محررو لقطة AI – 4
17 أغسطس 2026
لم تكن زيارة وفد مجلس السلم والأمن التابع للاتحاد الأفريقي إلى الخرطوم مجرد محطة دبلوماسية جديدة ضمن سلسلة التحركات الإقليمية بشأن السودان، بل حملت دلالات سياسية تتجاوز مضمون اللقاءات والتصريحات الرسمية. فالوفد الأفريقي دخل العاصمة السودانية للمرة الأولى منذ قرارات الخامس والعشرين من أكتوبر 2021، التي أعقبها تعليق مشاركة السودان في أنشطة الاتحاد الأفريقي، لتبدأ مرحلة طويلة من الجفاء وعدم الثقة بين الخرطوم والمؤسسة القارية.
وجاءت الزيارة في لحظة شديدة التعقيد؛ إذ لا تزال الحرب مستمرة، وتتسع الأزمة الإنسانية، بينما تحاول الحكومة السودانية استعادة نشاطها من الخرطوم وإقناع المجتمعين الإقليمي والدولي بوجود تحول سياسي وإداري يمكن البناء عليه. وفي الوقت نفسه، تتزايد المخاوف من أن يؤدي استمرار القتال وظهور سلطات موازية إلى تكريس انقسام فعلي للبلاد.
وترأس الوفد السفير محمد خالد، مندوب الجزائر لدى الاتحاد الأفريقي والرئيس الدوري لمجلس السلم والأمن لشهر أغسطس، وعقد سلسلة لقاءات مع رئيس مجلس السيادة الانتقالي وقائد الجيش السوداني الفريق أول عبد الفتاح البرهان، ورئيس مجلس الوزراء كامل إدريس، إلى جانب وزراء ومسؤولين وممثلين لقوى سياسية ومجتمعية.
وعكست طبيعة اللقاءات رغبة المجلس في تكوين صورة مباشرة عن المشهد السوداني، بعيداً عن التقارير والمداولات التي تجري في أديس أبابا أو العواصم الإقليمية، كما منحت الحكومة السودانية فرصة لعرض موقفها أمام ممثلي الدول الأفريقية وطرح مطالبها المتعلقة بإنهاء تعليق عضوية السودان واستعادة علاقته الطبيعية بمؤسسات الاتحاد.
كسر القطيعة السياسية
تكتسب الزيارة أهميتها الأولى من كونها كسرت قطيعة استمرت منذ أكتوبر 2021، عندما علق الاتحاد الأفريقي مشاركة السودان عقب الإجراءات التي أنهت الشراكة بين المكونين العسكري والمدني، وحُل بموجبها مجلسا السيادة والوزراء وأُعلنت حالة الطوارئ.
ومنذ ذلك الوقت، ظلت العلاقة بين الطرفين محكومة بالخلاف حول تعريف الشرعية السياسية وشروط العودة إلى المسار الدستوري. ثم اندلعت حرب أبريل 2023، فتغيرت أولويات الأزمة من الخلاف على ترتيبات الانتقال إلى مواجهة مسلحة تهدد بقاء الدولة ووحدة أراضيها.
لهذا، فإن وصول وفد يضم ممثلي مجلس السلم والأمن إلى الخرطوم يحمل اعترافاً ضمنياً بأن عزل السودان عن المؤسسة القارية لم يساعد على تسوية الأزمة، وأن التواصل المباشر مع السلطات القائمة أصبح ضرورة لا يمكن تجاوزها إذا أراد الاتحاد الأفريقي أداء دور مؤثر في إنهاء الحرب.
ولا تعني الزيارة أن ملف تعليق العضوية قد حُسم، لكنها تمثل خطوة أولى نحو إعادة تقييم القرار وفق المتغيرات التي طرأت على البلاد، خاصة بعد تشكيل حكومة برئاسة كامل إدريس وعودة عدد من مؤسسات الدولة لمزاولة أعمالها من العاصمة.
لا حل عسكرياً للحرب
كان التأكيد على عدم وجود حل عسكري أحد أبرز محاور الرسالة التي حملها الوفد الأفريقي. فقد أوضح السفير محمد خالد أن استمرار الحرب أدى إلى خسائر بشرية واسعة وتدمير البنية الأساسية وتفاقم الأزمة الإنسانية، مشدداً على أن الطريق إلى سلام دائم يمر عبر الحوار والمصالحة الوطنية والتوصل إلى تسوية سياسية شاملة.
وتنسجم هذه الرسالة مع الموقف التقليدي للاتحاد الأفريقي الذي يرفض الحسم العسكري وسيلة لتسوية النزاعات الداخلية، غير أن ترجمتها داخل الحالة السودانية تواجه تعقيدات كبيرة؛ لأن طرفي الحرب لا يزالان ينظران إلى التطورات الميدانية باعتبارها مدخلاً لتحسين شروط التفاوض أو فرض وقائع سياسية جديدة.
