محررو لقطة AI – 19
11 أغسطس 2026
دخل الصراع داخل مؤسسات كرة القدم العالمية مرحلة غير مسبوقة، بعدما بدأت اتحادات قارية كبرى مناقشة خيارات تتجاوز الاعتراضات والبيانات الغاضبة إلى احتمال مقاطعة مسابقات الاتحاد الدولي لكرة القدم «فيفا»، ودراسة إقامة بطولات دولية بديلة تمنح المنتخبات واللاعبين منصات للمنافسة خارج سيطرة الاتحاد الدولي.
وتقود جبهة المعارضة الجديدة ثلاثة من أكبر الاتحادات القارية، هي الاتحاد الأوروبي لكرة القدم «يويفا»، والاتحاد الآسيوي، واتحاد أمريكا الشمالية والوسطى والكاريبي «كونكاكاف»، في مواجهة إدارة فيفا برئاسة السويسري جياني إنفانتينو.
ولا يتعلق الخلاف هذه المرة بتعديل موعد بطولة أو ازدحام روزنامة المباريات، بل يمتد إلى طريقة إدارة كرة القدم العالمية، وحدود الصلاحيات الممنوحة لرئيس فيفا، ومستقبل الحقوق التجارية لكأس العالم، ومدى جواز إدخال مستثمرين من القطاع الخاص إلى واحدة من أهم البطولات الرياضية في العالم.
مشروع العشرين مليار دولار يفجّر الأزمة
بدأ التصعيد بعد الكشف عن مشروع تجاري حمل اسم «FIFA Forward Enterprise»، يستهدف إنشاء شركة جديدة تتولى إدارة جانب من الحقوق والأنشطة التجارية المرتبطة بكأس العالم ومسابقات فيفا الأخرى.
وبحسب تفاصيل الخطة، كانت الشركة الجديدة ستُقدّر قيمتها بنحو 20 مليار دولار، على أن يبيع فيفا حصة تصل إلى 20% لمستثمرين من القطاع الخاص، مقابل جمع نحو 4.2 مليار دولار.
لكن الطريقة التي أُديرت بها المفاوضات أثارت غضب عدد من أعضاء مجلس فيفا والاتحادات القارية، التي قالت إنها لم تُستشر بصورة كافية، وإنها علمت بتفاصيل جوهرية في المشروع من وسائل الإعلام بدلاً من القنوات المؤسسية الرسمية.
ورأت الاتحادات المعارضة أن القضية لا تتعلق بالحصول على أموال جديدة فقط، وإنما بمخاطر نقل جزء من النفوذ التجاري المرتبط بكأس العالم إلى مستثمرين قد تصبح مصالحهم المالية مؤثرة في توقيت البطولات وشكلها وآليات توزيع إيراداتها.
وأمام موجة الاعتراضات الواسعة، اضطر فيفا إلى التراجع عن المشروع والاعتذار عن أخطاء رافقت طريقة تقديمه وإدارته. إلا أن سحب الخطة لم ينهِ الأزمة، بعدما تحوّل الخلاف من مواجهة حول صفقة تجارية إلى أزمة ثقة في قيادة إنفانتينو.
اتهامات بالخداع والانفراد بالقرار
وفي رسالة مفتوحة شديدة اللهجة، اتهمت اتحادات أوروبا وآسيا وكونكاكاف إدارة فيفا بارتكاب «خرق جوهري للثقة»، وباتباع أسلوب قائم على الخداع والانفراد بالقرارات.
وأكدت الاتحادات الثلاثة أن ما حدث لا يمكن اختزاله في سوء تواصل أو أخطاء إجرائية عابرة، معتبرة أن طرح مشروع بهذا الحجم دون مشاورات مؤسسية واسعة يمثل إخفاقاً خطيراً في الحوكمة والحكم الرشيد.
كما طالبت بإجراء تحقيق خارجي مستقل يكشف كيفية إعداد المشروع، والجهات التي شاركت في المفاوضات، وطبيعة الالتزامات التي نوقشت مع المستثمرين، وما إذا كان إنفانتينو قد تجاوز الصلاحيات الممنوحة له.
