بقلم: عبود النصيح
4 أغسطس 2026
لا تكمن خطورة المواجهات الجديدة في تيغراي في حجمها العسكري الراهن، بل في المكان الذي اندلعت فيه. فالمعارك التي تجددت قرب مدينة شيرارو، في غرب الإقليم وعلى مقربة من الحدود السودانية، تقع عند نقطة تستطيع فيها رصاصة محلية واحدة أن تتحول سريعاً إلى أزمة لجوء، وممر للسلاح، وساحة تنافس بين دول القرن الإفريقي.
وفي الأول من أغسطس، تبادل الجيش الإثيوبي وقوات الجبهة الشعبية لتحرير تيغراي الاتهامات ببدء القتال قرب شيرارو، في واحدة من أخطر الخروقات لاتفاق بريتوريا منذ توقيعه عام 2022. وقالت سلطات تيغراي إن القوات الاتحادية تقدمت نحو مواقعها، بينما اتهم مسؤولون إثيوبيون قوات الجبهة بإشعال المواجهة.
المشهد، لذلك، لا يتعلق بعودة نزاع إثيوبي قديم فحسب. إنه حلقة جديدة داخل حزام مضطرب يمتد من تيغراي وإريتريا إلى شرق السودان، ومن مناطق تدريب المقاتلين في غرب إثيوبيا إلى البحر الأحمر. وفي هذا الحزام، لم تعد الحدود خطوطاً تفصل بين الحروب، بل جسوراً تنقلها من دولة إلى أخرى.
اتفاق أوقف إطلاق النار ولم يُنهي أسباب الحرب
أنهى اتفاق بريتوريا، الموقع في نوفمبر 2022 برعاية الاتحاد الإفريقي، الحرب المفتوحة بين الحكومة الإثيوبية والجبهة الشعبية لتحرير تيغراي. ونص على وقف الأعمال العدائية، واستعادة الخدمات والمساعدات الإنسانية، وحماية وحدة إثيوبيا وسيادتها، وتهيئة مسار للمصالحة وإعادة بناء الإقليم.
لكن الاتفاق أوقف المدافع قبل أن يحسم الأسئلة التي أشعلت الحرب: من يحكم تيغراي؟ ومن يسيطر على غرب الإقليم؟ وكيف يتم نزع سلاح قواته؟ وما مصير القوات الإريترية والمجموعات المسلحة القادمة من إقليم أمهرة؟ ومن يضمن إعادة النازحين إلى أراضيهم؟
تحولت هذه الملفات المؤجلة إلى ألغام سياسية تحت أرض السلام الهش. ومع مرور الوقت، لم يعد الخلاف حول سرعة تنفيذ الاتفاق فقط، بل حول من يملك حق تفسيره وتحديد المؤسسات الشرعية في تيغراي.
وفي مايو 2026، أعادت الجبهة الشعبية المجلس التشريعي الذي كان قائماً قبل الحرب، وانتخبت زعيمها دبرصيون جبرميكائيل رئيساً للإقليم، ما أدى عملياً إلى ظهور إدارتين متنافستين، واعتُبر تحدياً لبند أساسي في اتفاق السلام المتعلق بالإدارة الانتقالية. وحذرت أطراف دولية وخبراء حينها من أن الخطوة قد تعيد الإقليم إلى مواجهة مسلحة.
هذه ليست أزمة إدارية. فعندما تتعدد مراكز الشرعية في إقليم يمتلك قوات مسلحة وذاكرة حرب حديثة وحدوداً مفتوحة مع دولتين، يصبح النزاع حول الرئاسة والبرلمان سؤالاً عن قيادة الجيش والسلاح والموارد والتحالفات الخارجية.
تيغراي بين أديس أبابا وأسمرة
كان التحالف بين إثيوبيا وإريتريا أحد أهم عوامل هزيمة قوات تيغراي خلال الحرب السابقة. لكن الحليفين السابقين انتقلا بعد انتهاء الحرب إلى مواجهة سياسية وأمنية متصاعدة.
اتهمت أديس أبابا إريتريا بالاعتداء العسكري ودعم جماعات مسلحة داخل الأراضي الإثيوبية، بينما نفت أسمرة الاتهامات ووصفتها بالمفبركة. ويتزامن ذلك مع خلافات أوسع بشأن الوجود الإريتري على الحدود، وخطاب إثيوبي متكرر حول ضرورة حصول الدولة الحبيسة على منفذ بحري، وهو ما تنظر إليه إريتريا بوصفه تهديداً محتملاً لسيادتها على ساحل البحر الأحمر.