فالحكومة السودانية تتمسك بضرورة استعادة سلطة الدولة وإنهاء الوجود العسكري لقوات الدعم السريع داخل المدن والمناطق السكنية، بينما تحاول قوات الدعم السريع وتحالفاتها الاحتفاظ بمناطق نفوذها وتحويل السيطرة العسكرية إلى ترتيبات سياسية وإدارية.
وبين الموقفين، يحتاج الاتحاد الأفريقي إلى الانتقال من إطلاق الدعوات العامة إلى تقديم تصور عملي يحدد الأطراف المشاركة، وأهداف الحوار، وعلاقة العملية السياسية بوقف إطلاق النار، والضمانات المطلوبة لتنفيذ أي اتفاق محتمل.
فعبارة «لا حل عسكرياً» وحدها لا تكفي لإنهاء الحرب إذا لم تصاحبها آليات لمنع تدفق السلاح، ووقف الدعم الخارجي، وحماية المدنيين، ومراقبة الالتزام بالهدنة، ومعالجة تعدد الجيوش والتشكيلات المسلحة داخل البلاد.
الهدنة بوصفها مدخلاً
دعا مجلس السلم والأمن الأفريقي إلى هدنة إنسانية تمهد لوقف شامل لإطلاق النار، بما يسمح بوصول المساعدات وتهيئة الأجواء لحوار سوداني–سوداني يعالج الأسباب الجذرية للنزاع.
ويبدو هذا التسلسل منطقياً من الناحية السياسية والإنسانية؛ إذ يصعب إطلاق عملية تفاوضية حقيقية في ظل استمرار القصف والهجمات واتساع النزوح. كما أن الهدنة الإنسانية يمكن أن تشكل اختباراً لإرادة الأطراف وقدرتها على الالتزام بتعهداتها قبل الدخول في ترتيبات سياسية أكثر تعقيداً.
لكن تجارب الهدن السابقة في السودان أظهرت أن الإعلان عن وقف إطلاق النار لا يضمن تنفيذه. فقد تعثرت تفاهمات عديدة بسبب غياب المراقبة الفعالة، وتبادل الاتهامات بخرق الاتفاقات، وتعدد القوات العاملة على الأرض، وعدم وجود عقوبات واضحة على الأطراف المنتهكة.
لذلك، فإن نجاح المبادرة الأفريقية سيتوقف على قدرتها على طرح هدنة قابلة للقياس والمراقبة، تتضمن تحديداً دقيقاً للمناطق المشمولة، ومسارات إيصال الإغاثة، ومواقع تمركز القوات، والجهة المسؤولة عن التحقيق في الخروقات.
كما ينبغي ألا تتحول الهدنة إلى فرصة لإعادة التسليح أو ترتيب الصفوف العسكرية، لأن ذلك سيقوض الثقة ويجعلها مجرد استراحة مؤقتة قبل استئناف القتال بصورة أشد.
رفض الحكومات الموازية
حملت تصريحات الوفد موقفاً واضحاً بشأن احترام سيادة السودان ووحدة أراضيه ورفض التدخل في شؤونه الداخلية، فضلاً عن رفض إنشاء كيانات أو حكومات موازية تمس وحدة الدولة وسيادتها.
ويمثل هذا الموقف نقطة تقارب مهمة بين مجلس السلم والأمن والحكومة السودانية، التي تنظر إلى تشكيل مؤسسات موازية في المناطق الخاضعة لسيطرة قوات الدعم السريع باعتباره محاولة لمنح السيطرة العسكرية شرعية سياسية وإدارية وتهيئة البلاد للانقسام.
ولا يقتصر خطر الكيانات الموازية على وجود حكومتين متنافستين، بل يمتد إلى ظهور أنظمة مالية وإدارية وقضائية وأمنية منفصلة، يمكن أن تؤدي مع مرور الوقت إلى تعميق الانقسام بين الأقاليم وإضعاف فرص إعادة بناء الدولة الموحدة.
ومن هنا، تبدو رسالة المجلس مهمة في منع أي اعتراف قاري أو دولي بهذه الترتيبات. لكنها في المقابل تضع على الحكومة السودانية مسؤولية تقديم مشروع سياسي جامع، حتى لا يتحول الدفاع عن وحدة الدولة إلى غطاء لإقصاء القوى السياسية أو تأجيل استحقاقات الانتقال المدني.
فالحفاظ على وحدة السودان لا يتحقق برفض الحكومة الموازية وحده، وإنما يتطلب بناء دولة تستطيع تمثيل مختلف الأقاليم والمكونات، وتوزيع السلطة والثروة بعدالة، ومعالجة المظالم التاريخية التي وفرت بيئة لنمو الحركات المسلحة والصراعات المحلية.
