بقلم: عبود النصيح
2026/7/16
لقد اعتادت السياسة الأمريكية على التعامل مع دعم إسرائيل بوصفه أحد الثوابت النادرة التي تتجاوز الانقسامات الحزبية وتغيّر الإدارات وتبدل الأولويات الدولية. فعلى امتداد عقود طويلة، ظلت العلاقة بين واشنطن وتل أبيب أقرب إلى “إجماع سياسي وطني” منها إلى مجرد خيار في السياسة الخارجية، حتى بدا للكثيرين أن هذه العلاقة أصبحت جزءاً من البنية الدائمة للنظام السياسي الأمريكي نفسه.
غير أن السنوات الأخيرة حملت مؤشرات متزايدة على أن هذا الإجماع لم يعد بالصلابة التي عُرف بها تاريخياً. فداخل الجامعات الأمريكية، ووسائل الإعلام، واستطلاعات الرأي، ودوائر الحزب الديمقراطي، بدأت تظهر أسئلة لم تكن مطروحة بالزخم نفسه في السابق حول طبيعة الدعم الأمريكي لإسرائيل وحدوده السياسية والأخلاقية.
وجاءت حرب غزة لتضع هذه الأسئلة في واجهة المشهد الأمريكي بصورة غير مسبوقة. فمع استمرار الحرب واتساع التغطية الإعلامية وتدفق الصور والمشاهد اليومية إلى الرأي العام، لم يعد النقاش مقتصراً على تطورات الصراع في الشرق الأوسط، بل امتد ليشمل موقع إسرائيل داخل السياسة الأمريكية نفسها، وطبيعة العلاقة التي تربطها بواشنطن، وحدود الدعم الذي ينبغي أن تحصل عليه من الحليف الأمريكي.
ومن هذا المنظور، لا يمكن النظر إلى التصويت الذي شهده مجلس النواب الأمريكي في يوليو 2026 باعتباره مجرد خلاف تشريعي حول المساعدات العسكرية لإسرائيل. فالأهمية الحقيقية للحدث لا تكمن في فشل المقترح الذي دعا إلى وقف تلك المساعدات، بل في جرأة أكثر من مائة نائب على تحدي أحد أكثر الثوابت رسوخاً في السياسة الأمريكية المعاصرة، وهو ما كان يُعد حتى وقت قريب مخاطرة سياسية لا يقدم عليها كثير من أعضاء الكونغرس.
ولذلك فإن السؤال الذي يطرحه التصويت الأخير لا يتعلق بمصير المساعدات العسكرية في حد ذاتها، بقدر ما يتعلق بمصير الإجماع التاريخي الذي ظل يحكم العلاقة الأمريكية الإسرائيلية لعقود طويلة. فهل كشفت غزة عن بداية شرخ حقيقي في هذا الإجماع؟ أم أن ما نشهده لا يزال مجرد اهتزاز مؤقت داخل بنية سياسية قادرة على استعادة توازنها التقليدي؟
من الإجماع إلى الجدل
على مدى عقود طويلة، كانت العلاقة الأمريكية الإسرائيلية تحظى بإجماع شبه كامل داخل الحزبين الجمهوري والديمقراطي. وكانت المساعدات العسكرية لإسرائيل تمر بسهولة داخل الكونغرس دون نقاشات جوهرية أو اعتراضات مؤثرة.
بل إن مجرد التشكيك في طبيعة هذا الدعم أو الدعوة إلى مراجعته كان يُنظر إليه في كثير من الأحيان باعتباره مغامرة سياسية قد تكلف صاحبها مستقبله الانتخابي.
لكن ما حدث في التصويت الأخير يكشف أن هذه القاعدة لم تعد صلبة كما كانت في السابق.
فالقضية التي كانت تُعامل باعتبارها من المسلمات السياسية بدأت تتحول إلى موضوع مفتوح للنقاش والمساءلة. وربما تكون هذه هي الدلالة الأهم في كل ما جرى.
علاقة تتجاوز التحالف التقليدي
لفهم أهمية ما جرى في الكونغرس، لا بد من العودة إلى الطبيعة الخاصة للعلاقة الأمريكية الإسرائيلية. فهذه العلاقة لم تكن في يوم من الأيام مجرد شراكة بين دولتين أو تحالفاً أمنياً تقليدياً، بل تحولت منذ ستينيات وسبعينيات القرن الماضي إلى أحد أكثر ملفات السياسة الخارجية الأمريكية رسوخاً واستقراراً.
وخلال الحرب الباردة، اعتُبرت إسرائيل حليفاً استراتيجياً مهماً للولايات المتحدة في الشرق الأوسط، لكن العلاقة تطورت لاحقاً لتتجاوز الاعتبارات العسكرية والأمنية إلى مستويات أعمق تشمل التعاون التكنولوجي والاستخباراتي والتنسيق السياسي والدبلوماسي الواسع.