وتعكس اللغة المستخدمة في الرسالة اتساع الفجوة بين قيادة الاتحاد الدولي وعدد من أبرز مراكز القوة داخل اللعبة، خصوصاً أن الاتحادات الثلاثة تمثل غالبية كبيرة من المنتخبات والأسواق التجارية والجماهيرية المؤثرة في كرة القدم العالمية.
البطولات البديلة تدخل دائرة النقاش
التطور الأخطر في الأزمة يتمثل في بدء مناقشات أولية بشأن إنشاء مسابقات دولية بديلة لبطولات فيفا، في حال تعذر التوصل إلى تسوية أو اتجهت الاتحادات المعارضة إلى مقاطعة شاملة.
ورغم أن هذه المناقشات لا تزال في مراحلها الأولى، فإن مجرد طرحها يكشف أن الأزمة تجاوزت مرحلة البيانات الاحتجاجية، وأصبحت تهدد احتكار فيفا لتنظيم البطولات العالمية للمنتخبات.
ويمكن للاتحادات القارية، من الناحية العملية، تنظيم دورات مشتركة أو بطولات موسعة تضم منتخبات من أوروبا وآسيا وأمريكا الشمالية والوسطى والكاريبي، مستفيدة من امتلاكها البنية الإدارية والحقوق التجارية والمنتخبات صاحبة الشعبية الأكبر.
غير أن إقامة بطولة عالمية منافسة ستواجه تعقيدات كبيرة، تتعلق بعقود اللاعبين والأندية، وحقوق البث والرعاية، والروزنامة الدولية، إضافة إلى الموقف القانوني من مشاركة اتحادات وطنية تظل في الوقت نفسه أعضاء في فيفا.
ومع ذلك، فإن التلويح بهذا الخيار يمنح جبهة المعارضة أداة ضغط قوية، لأن بطولة عالمية لا تشارك فيها المنتخبات الأوروبية والآسيوية ومنتخبات أمريكا الشمالية ستكون معرضة لخسائر فنية وتسويقية ضخمة.
المقاطعة تبدأ من بطولات الفئات السنية
تبحث الاتحادات المعارضة مقاطعة عدد من مسابقات فيفا المقبلة، وفي مقدمتها بطولات السيدات والفئات السنية، باعتبارها خطوة أولى يمكن من خلالها اختبار قدرة الجبهة الجديدة على الالتزام بموقف موحد.
ويتمسك يويفا بتهديد المقاطعة رغم إعلان فيفا التخلي عن مشروع الاستثمار، إذ يرى الاتحاد الأوروبي أن إلغاء الخطة وحده لا يكفي، وأن المطلوب ضمانات مؤسسية تمنع طرح مشروعات مماثلة مستقبلاً دون موافقة الهيئات المختصة.
ولا يستبعد مراقبون أن تتسع المقاطعة إذا فشلت الوساطات، لتشمل عدداً أكبر من مسابقات فيفا خلال السنوات المقبلة. غير أن الحديث عن مقاطعة كأس العالم للرجال يحتاج إلى التعامل معه بحذر، نظراً إلى ضخامة المصالح الرياضية والاقتصادية المرتبطة بالبطولة، وصعوبة الحفاظ على وحدة جميع الاتحادات الوطنية عند الانتقال من التهديد إلى التنفيذ.
انقسام داخل جبهة إنفانتينو
في المقابل، لا يزال إنفانتينو يحظى بدعم اتحادات مؤثرة، وفي مقدمتها الاتحاد الإفريقي لكرة القدم «كاف»، الذي أعلن مساندته لقيادته، إلى جانب دعم من اتحادات وطنية وأطراف أخرى داخل المنظومة الدولية.
كما يتمتع رئيس فيفا بعلاقات قوية مع قيادات سياسية ورياضية، وحصل على دعم علني من الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، في وقت تتزايد فيه الانتقادات الموجهة إليه من اتحادات في إنجلترا والنرويج ودول أخرى.
ويكشف موقف كونكاكاف والاتحاد الآسيوي بدوره عن انقسام داخل بعض الاتحادات القارية؛ إذ لا تتطابق مواقف جميع الدول الأعضاء مع موقف القيادة القارية. وقد تستمر بعض الاتحادات الوطنية في دعم إنفانتينو رغم مشاركة اتحاداتها القارية في الرسالة المعارضة.