خطا الحكومة الأحمران
خلال لقاءات الوفد، طرح رئيس مجلس الوزراء كامل إدريس ما وصفهما بخطين أحمرين لا يمكن تجاوزهما: الأول رفض المساواة بين الجيش السوداني، بوصفه مؤسسة رسمية للدولة، وبين أي تشكيل مسلح آخر؛ والثاني رفض اتخاذ قرارات تتعلق بمصير السودانيين من خلال اجتماعات أو تحركات تجري خارج البلاد من دون مشاركة الحكومة.
ويعكس الخط الأول رفض الخرطوم لأي صيغة تفاوضية تمنح قوات الدعم السريع وضعاً سياسياً أو قانونياً مساوياً للقوات المسلحة. وتستند الحكومة في هذا الموقف إلى أن الجيش يمثل المؤسسة العسكرية الرسمية، بينما ترى أن الدعم السريع تحول إلى قوة متمردة بعد اندلاع الحرب.
غير أن التمسك بمكانة الجيش لا يلغي الحاجة إلى إصلاح المنظومة العسكرية والأمنية في مرحلة ما بعد الحرب، وإعادة تعريف علاقة القوات المسلحة بالسلطة المدنية، ومعالجة وجود الحركات المسلحة والقوات الموازية والكتائب ذات الارتباطات السياسية أو الأيديولوجية.
أما الخط الثاني، فيعبّر عن اعتراض متزايد داخل الخرطوم على اللقاءات التي تستضيفها عواصم خارجية لصياغة ترتيبات بشأن السودان دون حضور ممثلين عن الحكومة. وترى السلطات أن هذه المسارات تتجاوز سيادة الدولة وتتيح لأطراف خارجية التأثير في مستقبل البلاد.
لكن مشروعية الاعتراض على التدخل الخارجي ينبغي أن تترافق مع توفير مساحة داخل السودان لحوار حقيقي وآمن، يسمح بمشاركة القوى المدنية والمجتمعية والنقابية والنسوية والشبابية، بما في ذلك الجهات التي تختلف جذرياً مع الحكومة أو تنتقد أداء الجيش.
فالقول إن الحوار يجب أن يكون سودانياً–سودانياً وداخل البلاد يكتسب معناه فقط عندما تتوفر الضمانات القانونية والأمنية لحرية المشاركة والتعبير، ويصبح الحوار عملية لصناعة التوافق لا وسيلة لإعادة إنتاج تحالف سياسي محدود.
عودة الحكومة إلى الخرطوم
رحب مجلس السلم والأمن بعودة الحكومة ومؤسسات الدولة لمباشرة أعمالها من الخرطوم، واعتبر الخطوة محورية لاستعادة عمل المؤسسات وتقديم الخدمات وبناء الثقة والتهيئة للتحول الديمقراطي.
ولا تخلو هذه العودة من رمزية سياسية كبيرة؛ إذ تسعى الحكومة من خلالها إلى تأكيد أن العاصمة بدأت تستعيد دورها الإداري، وأن الدولة قادرة على إعادة تشغيل مؤسساتها بعد الدمار الذي أصاب البنية التحتية والخدمات.
لكن نجاح العودة لن يُقاس بعدد الوزارات والاجتماعات التي تنتقل إلى الخرطوم، وإنما بمدى توفر الكهرباء والمياه والرعاية الصحية والتعليم والأمن والمواصلات، وقدرة المواطنين والنازحين على العودة إلى منازلهم في ظروف آمنة.
كما يتطلب الأمر معالجة مخلفات الحرب، وإزالة الألغام والأجسام المتفجرة، وإعادة تأهيل المستشفيات والمدارس وشبكات المياه والكهرباء، إلى جانب حسم قضايا الممتلكات والمنازل التي تعرضت للنهب أو الاحتلال أو التدمير.
وإذا تحولت عودة المؤسسات إلى برنامج فعلي لإعادة الخدمات، فإنها ستعزز شرعية الدولة داخلياً وتمنحها ورقة قوية في نقاشاتها مع الاتحاد الأفريقي. أما إذا اقتصرت على العودة الرسمية دون تحسن ملموس في حياة السكان، فقد تبقى الخطوة ذات أثر رمزي محدود.
الانتخابات ليست محطة قريبة
دعا الوفد الحكومة والقوى السياسية إلى توسيع المشاركة والعمل على توافقات وطنية تقود إلى نظام دستوري وانتخابات حرة ونزيهة. ورغم أهمية هذا الهدف، فإن الوصول إلى انتخابات حقيقية يمر بسلسلة طويلة من الشروط السياسية والأمنية والقانونية.
