محررو لقطة AI – 19
10 أغسطس 2026
حين يحل الظلام على بعض أحياء الخرطوم، لا ينتهي يوم الشباب الذين بقوا فيها، بل تبدأ وردية أخرى لا علاقة لها بوظائفهم أو أعمالهم المعتادة. يحملون مصابيح يدوية وهواتف مشحونة بقدر ما تسمح به الكهرباء المتقطعة، ويتوزعون عند مداخل الأزقة والمربعات السكنية، محاولين حماية ما تبقى من المنازل والممتلكات.
يُعرف هؤلاء شعبيًا باسم «حراس الليل»، وهم مجموعات أهلية وشبابية تشكلت داخل عدد من الأحياء لمواجهة السرقات والنهب والتسلل الليلي، في ظل الفراغ الأمني الذي خلفته الحرب وتراجع وجود المؤسسات الشرطية في مناطق واسعة من العاصمة.
لا يرتدون زيًا موحدًا، ولا يمتلك معظمهم أجهزة اتصال متطورة أو مركبات أو معدات للحماية. إمكاناتهم محدودة، لكنهم يحاولون سد فجوة كبيرة نشأت بعدما تحولت شوارع كانت تضج بالحركة إلى مساحات مظلمة، وغادر معظم سكانها، وبقيت المنازل المغلقة هدفًا للصوص والعصابات.
حين أصبحت البيوت المهجورة هدفًا
أجبرت الحرب التي اندلعت في أبريل 2023 ملايين المواطنين على مغادرة الخرطوم، تاركين خلفهم منازلهم وممتلكاتهم ووثائقهم ومدخرات سنوات طويلة.
وبعد امتداد القتال إلى الأحياء السكنية وتوقف أقسام شرطة كثيرة عن العمل، تصاعدت عمليات اقتحام المنازل ونهب الأثاث والأجهزة الكهربائية والسيارات والأسلاك ومواد البناء، ووصلت السرقات في بعض المناطق إلى الأبواب والنوافذ وخزانات المياه.
ولم تسلم من النهب حتى المنازل التي بقي أصحابها فيها؛ إذ سجل سكان محليون حوادث تسلل ليلية وسط انقطاع الكهرباء وندرة حركة المارة.
ومع تكرار السرقات، بدأ أبناء الأحياء في تنظيم أنفسهم بصورة تلقائية. وفي البداية، كان الأمر يقتصر على متابعة الأصوات المشبوهة أو إبلاغ الجيران، ثم تطور إلى ورديات حراسة موزعة على ساعات الليل.
حراسة بأبسط الإمكانات
تعتمد مجموعات «حراس الليل» على وسائل بدائية مقارنة بحجم المخاطر المحيطة بها. يستخدم المتطوعون العصي والمصابيح وصفارات التنبيه والهواتف المحمولة، ويتحركون في مجموعات صغيرة لتفقد الشوارع ومداخل الأحياء.
وتُقسم ساعات الليل بين المشاركين، بحيث تتولى كل مجموعة فترة محددة قبل أن تسلّم المهمة إلى مجموعة أخرى. ويحرص بعضهم على تسجيل حركة المركبات والأشخاص الغرباء، ومراقبة المنازل التي غادر أصحابها، والتأكد من إغلاق المداخل غير المستخدمة.
وفي حال رصد تحركات مشبوهة، يستخدم الشباب الاتصالات الهاتفية أو مجموعات تطبيقات المراسلة لتنبيه بقية السكان واستدعاء المساندة.
كما تلجأ بعض الأحياء إلى طرق الأبواب أو إطلاق الصفارات لتحذير السكان، بينما توضع حواجز بسيطة عند المداخل لإبطاء المركبات وتمكين الحراس من التعرف إلى القادمين.
لكن هذه الترتيبات تختلف من حي إلى آخر، ولا تخضع في معظم الحالات لنظام موحد أو إشراف رسمي مباشر.
حراسة من أجل الغائبين أيضًا
لا يحمي الحراس منازلهم وحدها، بل يراقبون بيوت الجيران الذين نزحوا إلى ولايات أخرى أو غادروا السودان.
ويحتفظ بعض الشباب بأرقام أصحاب المنازل، ويرسلون إليهم صورًا أو معلومات عن حالة ممتلكاتهم كلما أمكن. وفي حال تعرض منزل للكسر، يحاولون إغلاقه مجددًا أو إبلاغ أقارب صاحبه.
ويمنح هذا التواصل النازحين قدرًا محدودًا من الطمأنينة، بعدما أصبح السؤال عن مصير المنزل جزءًا ثابتًا من يوميات الأسر التي تنتظر العودة.
كما يعكس هذا السلوك طبيعة العلاقات الاجتماعية داخل أحياء الخرطوم، حيث لا تُعامل البيوت المغلقة دائمًا باعتبارها ممتلكات مهجورة، وإنما أمانة في أعناق من ظلوا في المنطقة.