ويمنح هذا التباين رئيس فيفا فرصة لإعادة بناء تحالفاته، خصوصاً بين الاتحادات الصغيرة والمتوسطة التي تعتمد بدرجات متفاوتة على برامج التمويل والتطوير التي يقدمها الاتحاد الدولي.
التمويل يتحول إلى ملف سياسي
تحذر المعارضة من استخدام أموال برامج التطوير وسيلةً لكسب الولاءات أو التأثير في مواقف الاتحادات الوطنية قبل الانتخابات.
ويرى منتقدو إنفانتينو أن توزيع المنح لا ينبغي أن يرتبط بالموقف من رئيس الاتحاد الدولي أو بمساندة مشروعاته، مطالبين بوضع آليات أكثر استقلالاً وشفافية لتخصيص الأموال.
ويحمل هذا الملف حساسية خاصة، لأن فيفا يضم 211 اتحاداً وطنياً، ويمتلك كل اتحاد صوتاً واحداً في انتخابات الرئاسة، بصرف النظر عن حجمه أو قوته الكروية والاقتصادية. ولذلك تستطيع الكتل الكبيرة في إفريقيا وآسيا وأمريكا الوسطى والكاريبي حسم نتيجة أي انتخابات إذا حافظت على وحدة أصواتها.
انتخابات 2027 في قلب المواجهة
تأتي الأزمة قبل انتخابات رئاسة فيفا المقررة في مارس 2027 بالمغرب، بعدما أعلن إنفانتينو اعتزامه الترشح مجدداً.
وتسعى جبهة المعارضة إلى استثمار الأزمة من أجل إقناعه بالتنحي أو تقديم مرشح قادر على منافسته، إلا أن نجاح هذه الخطوة يتطلب بناء تحالف واسع يتجاوز القارة الأوروبية.
ويواجه المعارضون مشكلة غياب مرشح توافقي يتمتع بقبول عالمي وشبكة علاقات قادرة على منافسة نفوذ إنفانتينو داخل الاتحادات الوطنية. كما أن استمرار دعم الاتحاد الإفريقي واتحاد أمريكا الجنوبية وعدد من الاتحادات الآسيوية له قد يمنحه كتلة انتخابية يصعب تجاوزها.
ولهذا لا تبدو المواجهة محسومة، حتى مع ارتفاع حدة الانتقادات. فقد تتمكن المعارضة من إضعاف إنفانتينو سياسياً وإجباره على تقديم تنازلات واسعة، دون أن تنجح بالضرورة في إبعاده عن رئاسة فيفا.
كرة القدم أمام اختبار تاريخي
تكشف الأزمة أن الصراع لم يعد يدور حول شخص إنفانتينو وحده، بل حول النموذج الذي ستدار به كرة القدم العالمية خلال العقود المقبلة: هل تظل كأس العالم ملكاً لمؤسسات اللعبة واتحاداتها الوطنية، أم تتحول تدريجياً إلى أصل تجاري مفتوح أمام استثمارات الشركات وصناديق المال الخاص؟
كما تطرح الأزمة سؤالاً أكبر بشأن قدرة فيفا على الحفاظ على موقعه باعتباره السلطة العالمية الوحيدة المنظمة لكرة القدم، إذا بدأت الاتحادات القارية في بناء هياكل ومسابقات موازية.
وقد تنتهي المواجهة بتسوية تفرض إصلاحات في الحوكمة وتقييد صلاحيات الرئيس وتعزيز دور مجلس فيفا والاتحادات القارية. لكنها قد تتطور أيضاً إلى انقسام مؤسسي يعيد تشكيل خريطة اللعبة، ويحوّل البطولات البديلة من ورقة تهديد إلى واقع جديد.
وبين مشروع تجاري جرى التخلي عنه، وثقة مؤسسية يصعب استعادتها، وانتخابات تقترب، تبدو كرة القدم العالمية مقبلة على واحدة من أعنف معارك النفوذ في تاريخها الحديث.
عين ترصد الحدث. وعقل يقرأ المشهد
التعليقات
0 تعليقات