فلا يمكن إجراء انتخابات ذات مصداقية في بلد يعيش فيه ملايين المواطنين بين النزوح واللجوء، وتخضع أجزاء منه لسلطات عسكرية متعددة، وتفتقر مؤسساته إلى سجل مدني محدث وإحصاء سكاني وبيئة سياسية مستقرة.
كما أن الانتخابات قبل معالجة قضايا الحرب وإعادة النازحين وفتح المجال العام يمكن أن تتحول إلى وسيلة لإضفاء شرعية شكلية على اختلالات القوة القائمة، بدلاً من أن تكون تعبيراً حراً عن إرادة الشعب.
لذلك، يجب أن تأتي الانتخابات في نهاية العملية الانتقالية، لا أن تستخدم مدخلاً مختصراً لتجاوز متطلبات السلام والعدالة والإصلاح المؤسسي. ويتعين أن تسبقها ترتيبات دستورية متوافق عليها، وإعادة بناء مؤسسات العدالة، وتوفير الحريات العامة، وإصلاح الأجهزة الأمنية، وتحديد العلاقة بين المدنيين والعسكريين.
هل تُرفع عضوية السودان؟
رغم أن التصريحات المعلنة ركزت على السلام والسيادة والحوار، فإن ملف إنهاء تعليق مشاركة السودان في الاتحاد الأفريقي ظل حاضراً بقوة في خلفية الزيارة.
تريد الخرطوم من المجلس أن يعترف بالتحولات التي حدثت منذ تعليق العضوية، وبأن استمرار العزل لم يعد متوافقاً مع ضرورة دعم مؤسسات الدولة ومنع تفكك البلاد. كما ترى أن غياب السودان عن المؤسسة القارية يضعف قدرة الاتحاد نفسه على التأثير في الأزمة.
في المقابل، سيربط الاتحاد الأفريقي على الأرجح أي تحرك نحو إنهاء التعليق بإظهار تقدم سياسي واضح، يتضمن توسيع المشاركة المدنية، وإطلاق حوار شامل، وتقديم جدول واقعي لاستعادة الحكم الدستوري.
وقد يكون الخيار الأقرب هو عودة تدريجية للسودان إلى أنشطة الاتحاد، تبدأ بتكثيف التواصل والبعثات الفنية والسياسية، قبل الوصول إلى قرار كامل بإلغاء التعليق. وسيعتمد ذلك على تقرير الوفد وما سيقدمه إلى مجلس السلم والأمن بعد انتهاء الزيارة.
فرصة أفريقية مشروطة
تفتح زيارة الوفد نافذة لإعادة الاتحاد الأفريقي إلى قلب الملف السوداني، بعد أن بدا دوره خلال مراحل الحرب أقل تأثيراً من أدوار بعض القوى الدولية والإقليمية. لكنها لن تتحول تلقائياً إلى اختراق سياسي ما لم يتبنى المجلس مبادرة قابلة للتنفيذ، وينسقها مع المسارات الأخرى بدلاً من إضافة منصة تفاوض جديدة إلى المنصات المتعددة.
كما أن نجاح الوساطة الأفريقية يتطلب موقفاً أكثر صرامة تجاه التدخلات الخارجية التي تمد أطراف الحرب بالسلاح والتمويل، لأن مطالبة السودانيين بوقف القتال بينما تستمر شبكات الإمداد الخارجية لن تؤدي إلى سلام مستدام.
الزيارة، في جوهرها، ليست نهاية القطيعة ولا بداية السلام بعد، لكنها تعني أن الخرطوم وأديس أبابا قررتا اختبار إمكانية فتح صفحة مختلفة. والحكومة السودانية مطالبة بتحويل الترحيب الأفريقي بعودة المؤسسات إلى مسار سياسي شامل، بينما يتعين على الاتحاد الانتقال من بيانات القلق إلى ممارسة ضغط دبلوماسي منظم على جميع الأطراف والدول المتدخلة.
وبين مطالبة المجلس بهدنة إنسانية وتمسك الخرطوم بسيادة الدولة، تظهر مساحة يمكن البناء عليها: وقف الحرب من دون شرعنة تقسيم السودان، وإطلاق حوار وطني من دون إضعاف مؤسسات الدولة، وفتح الطريق أمام حكم مدني دستوري لا يقوم على تفوق السلاح.
أما الاختبار الحقيقي فسيبدأ بعد مغادرة الوفد: هل تتحول الكلمات المتبادلة في الخرطوم إلى جدول سياسي واضح وآلية أفريقية للمتابعة، أم تنضم الزيارة إلى قائمة طويلة من المبادرات التي نجحت في وصف الأزمة وعجزت عن تغيير مسارها؟
لقطة AI… عين ترصد الحدث. وعقل يقرأ المشهد
التعليقات
0 تعليقات