السودان | محررو لقطة
23 يوليو 2026
تحول ملف المزاعم المتعلقة باستخدام أسلحة كيميائية في حرب السودان إلى واحد من أكثر مسارات النزاع حساسية وتعقيداً، بعدما انتقل من تبادل الاتهامات بين الأطراف المتحاربة إلى قرارات أمريكية رسمية، ومناقشات داخل منظمة حظر الأسلحة الكيميائية، وضغوط متزايدة للمطالبة بتحقيق فني مستقل.
ويكتسب الملف خطورته من طبيعة الاتهامات المطروحة، وما قد يترتب عليها من عقوبات اقتصادية ودبلوماسية، فضلاً عن تداعياتها القانونية على السودان بوصفه دولة طرفاً في اتفاقية حظر الأسلحة الكيميائية.
ومع ذلك، لا تزال هناك فجوة واضحة بين التقييم السياسي الذي أعلنته الولايات المتحدة وبين التحقق الفني الميداني المستقل، إذ لم تنشر واشنطن حتى الآن تفاصيل الأدلة أو المواقع أو العينات التي استندت إليها في قرارها بصورة كاملة.
القرار الأمريكي
في 22 مايو 2025، أعلنت وزارة الخارجية الأمريكية أن الولايات المتحدة توصلت إلى أن حكومة السودان استخدمت أسلحة كيميائية خلال عام 2024 في سياق الحرب ضد قوات الدعم السريع.
وقالت واشنطن إن هذا التحديد تم بموجب قانون مراقبة الأسلحة الكيميائية والبيولوجية والقضاء على الحرب لعام 1991، وأعلنت فرض تدابير شملت تقييد الصادرات الأمريكية إلى السودان، ومنع حصول الحكومة السودانية على خطوط ائتمان أو مساعدات مالية حكومية أمريكية، مع الإبقاء على بعض الاستثناءات الإنسانية. (State Department)
لكن البيان الرسمي الأمريكي لم يحدد نوع المادة الكيميائية المستخدمة، ولم يكشف بصورة علنية عن مواقع الهجمات المزعومة أو توقيتها أو الأدلة الفنية التي استند إليها التقييم.
أما الحديث عن استخدام غاز الكلور، فقد ورد في تقارير صحفية أمريكية استندت إلى مسؤولين لم تُكشف أسماؤهم، وليس في البيان الرسمي الصادر عن وزارة الخارجية.
وتحدثت تلك التقارير عن استخدام مواد يُعتقد أنها تحتوي على الكلور في واقعتين على الأقل، من دون نشر نتائج مختبرية أو تقارير ميدانية مستقلة تسمح بالتحقق العلني من هذه المعلومات. (Reuters)
ماذا عن مصفاة الجيلي؟
ارتبطت بعض المزاعم المتداولة بمنطقة مصفاة الجيلي شمال الخرطوم، التي شهدت معارك عنيفة وحرائق واسعة خلال يناير 2025.
واتهمت قوات الدعم السريع الجيش بقصف المصفاة بواسطة براميل متفجرة، بينما اتهم الجيش قوات الدعم السريع بإشعال المنشأة وتدميرها قبل انسحابها منها.
وأكد تحليل صور الأقمار الصناعية اندلاع حرائق ضخمة داخل المصفاة، لكنه لم يثبت استخدام سلاح كيميائي أو يحدد الجهة المسؤولة عن الحريق. كما لم يقدم أي من الطرفين أدلة مستقلة تدعم روايته بشأن كيفية تدمير المنشأة. (AP News)
ولهذا، لا يمكن التعامل مع الدخان الأسود أو الأضرار التي لحقت بالمصفاة باعتبارها دليلاً تلقائياً على استخدام أسلحة كيميائية؛ إذ إن احتراق النفط والوقود والمنشآت الصناعية قد ينتج غازات وأدخنة سامة من دون أن يعني ذلك استخدام مادة كيميائية كسلاح.
الموقف السوداني
رفضت الحكومة السودانية الاتهامات الأمريكية، ووصفتها بأنها ادعاءات سياسية تفتقر إلى الأدلة الفنية والقانونية.
وأكدت وزارة الخارجية السودانية أن القوات المسلحة لا تمتلك أسلحة كيميائية ولم تستخدمها، وشددت على التزام السودان باتفاقية حظر الأسلحة الكيميائية وبالتعاون مع منظمة حظر الأسلحة الكيميائية.
