محررو لقطة AI – 19
9 أغسطس 2026
أعادت واقعة تنفيذ عقوبة الجلد بحق امرأة في مدينة سبها، جنوب ليبيا، واحدة من أكثر القضايا الفقهية والقانونية حساسية إلى واجهة النقاش العام، بعدما أظهرت مقاطع متداولة تنفيذ الحكم في مكان عام، وسط حضور عدد من الأشخاص، قبل أن تنتشر المشاهد على منصات التواصل الاجتماعي وتثير موجة من الاعتراضات الحقوقية والتساؤلات القانونية.
ولم ينحصر الجدل في عقوبة الجلد نفسها، بل امتد إلى مكان التنفيذ، وتصوير المرأة، ونشر المقاطع، ومدى الالتزام بالإجراءات التي يفرضها القانون الليبي عند تنفيذ الأحكام، إضافة إلى التساؤل عن سبب إعادة تفعيل عقوبة ظلت نادرة التنفيذ لعقود.
وبحسب ما أُعلن، قضت إحدى دوائر الجنايات بمحكمة استئناف سبها بمعاقبة المرأة بمائة جلدة، استنادًا إلى القانون رقم 70 لسنة 1973 بشأن إقامة حد الزنا. وهو تشريع لا يزال قائمًا ضمن المنظومة القانونية الليبية، رغم التحولات السياسية والقانونية الكبيرة التي شهدتها البلاد منذ صدوره.
مجلس القضاء يفتح تحقيقًا
أكد المجلس الأعلى للقضاء في ليبيا أن الحكم صدر عن جهة قضائية، لكنه كلّف إدارة التفتيش على الهيئات القضائية بالتحقيق في ملابسات تصوير إجراءات التنفيذ ونشرها.
وشدد المجلس على أن الأحكام القضائية النهائية واجبة التنفيذ متى استوفت الإجراءات القانونية، لكنه أكد في الوقت نفسه ضرورة تنفيذها وفق الضوابط التي تحفظ كرامة الإنسان وتصون هيبة القضاء، داعيًا الجهات المختصة إلى الامتناع عن تصوير تنفيذ الأحكام أو نشرها.
ويشير هذا الموقف إلى أن التحقيق لا ينصب، في مرحلته المعلنة، على مراجعة الحكم القضائي من الناحية الموضوعية، وإنما على طريقة تنفيذه، ومكان التنفيذ، والأشخاص الذين سمحوا بالتصوير، والجهات التي نشرت المقاطع على نطاق واسع.
فالجدل القانوني هنا يقوم على مستويين مختلفين: أولهما وجود نص تشريعي يقرر العقوبة، وثانيهما ما إذا كان التنفيذ قد جرى وفق الإجراءات المحددة في القانون.
ماذا يقول القانون الليبي؟
صدر القانون رقم 70 لسنة 1973 في عهد العقيد معمر القذافي، ونص على إقامة حد الزنا ومعاقبة من تثبت إدانته بمائة جلدة، مع إمكان إضافة عقوبة تعزيرية في بعض الحالات وفق ما يقرره القضاء.
ويضع القانون شروطًا وإجراءات لتنفيذ العقوبة، من بينها أن يصبح الحكم نهائيًا، وأن يخضع المحكوم عليه لفحص طبي قبل التنفيذ، وأن تجري العملية بحضور جهات محددة، من بينها ممثل النيابة العامة والطبيب والشرطة القضائية.
كما تنص الإجراءات المتداولة بشأن القانون على تنفيذ العقوبة داخل مكان تابع للشرطة، لا في شارع مفتوح أمام الجمهور، مع مراعاة ضوابط خاصة عند تنفيذها على المرأة، تشمل الجلوس وستر الجسد.
ومن هنا جاءت الاعتراضات على واقعة سبها؛ إذ رأى قانونيون وحقوقيون أن وجود حكم قضائي نافذ لا يمنح المنفذين حرية اختيار المكان أو تحويل العقوبة إلى مشهد جماهيري قابل للتصوير والتداول.
فإذا ثبت أن التنفيذ جرى في شارع عام بالمخالفة للمكان والإجراءات المحددة، فإن القضية لا تعود خلافًا حول الحكم وحده، بل تصبح مسألة تتعلق بتجاوز محتمل لقواعد تنفيذه.
