليف التشغيل وضعف التنسيق.
ولهذا يناقش الحوار أدوات تتجاوز القروض التقليدية، بينها ضمانات الائتمان والتأمين التكافلي والتمويل المختلط واستثمارات السودانيين في الخارج. (UNDP)
أما اتحاد أصحاب العمل السوداني فوضع قائمة عملية لما يحتاجه القطاع الخاص: بنية تحتية، وتمويل، وتدريب مهني، واستقرار سعر الصرف، وإصلاحات تشريعية وإدارية. (سودان تربيون)
وهذا يكشف الفجوة التي ستحدد نجاح الخطة أو فشلها.
الحكومة تريد من القطاع الخاص أن يعود إلى الاستثمار.
لكن المستثمر يريد أن يعرف أولًا:
هل يستطيع الحصول على التمويل؟
هل يستطيع حماية استثماره؟
هل يستطيع نقل إنتاجه؟
هل يستطيع تحويل أمواله؟
وهل يستطيع توقع سعر العملة وتكلفة التشغيل بعد ستة أشهر؟
من دون إجابات عملية، ستظل فرص الاستثمار المكتوبة على الورق أكبر من الاستثمارات الموجودة على الأرض.
من الإغاثة إلى الاقتصاد
هناك بعد آخر مهم في الحوار.
برنامج الأمم المتحدة الإنمائي يقول إن إعادة تنشيط القطاع الخاص والإنتاج الغذائي ضرورية لأن ملايين السودانيين الذين يعانون انعدام الأمن الغذائي والفقر لا يمكن الوصول إليهم بالمساعدات الإنسانية وحدها. (UNDP)
وهذه ربما تكون النقطة الأعمق في الملف كله.
المساعدات تستطيع إبقاء أسرة على قيد الحياة.
لكنها لا تستطيع وحدها إعادة بناء اقتصاد.
التعافي الحقيقي يبدأ عندما يستطيع المزارع الزراعة والبيع، والعامل العودة إلى العمل، والمصنع الإنتاج، والتاجر التحرك، والبنك التمويل، والميناء التصدير.
ولهذا فإن إعادة تشغيل القطاع الخاص ليست قضية رجال أعمال فقط.
إنها قضية وظائف ودخول وغذاء.
الاختبار ليس في المؤتمر
الحوار يستهدف الخروج بخطة عمل لتعافي القطاع الخاص، وإطار لتنسيق التمويل والاستثمار، وخريطة لتسهيل التجارة والصادرات، ومنصة للشراكة ودعم الوظائف المرتبطة بسلاسل القيمة الزراعية. (UNDP)
لكن السودان عرف على مدى سنوات مؤتمرات وخططًا اقتصادية كثيرة.
لذلك لن يكون عدد الأوراق أو المشاركين هو معيار النجاح.
المعيار سيكون ما يحدث بعد انتهاء الحوار.
هل تظهر ضمانات حقيقية للتمويل الزراعي؟
هل يُفعّل التأمين على الاستثمارات؟
هل تتحسن طرق نقل الإنتاج؟
هل تتراجع الإجراءات التي تعرقل الصادرات؟
هل يعاد تأهيل المصانع؟
وهل يستطيع القطاع الخاص الحصول على العملات والتمويل من دون الاعتماد الكامل على السوق الموازية؟
هذه الأسئلة هي الفارق بين خطة للتعافي وتعافٍ يحدث بالفعل.
السودان يمتلك الأرض والمياه والثروة الحيوانية والصمغ العربي والمحاصيل القابلة للتصدير.
لكن الحرب أثبتت أن امتلاك الموارد وحده لا يصنع اقتصادًا.
المطلوب الآن هو إعادة بناء الطريق الذي يبدأ من المنتج وينتهي بالسوق.
وإذا نجحت الحكومة والقطاع الخاص وشركاء التنمية في إعادة فتح هذا الطريق، فقد تصبح الزراعة أكثر من قطاع يحتاج إلى الإنقاذ.
قد تصبح واحدة من الأدوات الرئيسية لإنقاذ الاقتصاد نفسه.
محررو لقطة AI – 7
عين ترصد الحدث. وعقل يقرأ المشهد
التعليقات
0 تعليقات