هنا تصبح تيغراي أكثر من إقليم متمرد أو مختلف مع المركز. فهي منطقة فاصلة بين إثيوبيا وإريتريا، وأي تحالف جديد بين جناح من قيادة تيغراي وأسمرة يمكن أن يعيد رسم خطوط القتال التي عرفتها المنطقة بين عامي 2020 و2022، ولكن بصورة معكوسة.
فإريتريا التي قاتلت إلى جانب الجيش الإثيوبي قد تجد مصلحة في دعم خصوم أديس أبابا، بينما يمكن للحكومة الاتحادية أن تسعى إلى تفكيك القدرات العسكرية لتيغراي قبل أن تتحول إلى ذراع إقليمية مضادة لها. وعند هذه النقطة، يصبح الصدام الثلاثي بين أديس أبابا ومكلي وأسمرة أكثر احتمالاً من عودة الحرب بصيغتها القديمة وحدها.
لماذا يصبح السودان طرفاً حتى لو لم يختر ذلك؟
لا يحتاج السودان إلى اتخاذ قرار رسمي بالدخول في الأزمة حتى يصبح جزءاً منها. فالجغرافيا ستفرض عليه كلفة التصعيد قبل أن تصدر حكومته أي موقف سياسي.
تقع مناطق المواجهة الجديدة قرب الحدود الشرقية للسودان، وهي حدود شهدت خلال الحرب السابقة تدفق عشرات الآلاف من اللاجئين الإثيوبيين إلى ولايتي القضارف وكسلا. وفي ذلك الوقت، كان السودان أكثر استقراراً وقدرة على استقبال الفارين مما هو عليه اليوم.
أما الآن، فإن شرق السودان يستقبل النازحين من الحرب الداخلية، ويعاني تراجع الخدمات والتمويل الإنساني وارتفاع أسعار الغذاء والدواء. وأي موجة لجوء جديدة من تيغراي لن تصل إلى دولة تملك فائضاً من الملاجئ والموارد، بل إلى دولة تخوض حربها الخاصة.
ولا يقتصر الخطر على اللاجئين. فالمناطق الحدودية بين السودان وإثيوبيا تمتد عبر تضاريس واسعة يصعب ضبطها بالكامل، وتتحرك داخلها شبكات التجارة غير الرسمية والتهريب والمجموعات المسلحة. وفي أوقات الاستقرار تكون هذه الحركة مشكلة أمنية؛ أما في زمن الحرب فتتحول إلى بنية جاهزة لنقل السلاح والوقود والمقاتلين والمعلومات.
الحرب السودانية موجودة بالفعل داخل الحسابات الإثيوبية
لا تبدأ الصلة بين الحربين من مواجهات شيرارو. ففي فبراير 2026، كشف تحقيق لوكالة رويترز، استناداً إلى مصادر رسمية ودبلوماسية وصور أقمار صناعية، عن وجود معسكر داخل إقليم بني شنقول-قمز الإثيوبي يُستخدم، بحسب التحقيق، لتدريب آلاف المقاتلين لصالح قوات الدعم السريع السودانية.
وقال التحقيق إن المعسكر يمثل مؤشراً خطيراً إلى اتساع الحرب السودانية داخل الإقليم، مع بقاء بعض جوانب الدعم الخارجي الوارد فيه محل نفي وعدم تحقق مستقل.
هذه المعطيات تجعل الحديث عن انتقال تداعيات تيغراي إلى السودان أقل افتراضية. فإثيوبيا ليست مجرد جار يراقب الحرب السودانية من بعيد، بل دولة أصبحت أراضيها، وفق ذلك التحقيق، جزءاً من شبكات التجنيد والإسناد المرتبطة بأحد طرفي النزاع.
وإذا تصاعدت المواجهات في شمال إثيوبيا، فقد تضطر أديس أبابا إلى إعادة توزيع قواتها وأجهزتها الأمنية ومواردها العسكرية، ما يفتح احتمالين متعارضين: إما تراجع قدرتها على إدارة الملفات السودانية والحدودية، أو استخدامها هذه الملفات أوراقاً في صراعها مع تيغراي وإريتريا وحلفائهما.
وفي الحالتين، يصبح السودان معرضاً لمزيد من تدفقات السلاح والمقاتلين، أو لإعادة تشكيل التحالفات حول جيشه وقوات الدعم السريع وفق المصالح الجديدة للقوى الإقليمية.