بين الحكم والعلانية
أحدث تصوير المرأة أثناء تنفيذ العقوبة ونشر المقطع صدمة تجاوزت حدود ليبيا. فقد أصبح المشهد متاحًا للمشاهدة وإعادة النشر والتعليق، بما وسّع نطاق التشهير من المكان الذي نُفذ فيه الحكم إلى فضاء رقمي لا يمكن التحكم فيه.
ويطرح ذلك سؤالًا حول ما إذا كان نشر المقطع يمثل عقوبة إضافية غير منصوص عليها، لأن أثره الاجتماعي والنفسي قد يستمر بعد انتهاء العقوبة الجسدية نفسها.
فالمرأة لم تعد فقط محكومًا عليها بعقوبة محددة، بل أصبحت موضوعًا لملايين المشاهدات والتعليقات، مع ما يترتب على ذلك من مخاطر اجتماعية وأسرية وأمنية قد تلاحقها سنوات طويلة.
كما أثار المشهد تساؤلات عن المسؤولية القانونية للأشخاص الذين صوروا التنفيذ، والجهات التي سمحت لهم بالحضور، ومدى التزام الشرطة القضائية بحماية خصوصية المحكوم عليها وكرامتها.
حد الزنا في الفقه الإسلامي
ينص القرآن الكريم في سورة النور على عقوبة مائة جلدة للزاني والزانية، وهو النص الذي استندت إليه تشريعات في عدد من الدول التي أدخلت بعض أحكام الحدود ضمن قوانينها الجنائية.
أما عقوبة المحصن، أي المتزوج أو من سبق له الزواج وفق التعريف الفقهي وشروطه، فقد ذهب جمهور الفقهاء إلى الرجم استنادًا إلى السنة النبوية والروايات الفقهية المعتمدة، مع وجود نقاشات حديثة حول شروط الحكم وسياقه ومدى ملاءمة إدخاله في القوانين الوضعية المعاصرة.
غير أن الفقه الإسلامي لم يجعل إثبات الزنا أمرًا يسيرًا؛ إذ أحاطه بشروط شديدة الصرامة، بسبب خطورة الاتهام وما يترتب عليه من مساس بالعرض والسمعة والحياة الاجتماعية.
ومن أبرز وسائل الإثبات شهادة أربعة شهود عدول شاهدوا الواقعة بصورة مباشرة وصريحة لا تحتمل التأويل، أو إقرار الشخص نفسه وهو بالغ وعاقل ومختار ومن دون إكراه.
كما ناقش الفقهاء حق المقر في الرجوع عن إقراره، وأكدوا قاعدة «درء الحدود بالشبهات»، التي تجعل وجود الشك أو النقص في الإثبات سببًا لعدم تنفيذ العقوبة الحدية.
والفكرة الأساسية في هذه الشروط هي منع استخدام الحدود وسيلةً للانتقام أو تصفية الخصومات أو التشهير بالناس، وحماية المجتمع من الاتهامات العشوائية التي قد تدمر الأسر والأفراد.
لماذا أصبح التنفيذ نادرًا؟
تحتفظ بعض الدول ذات الأغلبية المسلمة بنصوص مستمدة من أحكام الحدود داخل قوانينها، لكن وجود العقوبة في القانون لا يعني بالضرورة تنفيذها بصورة منتظمة.
ففي باكستان، أدخلت قوانين الحدود منذ أواخر سبعينيات القرن الماضي، ثم خضعت لاحقًا لتعديلات قانونية قلّصت بعض آثارها، خصوصًا في القضايا المتعلقة بالزنا والاغتصاب، وسط جدل بشأن معايير الإثبات وحماية النساء من الاتهامات.
وفي إيران، تتضمن المنظومة الجنائية عقوبات بدنية مستمدة من الفقه الجعفري، بما في ذلك الجلد والقصاص وبعض العقوبات المرتبطة بالجرائم الجنسية، لكن التنفيذ يخضع لإجراءات قضائية وتقديرات قانونية، مع استمرار الانتقادات الحقوقية.
