الخميس، 27 أغسطس 2026 بتوقيت السودان
عاجل
اكتب رأيك رأيك ذو قيمة في موقع لقطة AI

الحرب والإعلام في السودان.. كيف تحولت الحقيقة إلى إحدى ضحايا الصراع؟

f تابع لقطة AI على فيسبوك

تابع آخر الأخبار والتحليلات والتقارير فور نشرها.

الحرب والإعلام في السودان.. كيف تحولت الحقيقة إلى إحدى ضحايا الصراع؟
💬 تعليق 0

بقلم: عبود النصيح
www.lagtaai.com
19 يوليو 2026

منذ اندلاع الحرب في السودان في منتصف أبريل 2023، لم تعد المعارك تقتصر على ميادين القتال، بل امتدت إلى ساحة أخرى لا تقل خطورة، هي ساحة الإعلام. فإلى جانب الدمار الذي أصاب المدن والبنية التحتية ومؤسسات الدولة، تعرض المشهد الإعلامي السوداني لتحولات عميقة أعادت تشكيل طريقة إنتاج الأخبار وتداولها، وغيّرت علاقة الجمهور بالمعلومة، حتى أصبحت الحقيقة نفسها إحدى أبرز ضحايا الحرب.

ولم يعد السؤال الأساسي هو: ماذا حدث؟، بل أصبح: أي رواية نصدق؟ فالحروب الحديثة لم تعد تُحسم بالقوة العسكرية وحدها، وإنما تُخاض أيضاً عبر الكاميرات، ومنصات التواصل الاجتماعي، وغرف الأخبار، والخوارزميات التي تحدد ما يصل إلى الجمهور وما يُحجب عنه.

انهيار البنية الإعلامية… عندما غابت المؤسسات

كانت المؤسسات الإعلامية من أوائل المتضررين من الحرب. فقد تعطلت صحف وإذاعات وقنوات تلفزيونية، وتعرضت مقار إعلامية للتدمير أو الإغلاق، بينما فقد آلاف الصحفيين وظائفهم أو اضطروا إلى مغادرة مناطق القتال حفاظاً على سلامتهم.

وأدى هذا الانهيار إلى تراجع الإنتاج الصحفي المهني من داخل السودان، وخلق فراغاً معلوماتياً واسعاً، جعل الحصول على المعلومات الدقيقة أكثر صعوبة، وفتح المجال أمام مصادر غير رسمية لسد هذا الفراغ، دون أن تكون جميعها ملتزمة بالمعايير المهنية أو التحقق من المعلومات.

كما انعكس غياب المؤسسات الإعلامية على حضور الرواية السودانية في وسائل الإعلام الدولية، التي أصبحت تعتمد بصورة أكبر على بيانات المنظمات الدولية، أو شهادات متفرقة، أو المحتوى المتداول عبر منصات التواصل الاجتماعي، وهو ما حدّ من قدرة الصحفيين السودانيين على نقل الوقائع من منظور محلي متكامل.

من نقل الخبر إلى صناعة الرواية

في أوقات السلم، يفترض أن يكون الإعلام وسيطاً بين الحدث والجمهور، أما في الحروب فيتحول أحياناً إلى طرف ضمن معركة السرديات.

وفي السودان، انخرطت بعض المنصات الإعلامية في تبني روايات تعكس مواقف سياسية أو عسكرية، ما أدى إلى تراجع المساحة المخصصة للمعالجة المهنية المتوازنة. وأصبحت كثير من الأخبار تُقدم من زاوية تؤيد هذا الطرف أو ذاك، بينما تراجعت فرص عرض الروايات المختلفة بصورة متوازنة.

وبذلك، لم تعد المنافسة تدور حول سرعة نقل الخبر فحسب، بل حول فرض تفسير معين للأحداث، بما يخدم أهدافاً سياسية أو عسكرية أو إعلامية.

منصات التواصل… غرفة العمليات الجديدة

لعبت وسائل التواصل الاجتماعي دوراً غير مسبوق في تشكيل المشهد الإعلامي خلال الحرب.

فقد أصبحت المصدر الأول للأخبار بالنسبة لشريحة واسعة من السودانيين، لكنها في الوقت ذاته تحولت إلى بيئة خصبة لانتشار المعلومات المضللة، والصور القديمة، والمقاطع المصورة خارج سياقها، والحسابات مجهولة المصدر.

كما شهد الفضاء الرقمي حملات مكثفة استخدمت الوسوم والشعارات للتأثير على الرأي العام، وتحويل النقاش العام إلى امتداد للصراع العسكري، الأمر الذي زاد من صعوبة التحقق من المعلومات، ورسخ حالة الاستقطاب داخل المجتمع.

