السودان | محررو لقطة
23 يوليو 2026
مع دخول الحرب في السودان عامها الرابع، تتسع رقعة المأساة الإنسانية على نحو غير مسبوق، وسط تقديرات تشير إلى أن نحو 33 مليون شخص باتوا بحاجة إلى شكل من أشكال المساعدات الإنسانية، في واحدة من أكبر الأزمات الإنسانية وأزمات النزوح في العالم.
وتحذر اللجنة الدولية للصليب الأحمر والمنظمات الإنسانية العاملة في السودان من أن استمرار القتال، وصعوبة الوصول إلى المناطق المتضررة، وانهيار الخدمات الأساسية، وتراجع التمويل الدولي، عوامل تدفع ملايين المدنيين إلى حافة الجوع والمرض والموت.
وتصف اللجنة الدولية للصليب الأحمر الحرب في السودان بأنها نزاع أدى إلى معاناة هائلة للمدنيين، ودفع أعداداً غير مسبوقة إلى النزوح، وترك ملايين الأشخاص في صراع يومي للحصول على الغذاء والمياه والعلاج. (icrc.org)
الجوع يتحول إلى تهديد يومي
يمثل انعدام الأمن الغذائي أحد أخطر وجوه الأزمة، بعدما أدت الحرب إلى تعطيل مواسم الزراعة، وخروج مساحات واسعة من الأراضي المنتجة عن دائرة النشاط، ونزوح المزارعين، وارتفاع أسعار الوقود والبذور والأسمدة.
وتشير أحدث تقديرات برنامج الأغذية العالمي إلى أن نحو خمسة ملايين شخص يعيشون مستويات طارئة أو كارثية من الجوع، بينهم أكثر من مئة ألف شخص يواجهون ظروفاً شبيهة بالمجاعة، بينما اضطر البرنامج إلى تقليص عدد المستفيدين من مساعداته بسبب نقص التمويل. (Reuters)
وفي مناطق عديدة، أصبحت الوجبة الواحدة يومياً أقصى ما تستطيع بعض الأسر توفيره، بينما لجأت عائلات أخرى إلى تقليل كميات الطعام أو بيع ممتلكاتها أو النزوح بحثاً عن الغذاء.
ولم تعد أزمة الجوع مرتبطة فقط بنقص المواد الغذائية، بل أصبحت نتيجة مباشرة لتعطل الأسواق، وارتفاع تكاليف النقل، وانقطاع الطرق، واستمرار القيود المفروضة على وصول المساعدات إلى المناطق المحاصرة والمتأثرة بالقتال.
انهيار متواصل للخدمات الصحية
إلى جانب الجوع، يواجه النظام الصحي السوداني انهياراً واسعاً، بعد خروج عدد كبير من المستشفيات والمراكز الطبية عن الخدمة، وتعرض بعضها للقصف أو النهب أو الاحتلال من جانب أطراف مسلحة.
وتشير تقديرات إنسانية إلى أن نسبة كبيرة من المرافق الصحية لم تعد قادرة على العمل بكامل طاقتها، في وقت يتزايد فيه عدد المصابين بالأمراض المزمنة وسوء التغذية والأوبئة، مع نقص حاد في الأدوية والمستلزمات الطبية والكوادر المتخصصة. (The Guardian)
ويواجه المرضى في بعض المناطق خياراً قاسياً بين السفر لمسافات طويلة عبر طرق غير آمنة أو البقاء من دون علاج، بينما تعاني المستشفيات العاملة من انقطاع الكهرباء ونقص الوقود والمياه النظيفة.
كما أدى تدمير شبكات المياه والصرف الصحي إلى ارتفاع مخاطر انتشار الكوليرا والأمراض المنقولة بالمياه، خصوصاً داخل معسكرات النزوح والمناطق المكتظة بالسكان.
أكبر أزمة نزوح في العالم
تسببت الحرب، منذ اندلاعها في أبريل 2023، في واحدة من أوسع موجات النزوح التي شهدها العالم خلال العقود الأخيرة، إذ اضطر ملايين السودانيين إلى مغادرة منازلهم والانتقال إلى مناطق أخرى داخل البلاد أو عبور الحدود إلى دول الجوار.
وتشير تقديرات حديثة إلى نزوح نحو 14 مليون شخص، بينهم ملايين فروا إلى تشاد ومصر وجنوب السودان وإثيوبيا وأوغندا ودول أخرى، بينما يعيش النازحون داخل السودان في مدارس ومبانٍ عامة ومعسكرات تفتقر إلى الحد الأدنى من الخدمات. (The Guardian)
ويعاني كثير من النازحين من نقص الغذاء والمياه ومستلزمات الإيواء، إضافة إلى غياب الحماية، وتزايد مخاطر العنف والاستغلال والاتجار بالبشر، خاصة بالنسبة إلى النساء والأطفال.
كما تواجه الدول المستضيفة ضغوطاً اقتصادية وخدمية متزايدة، في ظل ضعف التمويل الدولي وعدم قدرتها على توفير الاحتياجات المتنامية للاجئين السودانيين.
تراجع خطير في التمويل الإنساني
تتفاقم الأزمة مع التراجع الحاد في تمويل العمليات الإنسانية، ما أجبر عدداً من المنظمات على تقليص برامجها أو تعليق بعض خدماتها، رغم الزيادة المستمرة في أعداد المحتاجين.