أما أفغانستان تحت سلطة طالبان، فقد شهدت تنفيذ عقوبات جلد علنية بحق رجال ونساء في قضايا مختلفة، وسط رفض دولي واسع لطبيعة المحاكمات والإجراءات المتبعة.
وفي بروناي، يتضمن قانون العقوبات الشرعي أحكامًا حدية قاسية، إلا أن تطبيق بعض العقوبات الأشد خضع عمليًا لقيود وتطمينات وتعليق في التنفيذ تحت ضغوط دولية.
وفي دول أخرى، بقيت الإحالة إلى الشريعة حاضرة في الأنظمة القانونية، لكن تنفيذ العقوبات الجسدية أصبح نادرًا أو أُحيلت غالبية القضايا إلى عقوبات تعزيرية مثل السجن والغرامة.
ويجعل هذا التفاوت من الصعب الحديث عن نموذج واحد تتبعه «الدول الإسلامية»، فلكل دولة نظامها الدستوري والقضائي، كما تختلف درجات التقنين وإجراءات المحاكمة ووسائل الإثبات وطرق تنفيذ الأحكام.
القانون المحلي والالتزامات الحقوقية
ترى منظمات حقوقية أن عقوبة الجلد تدخل ضمن العقوبات البدنية القاسية أو المهينة، وتطالب بإلغائها من القوانين الجنائية، بصرف النظر عن طريقة التنفيذ أو الظروف المحيطة بها.
وفي المقابل، يرى المدافعون عن تطبيق الحدود أن الاعتراضات الحقوقية تتجاهل المرجعية الدينية لبعض المجتمعات، وأن النقاش يجب أن يميز بين أصل الحكم الشرعي وبين إساءة تطبيقه أو تنفيذه خارج الضوابط المقررة.
لكن واقعة سبها أظهرت أن الخلاف لا يدور فقط بين أنصار الحدود ورافضيها، بل يمتد إلى داخل الدائرة المؤيدة لتنفيذ الأحكام الشرعية نفسها؛ إذ يرى بعض الفقهاء والقانونيين أن التشهير، والتصوير، وغياب الستر، وتحويل العقوبة إلى عرض جماهيري، قد تتعارض مع مقاصد الشريعة وضوابط القانون.
كما يطرح تنفيذ العقوبة على المرأة وحدها تساؤلات بشأن الطرف الآخر في الواقعة، وطبيعة الأدلة المقدمة، وما إذا كانت المسؤولية القانونية قد طُبقت بصورة متساوية. وهي أسئلة لا يمكن حسمها من المقاطع المتداولة وحدها، بل تحتاج إلى الاطلاع على ملف القضية والحكم وأسانيده وإجراءات المحاكمة.
حادثة تتجاوز حدود سبها
لا تبدو واقعة سبها مجرد تنفيذ لحكم فردي، فقد فتحت الباب أمام نقاش أوسع عن القوانين الليبية التي صدرت قبل أكثر من نصف قرن، ومدى انسجامها مع الواقع الدستوري الحالي والتزامات البلاد الحقوقية.
كما كشفت الحادثة خطورة تحويل تنفيذ الأحكام إلى محتوى متداول على شبكات التواصل، حيث تختفي الحدود بين إنفاذ القانون والتشهير، ويتحول المحكوم عليه إلى هدف دائم للوصم الاجتماعي.
والسؤال الذي ينتظر التحقيق الرسمي ليس فقط: من صوّر ونشر؟ بل أيضًا: من اختار مكان التنفيذ؟ وهل اكتسب الحكم الدرجة النهائية؟ وهل أُجري الفحص الطبي المطلوب؟ وهل حضرت الجهات التي يحددها القانون؟ وهل روعيت كرامة المحكوم عليها وحقوقها خلال جميع مراحل القضية؟
إجابات هذه الأسئلة ستحدد ما إذا كانت واقعة سبها تنفيذًا لحكم قضائي ضمن القانون النافذ، أم تنفيذًا شابه تجاوز للإجراءات وحوّل العقوبة إلى مشهد علني أعاد إلى ليبيا جدلًا قانونيًا وفقهيًا وحقوقيًا ظل مؤجلًا لعقود.
عين ترصد الحدث. وعقل يقرأ المشهد
التعليقات
0 تعليقات