ولهذا السبب، فإن الدعم الأمريكي لإسرائيل لم يكن يُقاس فقط بحجم المساعدات العسكرية أو الاقتصادية، بل بوجود توافق سياسي واسع جعل العلاقة تبدو أقرب إلى الثوابت الوطنية الأمريكية منها إلى السياسات القابلة للتغيير بتغير الإدارات أو الأغلبية الحزبية.
ومن هنا تأتي أهمية التصويت الأخير؛ لأنه لا يهدد المساعدات بقدر ما يطرح للمرة الأولى منذ سنوات طويلة أسئلة حول طبيعة هذا التوافق نفسه، ومدى قدرته على الصمود أمام التحولات الاجتماعية والسياسية المتسارعة داخل الولايات المتحدة.
ماذا يعني ذلك بالنسبة للوبي المؤيد لإسرائيل؟
على مدى عقود طويلة، نجحت المؤسسات واللوبيات المؤيدة لإسرائيل في واشنطن في بناء شبكة نفوذ واسعة داخل الحزبين الجمهوري والديمقراطي، الأمر الذي جعل دعم إسرائيل قضية تحظى بإجماع شبه كامل داخل الكونغرس.
غير أن التحدي الذي تواجهه هذه المؤسسات اليوم لا يتمثل في خسارة معركة تشريعية بعينها، وإنما في تغير البيئة السياسية التي عملت داخلها لعقود.
ففي الماضي كان النفوذ السياسي يُبنى أساساً عبر العلاقات الحزبية التقليدية ووسائل الإعلام الكبرى ومراكز صناعة القرار. أما اليوم فإن منصات التواصل الاجتماعي، وتغير الأجيال، وصعود الحركات الحقوقية، أدت إلى ظهور مساحات جديدة للرأي العام يصعب التأثير عليها بالأدوات التقليدية نفسها.
ولهذا فإن التحدي الأكبر أمام اللوبيات المؤيدة لإسرائيل مستقبلاً قد لا يكون إقناع أعضاء الكونغرس الحاليين، بل المحافظة على مستوى التأثير ذاته لدى الأجيال السياسية القادمة.
فإذا استمرت الفجوة الحالية في الاتساع بين مواقف الشباب الأمريكي ومواقف المؤسسة السياسية التقليدية، فإن النفوذ الذي بُني على أساس الإجماع الحزبي قد يجد نفسه مضطراً للتكيف مع واقع سياسي جديد أكثر انقساماً وأقل قابلية للضبط من السابق.
تآكل المحظورات السياسية
لعل أبرز ما كشفه التصويت الأخير هو ما يمكن وصفه بـ”تآكل المحظورات السياسية”.
فالتحولات الكبرى في الديمقراطيات لا تبدأ عادة بانتصار الأفكار الجديدة، وإنما تبدأ عندما تتراجع كلفة التعبير عنها.
في السابق كان التصويت ضد المساعدات العسكرية لإسرائيل يُنظر إليه باعتباره مخاطرة سياسية كبرى. أما اليوم فقد أظهر أكثر من مائة نائب استعدادهم لاتخاذ هذا الموقف علناً داخل المؤسسة التشريعية الأقوى في العالم.
وهذا التطور لا يمنح الشرعية لموقف سياسي محدد فحسب، بل يمنح أيضاً غطاءً سياسياً لملايين الناخبين الذين كانوا يترددون في التعبير عن مواقف مشابهة.
وبعبارة أخرى، فإن ما جرى لا يعكس فقط وجود معارضة متزايدة، بل يساهم أيضاً في “تطبيع” هذه المعارضة داخل المجال السياسي الأمريكي.
وهنا تكمن أهمية الحدث وخطورته بالنسبة للمدافعين عن النموذج التقليدي للعلاقة الأمريكية الإسرائيلية.
غزة والتحول في الوعي الأمريكي
يصعب فهم هذه التحولات بعيداً عن الحرب المستمرة في غزة.
فمنذ اندلاع الحرب في أكتوبر 2023، ظلت صور الدمار والخسائر الإنسانية حاضرة بقوة في الإعلام الأمريكي ومنصات التواصل الاجتماعي والجامعات والفضاء العام. ومع امتداد أمد الحرب وارتفاع أعداد الضحايا المدنيين، بدأت قطاعات متزايدة من الأمريكيين تنظر إلى الصراع من زاوية تختلف عن السردية التقليدية التي ظلت مهيمنة لعقود.
وعلى خلاف الحروب السابقة، لم تعد الرواية التقليدية قادرة على احتكار المشهد الإعلامي أو تشكيل الرأي العام وحدها. فقد أسهمت وسائل التواصل الاجتماعي في نقل الأحداث بصورة مباشرة إلى ملايين الأمريكيين، بعيداً عن المرشحات الإعلامية التقليدية التي كانت تتحكم في تدفق المعلومات خلال العقود الماضية.