وبحسب تقديرات منشورة خلال عام 2026، لم تحصل خطة الاستجابة الإنسانية للسودان سوى على نسبة محدودة من التمويل المطلوب، الأمر الذي انعكس على برامج الغذاء والصحة والمياه والحماية والمطابخ المجتمعية. (The Guardian)
وحذر برنامج الأغذية العالمي من أن فجوة تمويلية تبلغ مئات الملايين من الدولارات أجبرته على خفض عدد الأشخاص الذين تصل إليهم المساعدات الغذائية، في وقت تتزايد فيه معدلات الجوع وتقترب مناطق جديدة من مستويات المجاعة. (Reuters)
ويقول العاملون في المجال الإنساني إن نقص التمويل لا يعني فقط انخفاض كميات الغذاء، بل يؤدي أيضاً إلى إغلاق مراكز صحية، ووقف خدمات المياه، وتقليص برامج حماية الأطفال والنساء، وتعطيل عمليات نقل المساعدات إلى المناطق النائية.
عوائق الوصول تهدد حياة المدنيين
لا تزال القيود الأمنية والإدارية المفروضة على حركة المنظمات الإنسانية تمثل أحد أبرز التحديات، إلى جانب استمرار القتال وقطع الطرق ونهب الشاحنات واستهداف العاملين في المجال الإنساني.
وطالبت اللجنة الدولية للصليب الأحمر مراراً بضمان وصول آمن ومستدام للمساعدات، واحترام القانون الدولي الإنساني، وحماية المدنيين والمنشآت الصحية والعاملين في الإغاثة. (icrc.org)
وتؤكد المنظمات الإنسانية أن المساعدات لا يمكن أن تصل بصورة منتظمة من دون فتح الطرق والمعابر، وتسهيل إصدار التصاريح، ووقف التدخلات التي تعرقل حركة القوافل أو تؤخر وصول المواد المنقذة للحياة.
كما تطالب بإنشاء ممرات إنسانية آمنة، لا تُستخدم لأغراض عسكرية أو سياسية، وتسمح بوصول الإغاثة إلى المدنيين في دارفور وكردفان والخرطوم والجزيرة وبقية المناطق المتأثرة.
الأطفال يدفعون الثمن الأكبر
يمثل الأطفال الفئة الأكثر تضرراً من استمرار الحرب، بعدما حُرم ملايين منهم من التعليم والغذاء والرعاية الصحية والحماية الأسرية.
وتشير تقارير حديثة إلى أن ملايين الأطفال أصبحوا خارج المدارس، بينما تعرض آلاف منهم للقتل أو الإصابة أو التجنيد أو الانفصال عن أسرهم. كما تنتشر حالات سوء التغذية الحاد بين الأطفال في المناطق التي يصعب الوصول إليها. (AP News)
ويهدد استمرار إغلاق المدارس بضياع جيل كامل، ويزيد من مخاطر عمالة الأطفال والزواج المبكر والتجنيد والاستغلال، فضلاً عن الآثار النفسية العميقة التي خلفتها مشاهد القتل والنزوح وفقدان أفراد الأسرة.
أزمة تهدد استقرار المنطقة
لا تقف تداعيات الحرب عند حدود السودان، إذ يهدد استمرار النزاع استقرار دول الجوار ومنطقة القرن الأفريقي والبحر الأحمر والساحل.
فزيادة تدفقات اللاجئين، وانتشار السلاح، ونشاط شبكات التهريب، وتراجع التجارة عبر الحدود، كلها عوامل قد تنقل آثار الأزمة إلى دول تعاني أصلاً من أوضاع اقتصادية وأمنية هشة.
كما يحذر خبراء من أن انهيار مؤسسات الدولة السودانية بصورة أوسع قد يفتح المجال أمام الجماعات المسلحة وشبكات الجريمة المنظمة، ويهدد طرق التجارة والملاحة الإقليمية.
نداء عاجل للمجتمع الدولي
أمام هذه الأوضاع، تتصاعد الدعوات إلى تحرك دولي أكثر جدية، لا يقتصر على إصدار البيانات أو تقديم مساعدات محدودة، بل يجمع بين الضغط لوقف القتال، وضمان حماية المدنيين، وتمويل الاستجابة الإنسانية بصورة كافية.
وتؤكد المنظمات الإنسانية أن إنقاذ الأرواح يتطلب وقف الهجمات على المناطق السكنية والمستشفيات والأسواق، والسماح بوصول المساعدات دون عوائق، ومحاسبة المسؤولين عن الانتهاكات الجسيمة.
كما يتطلب الأمر دعماً مباشراً للمنظمات السودانية المحلية وغرف الطوارئ والمبادرات المجتمعية، التي ظلت طوال سنوات الحرب تقدم الطعام والدواء وخدمات الإجلاء في ظروف شديدة الخطورة.
وبينما تدخل الحرب عامها الرابع، لم يعد السؤال متعلقاً فقط بعدد المحتاجين إلى المساعدات، بل بقدرة السودان على تجنب انهيار إنساني شامل قد تستمر آثاره لعقود.
فوراء رقم الـ33 مليوناً توجد أسر فقدت مصادر دخلها، وأطفال حُرموا من التعليم، ومرضى يبحثون عن الدواء، ونازحون يعيشون بلا مأوى، ومدن كاملة تتراجع فيها مقومات الحياة يوماً بعد يوم.
ومع استمرار الصمت الدولي وتراجع التمويل، يخشى العاملون في المجال الإنساني أن تتحول التحذيرات الحالية إلى واقع أكثر قسوة، تكون فيه المجاعة والأوبئة والنزوح الجماعي نتائج مباشرة لحرب لم ينجح العالم حتى الآن في وقفها.
لقطة AI… عين ترصد الحدث، وعقل يقرأ المشهد
التعليقات
0 تعليقات