الصحافة… مهنة محفوفة بالمخاطر

دفعت الأسرة الصحفية السودانية ثمناً باهظاً منذ اندلاع الحرب.

فقد واجه الصحفيون مخاطر القتل والإصابة والاعتقال والاختطاف، إضافة إلى التهديدات المستمرة، وفقدان مقار العمل، وانقطاع مصادر الدخل، واضطرار أعداد كبيرة منهم إلى النزوح أو اللجوء خارج البلاد.

ولم تؤثر هذه الظروف على سلامة الصحفيين فحسب، بل انعكست أيضاً على جودة التغطية الإعلامية، حيث أصبح الوصول إلى مواقع الأحداث أكثر تعقيداً، وأصبح العمل الميداني محفوفاً بالمخاطر، الأمر الذي قلص حجم التقارير المستقلة القادمة من داخل مناطق النزاع.

أين اختفت معاناة المدنيين؟

رغم أن السودان يشهد إحدى أكبر الأزمات الإنسانية في العالم، فإن الاهتمام الإعلامي انصرف في كثير من الأحيان إلى التطورات العسكرية اليومية أكثر من انصرافه إلى حياة المدنيين.

فمعاناة ملايين النازحين، وتدهور الخدمات الصحية، وانهيار العملية التعليمية، واتساع رقعة الجوع، وانتشار الأوبئة، لم تحظ دائماً بالمساحة التي تعكس حجم المأساة، سواء في الإعلام المحلي أو في وسائل الإعلام الدولية.

كما أن التغطية الدولية للأزمة السودانية ظلت متقطعة مقارنة بأزمات عالمية أخرى، وهو ما أسهم في تراجع حضور السودان على أجندة الرأي العام الدولي، وأثر على حجم الاهتمام السياسي والإنساني بالأزمة.

أزمة ثقة تتجاوز حدود الإعلام

أحد أخطر آثار الحرب يتمثل في تآكل ثقة الجمهور بوسائل الإعلام.

فمع كثرة الأخبار المتناقضة، وغياب المصادر المستقلة، وانتشار حملات التضليل، أصبح كثير من المواطنين يتعاملون مع المعلومات بحذر شديد، بل إن بعضهم فقد الثقة في معظم المنصات الإعلامية، وأصبح يكتفي بمتابعة الروايات التي تتوافق مع قناعاته المسبقة.

وهذه الأزمة لا تمثل تحدياً للمؤسسات الإعلامية وحدها، بل تهدد قدرة المجتمع على بناء نقاش عام يستند إلى الحقائق، وهو شرط أساسي لأي عملية سلام أو انتقال سياسي مستقبلي.

الإعلام بعد الحرب… تحدي إعادة البناء

إعادة بناء السودان لن تتوقف عند إعادة إعمار المدن أو إصلاح الاقتصاد، بل ستتطلب أيضاً إعادة بناء المنظومة الإعلامية على أسس جديدة.

وهذا يستدعي توفير بيئة قانونية تكفل حرية الصحافة، وضمان سلامة الصحفيين، وإعادة تأهيل المؤسسات الإعلامية، ودعم مبادرات التحقق من المعلومات، وتعزيز استقلالية وسائل الإعلام عن الاستقطاب السياسي والعسكري.

فالإعلام المهني لا يؤدي دور نقل الأخبار فحسب، بل يشكل أحد أهم أدوات المساءلة وحفظ الذاكرة الوطنية، ويضمن أن تُكتب وقائع الحرب استناداً إلى الأدلة والحقائق، لا إلى روايات المنتصرين أو المهزومين.

خاتمة

لقد أعادت الحرب تشكيل المشهد الإعلامي السوداني بصورة غير مسبوقة، فانتقلت الصحافة من مواجهة تحديات مهنية تقليدية إلى مواجهة أزمة وجودية تمس قدرتها على أداء رسالتها الأساسية. وبين انهيار المؤسسات، واستهداف الصحفيين، وتصاعد الاستقطاب، وانتشار المعلومات المضللة، أصبح الوصول إلى الحقيقة أكثر صعوبة من أي وقت مضى.

ومع ذلك، فإن مستقبل السودان لن يُبنى بالسلاح وحده، بل يحتاج أيضاً إلى إعلام حر ومستقل ومهني، قادر على استعادة ثقة الجمهور، وتوثيق ذاكرة الحرب، وممارسة دوره في الرقابة والمساءلة، بما يسهم في ترسيخ السلام وإعادة بناء الدولة على أسس من الشفافية وسيادة القانون.

لقطة… عين ترصد الحدث، وعقل يقرأ المشهد.

التعليقات

0 تعليقات

أضف تعليقاً