كما أن الجدل داخل الولايات المتحدة لم يعد مقتصراً على العمليات العسكرية في غزة وحدها، بل امتد إلى نقاش أوسع حول طبيعة السياسات الإسرائيلية تجاه الفلسطينيين، وحول تنامي نفوذ التيارات الدينية والقومية المتطرفة داخل إسرائيل. وقد ساهمت تقارير متكررة عن اعتداءات استهدفت رجال دين مسيحيين، أو مضايقات تعرضت لها كنائس وممتلكات دينية، فضلاً عن شكاوى من حجاج وزوار مسيحيين غربيين، في إثارة تساؤلات لدى قطاعات من الرأي العام الأمريكي، خاصة داخل الأوساط الكنسية والمسيحية المحافظة التي ظلت تاريخياً من بين أكثر الداعمين لإسرائيل .
ورغم أن هذه القضايا لم تكن تحظى باهتمام واسع داخل الولايات المتحدة في السابق، فإنها أصبحت جزءاً من النقاش العام في وسائل الإعلام والجامعات والكنائس الأمريكية، بالتزامن مع الجدل المتصاعد حول الحرب في غزة وتداعياتها الإنسانية.
وبالتوازي مع ذلك، ساهمت مشاهد الدمار في غزة، والتقارير الحقوقية الدولية، والجدل المتصاعد حول القانون الدولي الإنساني، في دفع أعداد متزايدة من الأمريكيين، خاصة بين الشباب، إلى إعادة تقييم مواقفهم التقليدية من الصراع.
ولهذا لم يعد النقاش داخل الولايات المتحدة يدور فقط حول أمن إسرائيل أو مصالحها الاستراتيجية، بل أصبح يشمل أسئلة أعمق تتعلق بالقانون الدولي وحقوق الإنسان والمسؤولية الأخلاقية للحليف الأمريكي، وهي أسئلة لم تكن مطروحة بهذا الاتساع داخل المجتمع الأمريكي قبل سنوات قليلة.
صراع أجيال أكثر من كونه صراع أحزاب
ورغم أن التصويت عكس انقساماً داخل الحزب الديمقراطي، فإن القراءة الأعمق تشير إلى أنه يعكس أيضاً صراعاً بين جيلين سياسيين مختلفين.
فالناخبون الأكبر سناً ما زالوا ينظرون إلى إسرائيل من منظور التحالفات الاستراتيجية التي تشكلت خلال الحرب الباردة وما بعدها، بينما تنظر الأجيال الجديدة إلى القضية من زاوية مختلفة تماماً.
جيل الشباب الأمريكي، وخاصة أبناء جيل الألفية والجيل “زد”، يتعامل مع القضايا الدولية من خلال مفاهيم العدالة الاجتماعية وحقوق الإنسان والمساواة.
وبالنسبة لكثير منهم، لم تعد الاعتبارات الجيوسياسية التقليدية كافية لتبرير السياسات الحكومية.
ومن هنا يمكن فهم جانب مهم من الانقسام داخل الحزب الديمقراطي.
فما يجري ليس مجرد خلاف حول الشرق الأوسط، بل هو جزء من عملية إعادة تعريف أوسع لأولويات الحزب وهويته السياسية في المستقبل.
أزمة داخل الحزب الديمقراطي
أظهر التصويت أيضاً حجم التوتر المتصاعد داخل الحزب الديمقراطي.
فالقيادة التقليدية للحزب ما زالت متمسكة بالإطار التاريخي للعلاقة مع إسرائيل، بينما يزداد نفوذ التيار التقدمي الذي يطالب بإعادة النظر في طبيعة هذا الدعم وحدوده.
وهذا الانقسام لا يتعلق بإسرائيل وحدها، بل يعكس اختلافاً أعمق حول دور الولايات المتحدة في العالم، وحدود القوة العسكرية، والعلاقة بين المصالح الاستراتيجية والقيم الحقوقية.
ولذلك فإن ما حدث في الكونغرس قد يكون مجرد محطة ضمن نقاش أكبر سيستمر لسنوات داخل الحزب الديمقراطي.
من “هل ندعم؟” إلى “كيف ندعم؟”
ربما يكون التحول الأكثر أهمية هو انتقال النقاش من سؤال “هل ينبغي دعم إسرائيل؟” إلى سؤال “كيف ينبغي دعمها؟”.
هذا التغيير يبدو بسيطاً ظاهرياً، لكنه في الواقع يعكس تحولاً جوهرياً في طبيعة النقاش.
فالدعوة إلى وقف الدعم بالكامل لا تزال تمثل موقفاً محدود الانتشار نسبياً داخل المؤسسة السياسية الأمريكية.