مواجهة غير متكافئة
رغم الدور الذي تؤديه المجموعات، فإن الخطر الذي يواجهه أعضاؤها بالغ. فالمتطوع الذي يحمل عصًا أو مصباحًا قد يجد نفسه أمام لص مسلح أو مجموعة تستقل مركبة وتحمل أسلحة نارية.
ويعمل الحراس في ظروف شديدة الصعوبة، وسط انقطاع الكهرباء وغياب الإنارة عن الشوارع وتضرر شبكات الاتصال، فضلًا عن وجود مبانٍ مهدمة ومخلفات حرب قد تعيق الحركة.
كما أن عدم توافر وسائل حماية شخصية أو إسعافات أولية أو مركبات لنقل المصابين يجعل أي مواجهة مباشرة تهديدًا لحياة المتطوعين.
ولهذا تحاول مجموعات كثيرة تجنب الاشتباك المسلح، والتركيز على المراقبة وإطلاق الإنذار وجمع السكان والاتصال بأقرب جهة أمنية متاحة، بدل مطاردة المشتبه بهم بصورة فردية.
ظلام العاصمة يضاعف المخاطر
يمثل انقطاع الكهرباء واحدًا من أكبر التحديات أمام الحراسة الليلية. فالشوارع المظلمة تمنح المتسللين فرصة للتحرك دون أن يلاحظهم أحد، وتجعل التعرف إلى الأشخاص والمركبات أكثر صعوبة.
كما أدى تعطل أعمدة الإنارة وسرقة الكابلات والمحولات إلى بقاء مناطق واسعة في ظلام كامل، بينما لا تستطيع الأسر تشغيل المولدات بسبب ارتفاع أسعار الوقود أو عدم توافره.
وفي بعض الأحياء، يحاول السكان تشغيل مصابيح تعمل بالطاقة الشمسية عند المداخل، لكن عددها يظل محدودًا ولا يغطي الشوارع الداخلية.
ويزداد الوضع تعقيدًا عندما تتوقف شبكات الهاتف أو تضعف خدمة الإنترنت، إذ تصبح عملية طلب النجدة أو تنبيه بقية الحراس أكثر بطئًا.
خوف العائلات على المتطوعين
ينظر السكان إلى «حراس الليل» بتقدير، لكن أسر المتطوعين تعيش ساعات طويلة من القلق. فالأمهات والزوجات ينتظرن عودة الشباب من وردياتهم، وسط مخاوف من وقوع مواجهة مع لصوص مسلحين.
وتتضاعف المخاوف في الأحياء التي شهدت حوادث قتل أو اعتداءات خلال عمليات السرقة، أو تنتشر حولها مجموعات مجهولة الهوية.
ومع ذلك، يواصل كثير من الشباب المشاركة، انطلاقًا من شعورهم بأن غياب الحراسة قد يجعل أسرهم ومنازلهم عرضة للخطر.
ولا يتلقى معظم المشاركين مقابلًا ماليًا، بل يتحملون تكاليف البطاريات والمصابيح والاتصالات والمياه والطعام خلال ساعات الحراسة.
التكافل يعيد ترتيب الحي
لم يقتصر أثر المبادرات على الجانب الأمني، بل ساعدت على إعادة بناء العلاقات بين السكان الذين فرقتهم الحرب.
فقد بدأ الأهالي في إعداد قوائم بالسكان الموجودين، وحصر كبار السن والمرضى، وتنظيم الاتصال بين المربعات السكنية، وتبادل المعلومات عن السرقات والتحركات المشبوهة.
وتتولى بعض الأسر إعداد المشروبات والطعام الخفيف للحراس، بينما يساهم آخرون في شراء المصابيح والبطاريات وصفارات الإنذار.
وفي أحياء أخرى، امتد التعاون إلى تنظيف الشوارع وإزالة الأنقاض وفتح المصارف وإصلاح مصادر المياه، لتتحول الحراسة الليلية إلى نواة لمبادرات مجتمعية أوسع.
وهكذا أعادت الضرورة إنتاج صورة قديمة من صور «النفير» السوداني، حين يتداعى أهل المنطقة للعمل معًا في مواجهة خطر مشترك.
بين الحماية واحتمال التجاوز
على الرغم من أهميتها، تثير المبادرات الأهلية تساؤلات حول حدود صلاحياتها وطريقة التعامل مع الأشخاص المشتبه بهم.
فغياب التنظيم قد يؤدي إلى توقيف أشخاص أبرياء أو استخدام العنف أو تصفية خلافات شخصية تحت ذريعة حماية الحي. كما أن منح مجموعات غير رسمية سلطة التفتيش أو الاحتجاز يحمل مخاطر قانونية وأمنية كبيرة.
ولهذا ينبغي أن يقتصر دور الحراسة المجتمعية على المراقبة والتنبيه وحماية المداخل والإبلاغ عن الجرائم، من دون التحول إلى جهة موازية للشرطة أو تنفيذ العقوبات خارج القانون.
