القوى السياسية السودانية في ظل الحرب: أزمة القيادة وتحديات المرحلة
عبود النصيح
عادت الأسئلة القديمة حول دور القوى السياسية السودانية وقدرتها على إدارة الأزمات الوطنية وبناء مشروع جامع للدولة. وبينما تتواصل المعارك وتتفاقم الكارثة الإنسانية والاقتصادية، يجد الشارع السوداني نفسه أمام مشهد سياسي مرتبك، تتداخل فيه الانقسامات الحزبية مع الحسابات الإقليمية والدولية، في وقت يواجه فيه السودان أخطر تهديد لوحدته واستقراره منذ عقود.
ورغم اختلاف المواقف السياسية تجاه أطراف الحرب، إلا أن قطاعًا واسعًا من السودانيين بات يرى أن الأزمة الحالية ليست فقط نتيجة للصراع العسكري، بل أيضًا نتيجة تراكم طويل من الإخفاقات السياسية وضعف الرؤية الوطنية الجامعة التي يمكن تلخيصها فيما طرحته ثورة ديسمبر 2018 من شعارات وأهداف تبدّا بالتحول المدني الديمقراطي كخطوة أولي في طريق طويل قادم .
الحرب وكشف هشاشة المشهد السياسي
أظهرت الحرب عمق التصدعات التي ظلت كامنة داخل المشهد السياسي السوداني لسنوات طويلة، وكشفت هشاشة التوافقات التي كانت تبدو مستقرة في أوقات السلم. فقد انقسمت القوى المدنية والتقليدية والمسلحة بين حسابات التحالفات وصراعات النفوذ وتبادل الاتهامات، بينما كان المواطن السوداني يدفع الثمن الأكبر من أمنه واستقراره ومستقبله. وبينما انشغلت النخب السياسية بإعادة تموضعها ورسم خرائط اصطفافاتها الجديدة، وجد ملايين السودانيين أنفسهم في مواجهة واقع قاسٍ يتمثل في النزوح والجوع وانهيار الخدمات الأساسية وتآكل فرص الحياة الكريمة، في مشهد يختصر الفجوة الواسعة بين معارك السياسة ومعاناة الناس على الأرض .
وأدى غياب القيادة السياسية الموحدة إلى اتساع حالة الإحباط الشعبي، خصوصًا بين الشباب الذين قادوا ثورة ديسمبر وكانوا يأملون في بناء دولة مدنية ديمقراطية تتجاوز إرث الصراعات والانقلابات والانقسامات السياسية والاجتماعية .
أزمة الثقة بين الشارع والسياسيين
لعل أخطر ما أفرزته الحرب لا يتمثل فقط في حجم الدمار المادي والإنساني، وإنما في اتساع الفجوة النفسية والسياسية بين الشارع السوداني والقوى التي تدّعي تمثيله. فبعد سنوات من الوعود والشعارات والتحالفات المتغيرة، بات كثير من المواطنين ينظرون إلى المشهد السياسي بعين الشك أكثر من الأمل، خصوصاً في ظل العجز المستمر عن تقديم مبادرات عملية قادرة على وقف الحرب أو التخفيف من آثارها.
واعتقد أن أزمة الثقة الحالية هي حصيلة تراكمات طويلة من الإخفاقات في إدارة المراحل الانتقالية والانقسامات السياسية التي أعاقت بناء مشروع وطني متفق عليه. ومع استمرار الحرب، تعمق هذا الشعور لدى كثير من السودانيين الذين يرون أن معاناتهم اليومية تراجعت أمام صراعات النفوذ والمواقع العسكري والمدني علي حد سواء.
غياب المشروع الوطني الجامع
كشفت الحرب غياب رؤية وطنية متفق عليها لمستقبل السودان. فبين تعدد المبادرات والمنصات السياسية، يظل السؤال الأساسي قائماً: ما شكل الدولة التي يريدها السودانيون بعد انتهاء الحرب؟
وأدى هذا الفراغ إلى زيادة الاستقطاب والتأثر بالعوامل الخارجية، كما أضعف قدرة القوى السياسية على تقديم بديل يحظى بثقة المواطنين، وتراجع معه الاهتمام بقضايا التنمية والعدالة والإصلاح المؤسسي.
تحديات المرحلة القادمة
ومهما كانت نتائج الحرب، فإن السودان سيواجه تحديات كبيرة في مرحلة ما بعد الحرب . فإعادة الإعمار لن تقتصر على إصلاح البنية التحتية والمؤسسات، بل اعتقد ستشمل أيضاً ترميم الثقة بين المجتمع والدولة والقوى السياسية.
كما ستواجه الأحزاب والقوى المدنية اختباراً يتعلق بقدرتها على تجديد أدواتها وقياداتها واستيعاب التحولات التي أحدثتها الحرب. فالأجيال الجديدة التي تحملت كلفة الثورة والحرب لن تقبل بسهولة العودة إلى الممارسات السياسية التي ساهمت في إنتاج الأزمات السابقة.
السودان بين خطر التفكك وفرصة المراجعة
ورغم الصورة القاتمة التي فرضتها الحرب، فإن الأزمات الكبرى قد تفتح الباب أمام مراجعات عميقة. وقد تمثل هذه اللحظة فرصة للقوى السياسية السودانية للانتقال من التنافس على السلطة إلى التركيز على بناء الدولة.
ويبقى مستقبل السودان مرهوناً بقدرة الأطراف المختلفة على تجاوز الانقسامات وصياغة مشروع وطني شامل يتخطي أزمة الحكم و يضع مصلحة المواطن فوق الحسابات الحزبية، ويجعل السياسة أداة لبناء السلام والاستقرار والتنمية.
وفي نهاية المطاف، قد لا يكون السؤال الأهم هو من يتقدم ، بل من يستطيع أن يكسب السودان نفسه، ويحافظ على وحدته ومستقبله وحق شعبه في دولة السلام والحرية والعدالة دولة تسع الجميع .



إرسال التعليق