من شيرارو إلى الفشقة
قد تعيد الأزمة أيضاً ملف الحدود السودانية الإثيوبية إلى الواجهة، خصوصاً منطقة الفشقة التي شهدت توترات عسكرية وسياسية بين البلدين خلال السنوات الماضية.
فعندما تواجه الحكومة الإثيوبية تمرداً أو حرباً في الشمال، تزداد حساسيتها تجاه حدودها الغربية ومسارات الإمداد المحتملة. وفي المقابل، قد يرى السودان في انشغال الجيش الإثيوبي فرصة لتعزيز وجوده في المناطق المتنازع عليها أو منع أي تحركات مسلحة قادمة من الجانب الآخر.
ولا يعني ذلك أن مواجهة حدودية أصبحت حتمية، لكن الأزمات المتزامنة تقلل مساحة الخطأ. وقد يؤدي تحرك ميداني صغير، أو اتهام بعبور مقاتلين، أو مطاردة مجموعة مسلحة عبر الحدود، إلى أزمة سياسية بين دولتين لا تملكان حالياً مؤسسات مستقرة بما يكفي لاحتواء التصعيد بسرعة.
موجة جديدة من حروب الوكالة
تكمن الخطورة الأكبر في أن القرن الإفريقي لم يعد تتحكم فيه أطرافه المحلية وحدها. فالمنطقة أصبحت ميداناً لتنافس دول تسعى إلى النفوذ في الموانئ والذهب والطاقة والزراعة وخطوط الملاحة.
تلتقي في السودان وإثيوبيا مصالح متعارضة لدول خليجية وإقليمية ودولية. وبعضها يدعم جيوشاً رسمية، وبعضها يبني علاقاته مع قوات شبه عسكرية أو حكومات إقليمية أو شبكات اقتصادية، بينما تستخدم الموانئ والاستثمارات والمساعدات العسكرية أدوات للنفوذ.
في هذه البيئة، يمكن أن تتحول مواجهة تيغراي إلى فرصة لكل طرف خارجي يريد إضعاف خصمه دون خوض حرب مباشرة. وقد يحصل فصيل على السلاح مقابل النفوذ، أو تُفتح قاعدة جوية أمام جهة، أو يُستخدم طريق تجاري لإيصال الإمدادات إلى جماعة مسلحة في الدولة المجاورة.
وهكذا تصبح المنطقة أمام حرب واحدة متعددة المسارح: جبهة في تيغراي، وتوتر إثيوبي إريتري، وحرب سودانية، وصراع نفوذ على البحر الأحمر. كل مسرح يغذي الآخر، لكن لا توجد مؤسسة إقليمية قادرة على إدارة الصورة كاملة.
شرق السودان أمام اختبار مزدوج
ستظهر التأثيرات الأسرع في ولايات القضارف وكسلا والبحر الأحمر. فالقضارف تمثل البوابة الطبيعية للاجئين القادمين من تيغراي، وكسلا تقع في نطاق تتداخل فيه حركة السكان والتجارة والطرق الإقليمية، بينما تمثل بورتسودان مركز الحكومة السودانية والميناء الأهم للبلاد.
إذا اتسع النزاع الإثيوبي الإريتري، فقد تتأثر الطرق التجارية البرية، وتزداد أهمية الموانئ السودانية في الحسابات الإقليمية. وإذا اندلعت حرب واسعة قرب البحر الأحمر، سترتفع كلفة التأمين والنقل، وتتراجع حركة التجارة، وتتعرض سلاسل الإمداد السودانية لمزيد من الضغط.
لكن الخطر ليس أن تصل المعارك مباشرة إلى بورتسودان، بل أن تصبح المدينة هدفاً للتنافس السياسي والاستخباراتي بسبب موقعها ومينائها وعلاقات الحكومة الموجودة فيها مع القوى الإقليمية.
ثلاثة سيناريوهات أمام المنطقة
السيناريو الأول هو احتواء المواجهات الجديدة عبر ضغوط إفريقية ودولية تعيد الطرفين إلى اتفاق بريتوريا، مع تفاهمات حول إدارة تيغراي ونزع السلاح والمناطق المتنازع عليها. وهو أقل السيناريوهات كلفة، لكنه يحتاج إلى وساطة أقوى من البيانات الدبلوماسية المعتادة.