وتبرز الحاجة إلى وضع ضوابط واضحة لهذه المجموعات، وتسجيل المتطوعين وتحديد مناطق عملهم، وربطهم بأقسام الشرطة والسلطات المحلية متى كانت موجودة.
كما يجب منع حمل السلاح بصورة عشوائية داخل هذه المبادرات، حتى لا تتحول الأحياء إلى ساحات لمجموعات مسلحة جديدة يصعب ضبطها مستقبلًا.
عودة السكان ترفع الحاجة إلى الأمن
مع بدء عودة أعداد من النازحين إلى الخرطوم، تتزايد الحاجة إلى استعادة الأمن والخدمات الأساسية. فالعائلة التي تعود إلى منزلها لا تحتاج إلى المياه والكهرباء فقط، بل إلى ضمان قدرتها على النوم دون خوف من الاقتحام أو السرقة.
وتواجه الأسر العائدة منازل تعرضت للنهب أو التخريب، وشوارع تفتقر إلى الإنارة، وأسواقًا لم تستعد نشاطها الكامل، ومرافق شرطية لا تزال بحاجة إلى التأهيل.
وكلما زادت أعداد العائدين، أصبحت المبادرات الأهلية أكثر قدرة على مراقبة الأحياء، لكنها في الوقت نفسه تواجه مسؤوليات أكبر لا ينبغي أن تتحملها وحدها.
فحماية العاصمة ليست مهمة السكان فقط، ولا يجوز أن تصبح الحراسة التطوعية بديلًا دائمًا عن الشرطة وأجهزة العدالة.
جهود رسمية لا تغطي كل الأحياء
بدأت السلطات تنفيذ حملات أمنية ليلية في بعض مناطق الخرطوم، إلى جانب ملاحقة شبكات السرقة وضبط المركبات والممتلكات المشتبه في نهبها.
وأعلنت الجهات الأمنية خلال الفترة الماضية توقيف آلاف المتهمين وتدوين بلاغات مرتبطة بالنهب والسرقة ومخالفات أخرى، في إطار خطط استعادة الأمن وفرض سلطة القانون.
لكن اتساع العاصمة وحجم الدمار ونقص الموارد يجعل وصول الدوريات إلى جميع الأحياء بصورة منتظمة أمرًا صعبًا، خصوصًا في المناطق التي لا تزال قليلة السكان أو تفتقر إلى الطرق والإنارة.
ويطالب الأهالي بزيادة انتشار الشرطة، وإعادة تشغيل الأقسام، وتوفير خطوط اتصال للطوارئ، وتنظيم دوريات مشتركة تستفيد من معرفة السكان بتفاصيل أحيائهم دون تحميلهم مسؤولية المواجهة.
دعم مطلوب لا مزيد من السلاح
تحتاج مجموعات الحراسة إلى وسائل اتصال وإنارة وسترات عاكسة وصفارات وصناديق إسعافات أولية، أكثر من حاجتها إلى السلاح.
كما تحتاج إلى تدريب مبسط على التعامل مع الحالات المشبوهة، وحماية مسرح الجريمة، وإسعاف المصابين، وتجنب المواجهات التي قد تعرض السكان للخطر.
ويمكن للسلطات المحلية تحديد نقاط اتصال معروفة تستقبل بلاغات الحراس وتتحرك عند وقوع حادث، مع ضمان عدم كشف هوية المبلغين بصورة تعرضهم للانتقام.
كما يُعد إصلاح إنارة الشوارع وإزالة الأنقاض وإعادة شبكات الاتصال جزءًا أساسيًا من الخطة الأمنية، لأن الشارع المضاء والمأهول أقل جذبًا للعصابات من الشوارع المهجورة والمظلمة.
بطولة فرضتها الضرورة
لا يقدم «حراس الليل» أنفسهم بوصفهم أبطالًا، بل مواطنين فرضت عليهم الظروف مهمة لم يختاروها. كانوا قبل الحرب طلابًا وعمالًا وموظفين وتجارًا، ثم وجدوا أنفسهم يحملون المصابيح ويجوبون شوارع أحيائهم حتى طلوع الفجر.
تعكس تجربتهم قوة التكافل الاجتماعي وقدرة السودانيين على تنظيم حياتهم في أصعب الظروف، لكنها تكشف في الوقت نفسه حجم الفراغ الذي تركه انهيار المؤسسات.
فالمبادرة المجتمعية تستطيع منع سرقة أو إطلاق إنذار أو حماية منزل، لكنها لا تستطيع وحدها إعادة بناء منظومة الأمن والعدالة.
وإلى أن تستعيد الشرطة وجودها الكامل وتعود الإنارة والحياة إلى الشوارع، سيظل شباب الخرطوم يتقاسمون الليل: مجموعة تراقب المداخل، وأخرى تجوب الأزقة، وثالثة تنتظر دورها، فيما تنام الأسر على أمل أن يمر الليل بلا اقتحام جديد.
لقطة AI… عين ترصد الحدث. وعقل يقرأ المشهد.
التعليقات
0 تعليقات