كما انتقدت الخرطوم ما اعتبرته تجاوزاً للآليات الفنية المنصوص عليها في الاتفاقية، وقالت إن الولايات المتحدة كان يمكنها اللجوء إلى منظمة حظر الأسلحة الكيميائية وتقديم الأدلة بصورة رسمية بدلاً من إصدار قرار أحادي.
وترى الحكومة السودانية أن الاتهامات جاءت في سياق ضغوط سياسية مرتبطة بمواقف واشنطن من الحرب، وليست نتيجة تحقيق دولي ميداني مستقل.
غير أن النفي الرسمي، شأنه شأن الاتهام، لا يحسم الملف من الناحية الفنية، ما لم يتم السماح بجمع عينات موثوقة، وفحص مواقع الحوادث، والاستماع إلى الشهود والكوادر الطبية، وتحليل السجلات العسكرية والصحية.
ماذا قالت منظمة حظر الأسلحة الكيميائية؟
أكدت منظمة حظر الأسلحة الكيميائية أنها تتابع باهتمام بالغ المزاعم المتعلقة باستخدام أسلحة كيميائية في السودان.
وفي نوفمبر 2025، أوضح المدير العام للمنظمة أن بنين وتشاد وموريتانيا، بدعم من غينيا بيساو، طلبت من السودان تقديم توضيحات بشأن الاتهامات، وفق المادة التاسعة من اتفاقية حظر الأسلحة الكيميائية.
وبعد رد السودان، دخلت الأطراف في حوار تحت إشراف المجلس التنفيذي للمنظمة، لكن الأمانة الفنية قالت إنها لم تتلقَّ حتى ذلك الوقت طلباً مستوفياً ومدعوماً بما يكفي لبدء نشاط فني إضافي أو إرسال بعثة تحقيق. (OPCW)
وجددت المنظمة الموقف نفسه في أبريل 2026، موضحة أن المزاعم تمثل مصدر قلق جدي، لكنها لم تتلقَّ طلباً مدعماً بصورة كافية يسمح لها بتنفيذ إجراءات إضافية.
كما أكدت أن أمانتها الفنية لا تملك صلاحية فتح تحقيق من تلقاء نفسها، وأن الأمر يظل في يد الدول الأطراف والمجلس التنفيذي للمنظمة. (OPCW)
وهذا يعني أن منظمة حظر الأسلحة الكيميائية لم تعلن حتى الآن إثبات استخدام الجيش السوداني للسلاح الكيميائي، كما أنها لم تبرئ أي طرف بصورة نهائية، بل أبقت الملف في دائرة المزاعم التي تحتاج إلى إجراءات قانونية وفنية مكتملة.
اتهامات شمال كردفان
خلال عامي 2025 و2026، صدرت اتهامات من جهات سياسية وعسكرية محسوبة على قوات الدعم السريع وتحالفات موالية لها، قالت إن طائرات تابعة للجيش استخدمت مواد غير معروفة في هجمات بمناطق من شمال كردفان.
وتحدثت بعض البيانات عن تصاعد أدخنة كثيفة وظهور حالات اختناق أو صعوبات في التنفس عقب ضربات جوية.
في المقابل، رفض الجيش السوداني هذه الاتهامات، ووصفها بأنها دعاية سياسية وعسكرية تستهدف تشويه صورته وتوفير مبررات لفرض مزيد من العقوبات الدولية عليه.
وتبقى هذه الروايات غير محسومة، لأن ظهور الدخان أو الإصابات التنفسية وحده لا يكفي فنياً لإثبات استخدام سلاح كيميائي. وقد تنتج أعراض مشابهة عن احتراق الوقود أو الذخائر أو المباني أو المواد الصناعية.
ويتطلب الإثبات جمع عينات بيئية وطبية في وقت قريب من الحادث، والحفاظ على سلسلة حيازة الأدلة، وتحليلها داخل مختبرات معتمدة دولياً، إضافة إلى التحقق من وسائل الإطلاق والذخائر المستخدمة.
الفرق بين المواد السامة والأسلحة الكيميائية
لا تعد كل مادة سامة موجودة في ساحة القتال سلاحاً كيميائياً بالضرورة.