السيناريو الثاني هو حرب إثيوبية محدودة، تتكرر فيها الاشتباكات والضربات الجوية دون تحولها إلى اجتياح شامل. وقد يبدو هذا السيناريو قابلاً للإدارة، لكنه سيكون الأخطر على السودان؛ لأنه يسمح باستمرار التهريب والتجنيد والنزوح لفترة طويلة دون لحظة سياسية تجبر العالم على التدخل.
أما السيناريو الثالث فهو انفجار إقليمي يشمل إثيوبيا وتيغراي وإريتريا، مع امتدادات داخل السودان وتحركات من القوى الخارجية. وفي هذه الحالة لن يكون النزاع مجرد عودة لحرب تيغراي، بل إعادة تشكيل كاملة لموازين القوة في القرن الإفريقي والبحر الأحمر.
أين الاتحاد الإفريقي وإيغاد؟
فرضت الولايات المتحدة في يونيو قيوداً على التأشيرات استهدفت أشخاصاً قالت إنهم من المتشددين داخل الجبهة الشعبية لتحرير تيغراي ويقوضون السلام، محذرة من أن تصاعد التوتر يهدد أمن المنطقة بأكملها.
لكن العقوبات وحدها لا تعالج جذور الأزمة. كما أن الاتحاد الإفريقي، الذي رعى اتفاق بريتوريا، لا يستطيع الاكتفاء بالدعوة إلى ضبط النفس بينما تنهار الآليات السياسية التي قام عليها الاتفاق.
تحتاج المنطقة إلى مسار واحد يربط بين تنفيذ سلام تيغراي، ومنع الحرب الإثيوبية الإريترية، وضبط الحدود مع السودان، وإبعاد الأراضي الإثيوبية والسودانية عن معسكرات التدريب وحروب الوكالة.
أما إيغاد، التي يفترض أن تكون الإطار الأقرب لمعالجة هذه الأزمات، فقد أضعفتها الانقسامات بين دولها وتضارب مواقفها من الحرب السودانية ومن قضايا البحر الأحمر.
الخاتمة: ليست الطريق من أديس أبابا إلى الخرطوم بعيدة
ليست عبارة «من أديس أبابا إلى الخرطوم» وصفاً لتحرك عسكري مباشر، بل لخريطة مترابطة من الأزمات. فالقتال في تيغراي يضغط على الحدود السودانية، والتوتر مع إريتريا يلامس البحر الأحمر، والحرب السودانية دخلت بالفعل إلى الحسابات الأمنية الإثيوبية.
لقد أثبتت السنوات الماضية أن انهيار دولة في القرن الإفريقي لا يبقى داخل حدودها. اللاجئون يعبرون، والأسلحة تعبر، والمقاتلون يعبرون، ثم تلحق بهم التحالفات والمصالح والأحقاد القديمة.
ولهذا فإن أخطر ما في مواجهات تيغراي ليس ما حدث حتى الآن، بل ما يمكن أن يصبح عادياً إذا لم تُوقف بسرعة: حدود تستخدم للإمداد، ومخيمات تتحول إلى خزانات للمقاتلين، ودول تتبادل الحروب بالوكالة، وشعوب تدفع مرة أخرى ثمن اتفاقات سلام لم تُستكمل.
عين ترصد الحدث. وعقل يقرأ المشهد
المصادر
- قناة الجزيرة الإنجليزية: تقرير حول تجدد القتال في غرب تيغراي وتبادل الاتهامات بين الحكومة الإثيوبية والجبهة الشعبية لتحرير تيغراي.
- الاتحاد الإفريقي: نص اتفاق وقف الأعمال العدائية الدائم بين الحكومة الإثيوبية والجبهة الشعبية لتحرير تيغراي، الموقع في بريتوريا عام 2022.
- وكالة رويترز: تقرير مايو 2026 بشأن إعادة الجبهة الشعبية مجلس تيغراي السابق وانتخاب دبرصيون جبرميكائيل رئيساً للإقليم.
- وكالة رويترز: تقرير فبراير 2026 بشأن التوتر بين إثيوبيا وإريتريا والاتهامات المتبادلة بالاعتداء ودعم الجماعات المسلحة.
- وكالة رويترز: تحقيق فبراير 2026 بشأن معسكر داخل إقليم بني شنقول-قمز قيل إنه يُستخدم لتدريب مقاتلين لصالح قوات الدعم السريع.
- وكالة رويترز: تقرير يونيو 2026 بشأن القيود الأميركية على التأشيرات المرتبطة بعرقلة مسار السلام في تيغراي.
التعليقات
0 تعليقات