أما الدعوة إلى جعل الدعم مشروطاً بمعايير تتعلق بحماية المدنيين أو احترام القانون الدولي أو ضمان المساءلة، فهي تحظى بقبول أوسع وأكثر تنوعاً.
ولهذا من المرجح أن تكون معركة السنوات المقبلة مرتبطة بمفهوم “المساعدات المشروطة” أكثر من ارتباطها بمبدأ المساعدات نفسه.
فالخلاف لم يعد حول وجود العلاقة، بل حول طبيعتها وحدودها.
الانتخابات القادمة والعامل الانتخابي
هناك عامل آخر لا يقل أهمية عن كل ما سبق، وهو اقتراب الاستحقاقات الانتخابية الأمريكية المقبلة.
فكلما اقتربت الانتخابات، ازدادت حساسية النواب تجاه مزاج قواعدهم الانتخابية.
وخلال السنوات الأخيرة أظهرت قطاعات واسعة من الشباب والأقليات والناخبين التقدميين مواقف أكثر انتقاداً للسياسات الإسرائيلية.
وهذا يعني أن القضية قد تتحول تدريجياً من ملف يتعلق بالسياسة الخارجية إلى ملف انتخابي داخلي يؤثر في حسابات المرشحين والنواب.
وفي هذه الحالة، تصبح المواقف من إسرائيل جزءاً من المنافسة السياسية اليومية داخل الولايات المتحدة، بدلاً من أن تبقى منطقة توافق بين الحزبين.
هل تتحول إسرائيل إلى قضية حزبية؟
ربما يكون هذا هو السؤال الأهم الذي يطرحه التصويت الأخير.
فطوال عقود استفادت إسرائيل من كونها تحظى بدعم الحزبين الجمهوري والديمقراطي معاً.
لكن إذا استمر التباعد الحالي داخل الحزب الديمقراطي، فقد تجد إسرائيل نفسها مرتبطة بشكل متزايد بالحزب الجمهوري وحده.
ومن المتوقع أن يسعى الجمهوريون إلى استثمار الانقسام الديمقراطي عبر تقديم أنفسهم بوصفهم المدافعين الأكثر وضوحاً وثباتاً عن إسرائيل.
وعلى المدى القصير قد يبدو ذلك مكسباً سياسياً لإسرائيل.
لكن على المدى البعيد قد يحمل مخاطر استراتيجية كبيرة.
فالقضايا المرتبطة بحزب واحد تصبح أكثر عرضة للتقلب مع تغير موازين القوى السياسية، بينما تمنحها الطبيعة التوافقية استقراراً أكبر واستمرارية أطول.
ولهذا فإن التحدي الحقيقي أمام إسرائيل لا يتمثل في خسارة هذا التصويت أو ذاك، بل في خطر تحولها من قضية تحظى بإجماع أمريكي إلى قضية تخضع للاستقطاب الحزبي.
الخاتمة
لا يعني التصويت الأخير أن الولايات المتحدة تتجه قريباً إلى قطع مساعداتها لإسرائيل أو التخلي عن تحالفها الاستراتيجي معها.
لكن ما حدث كشف عن أمر أكثر أهمية من ذلك.
لقد أظهر أن الإجماع التقليدي الذي حكم العلاقة بين واشنطن وتل أبيب لعقود لم يعد محصناً كما كان في السابق، وأن الأسئلة التي كانت تُعتبر محرمة داخل السياسة الأمريكية أصبحت اليوم مطروحة للنقاش داخل أروقة الكونغرس نفسه.
فما يواجهه أنصار العلاقة التقليدية بين واشنطن وتل أبيب اليوم ليس خطر خسارة تصويت واحد داخل الكونغرس، بل احتمال فقدان الميزة التي شكلت مصدر قوة هذه العلاقة لعقود، وهي قدرتها على البقاء فوق الاستقطاب الحزبي الأمريكي.
والأهم من ذلك أن التصويت كشف بداية تراجع “الاحتكار السياسي” للدفاع عن إسرائيل داخل الولايات المتحدة.
فالقضية التي كانت فوق الاستقطاب الحزبي بدأت تنزلق تدريجياً إلى قلب الصراع السياسي الأمريكي، والقضية التي كانت تُدار بالإجماع أصبحت تُدار بالجدل.
وربما لن يتذكر المؤرخون مستقبلاً عدد الأصوات التي أيدت أو عارضت هذا المقترح، بقدر ما سيتذكرون أن هذه اللحظة كانت من بين اللحظات التي كشفت بداية التحول من مرحلة الإجماع الأمريكي حول إسرائيل إلى مرحلة الجدل الأمريكي حول إسرائيل.
لقطة … عين ترصد الحدث والعقل يقرأ المشهد