فالمعيار الأساسي، وفق اتفاقية حظر الأسلحة الكيميائية، يتعلق باستخدام المادة السامة بصورة متعمدة لإحداث الموت أو الإصابة عن طريق خصائصها الكيميائية.
وقد يؤدي قصف منشأة صناعية أو مخزن وقود أو مستودع مبيدات إلى إطلاق مواد خطرة، لكن ذلك لا يثبت تلقائياً وجود هجوم كيميائي متعمد.
وفي المقابل، يمكن لمادة صناعية شائعة مثل الكلور أن تصبح سلاحاً كيميائياً إذا استُخدمت عمداً لإيذاء البشر من خلال خصائصها السامة.
ولهذا فإن تحديد طبيعة الحادث يحتاج إلى تحقيق يجيب عن ثلاثة أسئلة: ما المادة التي أُطلقت؟ كيف أُطلقت؟ وهل استُخدمت عمداً كسلاح؟
لماذا لم يُحسم الملف؟
تواجه التحقيقات المحتملة عقبات ميدانية كبيرة، أبرزها استمرار الحرب، وصعوبة الوصول الآمن إلى مناطق الحوادث، وعدم الحفاظ على مواقع الاستهداف، واحتمال تلوث العينات أو العبث بها.
كما يؤدي الانقسام السياسي وتبادل الدعاية بين الأطراف إلى صعوبة الاعتماد على البيانات الصادرة عن أي طرف من دون تحقق مستقل.
ويضاف إلى ذلك أن كثيراً من الوقائع المزعومة لم تُوثق فور حدوثها بواسطة فرق طبية أو فنية متخصصة، ما يضعف فرص العثور على أدلة حاسمة بعد مرور أشهر أو سنوات.
تداعيات قانونية وسياسية
إذا أثبت تحقيق دولي مستقل استخدام أسلحة كيميائية، فإن ذلك سيمثل انتهاكاً خطيراً لاتفاقية حظر الأسلحة الكيميائية والقانون الدولي الإنساني.
وقد تترتب عليه عقوبات إضافية، وإجراءات داخل منظمة حظر الأسلحة الكيميائية، وإحالة الملف إلى مجلس الأمن، فضلاً عن احتمال استخدام الأدلة في ملاحقات جنائية دولية أو وطنية.
أما إذا لم تُدعَم الاتهامات بأدلة قابلة للتحقق، فقد تتحول القضية إلى أداة سياسية تزيد من تعقيد النزاع وتضعف الثقة في آليات المساءلة الدولية.
ولهذا فإن خطورة الاتهامات تفرض على جميع الأطراف تجنب الاستغلال السياسي للملف، وتسليم ما لديها من أدلة إلى جهة فنية مستقلة.
الحاجة إلى تحقيق مستقل
لا يمكن حسم قضية بهذه الخطورة عبر بيانات الأطراف المتحاربة أو التسريبات الصحفية أو القرارات السياسية وحدها.
فالطريق الأكثر مصداقية يتمثل في تفعيل آليات منظمة حظر الأسلحة الكيميائية، وتقديم طلب قانوني مستوفٍ، وضمان وصول المحققين إلى المواقع والشهود والسجلات الطبية والعسكرية.
كما ينبغي أن يشمل التحقيق جميع المزاعم، بصرف النظر عن الجهة المتهمة، وأن يخضع لقاعدة واحدة في جمع الأدلة والتحقق منها.
وحتى إجراء هذا التحقيق، تظل الحقيقة الأساسية أن الولايات المتحدة أصدرت تقييماً سياسياً وقانونياً قالت فيه إن حكومة السودان استخدمت أسلحة كيميائية، بينما نفت الخرطوم الاتهام، ولم تصدر منظمة حظر الأسلحة الكيميائية حتى الآن نتيجة فنية مستقلة تؤكد أو تنفي الاستخدام.
وبين الاتهام والنفي، يبقى المدنيون هم الطرف الأكثر حاجة إلى الحقيقة، ليس فقط لتحديد المسؤولية، بل لمنع تكرار أي استخدام محتمل لمواد سامة في حرب دفعت السودانيين بالفعل ثمناً إنسانياً بالغاً.
لقطة AI… عين ترصد الحدث، وعقل يقرأ المشهد
التعليقات
0 تعليقات