×

السودان بين إرهاق الحرب واختبار السلام: لماذا تتعثر المبادرات وتبقى الأزمة مفتوحة؟

السودان بين إرهاق الحرب واختبار السلام: لماذا تتعثر المبادرات وتبقى الأزمة مفتوحة؟


لم يعد السؤال في السودان اليوم متى تنتهي الحرب، بل لماذا تبدو كل مبادرات السلام عاجزة عن إيقافها رغم اتساع دائرة الخسائر الإنسانية والاقتصادية والاجتماعية؟

فخلال العقود الماضية شهد السودان عشرات المبادرات والاتفاقات والتفاهمات السياسية، لكن التجربة السودانية أثبتت أن توقيع الاتفاقات شيء، وبناء السلام المستدام شيء آخر تماماً. ولهذا فإن الأزمة الراهنة لا يمكن اختزالها في مواجهة عسكرية بين طرفين، بل هي انعكاس لأزمة أعمق تتعلق بشكل الدولة وطبيعة السلطة وعلاقة المجتمع بمؤسساته السياسية والعسكرية.

سلام يبحث عن أرضية مفقودة

تكمن إحدى أكبر مشكلات المبادرات المطروحة حالياً في أنها تركز غالباً على وقف إطلاق النار أو تقاسم السلطة، بينما تتجاهل السؤال الأكثر تعقيداً: ما هو المشروع الوطني الذي يمكن أن يجمع السودانيين بعد انتهاء الحرب؟

ففي ظل الانقسامات الحادة بين القوى السياسية، وتراجع الثقة بين المكونات المدنية والعسكرية، وتعدد التدخلات الإقليمية والدولية، أصبح السلام نفسه موضوعاً للخلاف بدلاً من أن يكون هدفاً متفقاً عليه.

ولذلك تبدو كثير من المبادرات وكأنها تحاول معالجة أعراض الأزمة لا جذورها.

المجتمع يدفع الثمن الأكبر

في الوقت الذي تتبادل فيه الأطراف المتصارعة البيانات والمواقف السياسية، يعيش ملايين السودانيين واقعاً مختلفاً تماماً.

فالنزوح الجماعي، وانهيار الخدمات الصحية، وتعطل التعليم، وتراجع النشاط الاقتصادي، كلها عوامل بدأت تعيد تشكيل المجتمع السوداني بصورة غير مسبوقة.

الأخطر من ذلك أن استمرار الحرب لفترة طويلة يولد جيلاً جديداً ينشأ في بيئة يغيب عنها الاستقرار وتضعف فيها الثقة بالدولة ومؤسساتها. وهذه من أخطر النتائج التي قد تستمر آثارها حتى بعد توقف القتال.

أزمة ثقة لا أزمة تفاوض

من الناحية السياسية، لا تبدو المشكلة الأساسية في غياب الوسطاء أو المبادرات، بل في غياب الثقة بين الفاعلين السياسيين أنفسهم.

فكل طرف ينظر إلى المبادرات من زاوية المكاسب والخسائر المحتملة، وليس من زاوية المصلحة الوطنية الشاملة. كما أن تجارب الاتفاقات السابقة تركت إرثاً من الشكوك جعل كثيراً من السودانيين يتعاملون بحذر مع أي حديث جديد عن التسويات.

ولهذا فإن نجاح أي مبادرة مستقبلية لن يعتمد فقط على نصوص الاتفاق، بل على قدرتها في بناء الثقة بين الأطراف وإقناع المواطنين بأن السلام لن يكون مجرد هدنة مؤقتة تسبق جولة جديدة من الصراع.

أين تقف القوى السياسية؟

الحرب الحالية كشفت أيضاً حجم الأزمة التي تعيشها النخب السياسية السودانية.

فبينما ينتظر الشارع رؤية وطنية واضحة للمستقبل، ما تزال معظم القوى السياسية تدور في دائرة الاستقطاب والانقسامات القديمة. كما أن غياب مشروع جامع للدولة المدنية الديمقراطية جعل كثيراً من المبادرات تبدو وكأنها تفاوض على السلطة أكثر من كونها تفاوضاً على مستقبل البلاد.

وهنا يبرز تحدٍ جوهري: هل تستطيع القوى السياسية تجاوز خلافاتها التاريخية وصياغة رؤية وطنية تتقدم على الحسابات الحزبية الضيقة؟

السلام الحقيقي يبدأ بعد الحرب

التجارب الدولية تشير إلى أن وقف إطلاق النار ليس نهاية الصراع، بل بداية مرحلة أكثر صعوبة.

فالسودان سيواجه بعد الحرب ملفات ضخمة تشمل إعادة الإعمار، وعودة النازحين، وإصلاح المؤسسات، وتحقيق العدالة، ومعالجة الانقسامات الاجتماعية التي خلفتها سنوات الصراع.

ولهذا فإن أي سلام لا يضع الإنسان السوداني في مركز العملية السياسية سيبقى هشاً وقابلاً للانهيار لا محال 

اخيراً

يبدو السودان اليوم عالقاً بين إرهاق الحرب وتعثر السلام. فالمبادرات تتكاثر، لكن فرص النجاح تظل مرتبطة بقدرة السودانيين على معالجة جذور الأزمة لا الاكتفاء بإدارة نتائجها.

وقد يكون الدرس الأهم الذي فرضته الحرب هو أن استقرار الدول لا يتحقق بقوة السلاح وحدها، ولا بالاتفاقات الورقية وحدها، بل بوجود مشروع وطني يشعر معه المواطن بأن الدولة ملك للجميع وليست غنيمة لطرف أو جماعة.

وفي نهاية المطاف، قد لا يكون التحدي الحقيقي أمام السودان هو الوصول إلى اتفاق سلام، بل بناء سلام يستطيع الصمود بعد  الآلام ومعاناة الحرب .

إرسال التعليق

You May Have Missed