محررو لقطة AI – 4
16 أغسطس 2026
لم تكن الطائرة التي هبطت في مطار الخرطوم الدولي، الأحد، تحمل 150 مسافراً عاديين، بل كانت تقل سودانيين يعودون إلى بلد غادروه تحت ضغط الحرب، بعدما أمضى بعضهم شهوراً أو سنوات في أوغندا بحثاً عن الأمان والاستقرار.
وصلت الرحلة قادمة من مطار عنتيبي ضمن برنامج العودة الطوعية للسودانيين الموجودين في أوغندا، لتشكل الرحلة الرابعة عشرة التي ينظمها البرنامج، والثانية التي تتجه مباشرة إلى مطار الخرطوم بدلاً من مطارات أخرى داخل البلاد.
ويمنح وصول الرحلة مباشرة إلى العاصمة الحدث دلالة تتجاوز عدد ركابها، إذ تسعى الجهات الحكومية إلى تقديم استئناف الرحلات واستقبال العائدين بوصفهما مؤشرين على عودة النشاط تدريجياً إلى الخرطوم، بعد الأضرار الواسعة التي لحقت بمطارها ومرافقها الأساسية بسبب الحرب.
غير أن عودة الطائرات لا تعني بالضرورة اكتمال عودة الحياة، إذ يواجه العائدون تحديات تبدأ من السكن والخدمات ولا تنتهي عند فرص العمل وتأمين الغذاء والتعليم والرعاية الصحية، في مدينة لا تزال تعمل على استعادة بنيتها الأساسية ومؤسساتها.
الرحلة الرابعة عشرة
قال رئيس اللجنة العليا للعودة الطوعية للسودانيين في أوغندا، اللواء شرطة متقاعد عبد الكريم يوسف يعقوب، إن الرحلة أقلّت 150 سودانياً من مطار عنتيبي إلى الخرطوم، موضحاً أنها الرحلة الرابعة عشرة ضمن البرنامج والثانية التي تصل إلى العاصمة مباشرة.
وأشاد بالجهات الحكومية والشركاء الذين ساهموا في تنظيم الرحلة وتوفير التذاكر وإكمال الإجراءات المتعلقة بسفر العائدين، مؤكداً استمرار العمل من أجل تسيير دفعات جديدة خلال الفترة المقبلة.
وكانت الرحلات الأولى من برنامج العودة الطوعية تتجه بصورة أساسية إلى مطار بورتسودان، قبل أن يبدأ نقل بعض الدفعات مباشرة إلى الخرطوم، في ظل إعادة تشغيل المطار واستئناف جانب من الحركة الجوية.
ويقلل الوصول المباشر إلى الخرطوم من الأعباء التي كانت تواجه العائدين عند وصولهم إلى بورتسودان، خاصة أولئك الذين تقع وجهتهم النهائية في العاصمة أو ولايات وسط السودان، إذ كانوا يضطرون إلى قطع مسافات طويلة براً وتحمل تكاليف إضافية بعد رحلة العودة الجوية.
أول رحلة بتمويل كويتي
تُعد الرحلة الجديدة الأولى التي تمولها جمعية العون المباشر الكويتية ضمن الجسر الجوي للعودة من أوغندا، بالتنسيق مع السفارة السودانية في كمبالا واللجنة العليا للعودة الطوعية.
وأوضح الأمين العام لجهاز تنظيم شؤون السودانيين بالخارج، عبد الرحمن سيد أحمد، أن الرحلات السابقة جرى تسييرها عبر تبرعات ومساهمات وطنية قدمتها جهات حكومية ومؤسسات ورجال أعمال وأفراد، بينما تمثل مساهمة الجمعية الكويتية بداية لدخول دعم خارجي منظم إلى البرنامج.
وشمل الدعم الكويتي توفير ألف تذكرة سفر لنقل سودانيين من مطار عنتيبي إلى مطار الخرطوم، ما يتيح تسيير رحلات إضافية وتقليل فترة انتظار المسجلين، خصوصاً الأسر التي لا تستطيع تحمل تكاليف السفر الجوي.
وجرى تنفيذ المشروع بمساهمة جمعية العون المباشر وبالتنسيق مع السفارة السودانية في أوغندا، إلى جانب مساهمة سفارتي الكويت في الخرطوم وكمبالا في ترتيبات الدعم والتنسيق.
ومن المتوقع أن تستقبل البلاد نحو ألف عائد من أوغندا خلال أغسطس الجاري، وفق البرنامج المعلن، على أن تتواصل الرحلات تبعاً للتمويل المتاح والقدرة على إكمال إجراءات السفر والاستقبال.
ثمانية آلاف ينتظرون في أوغندا
تكشف أعداد المسجلين حجم الرغبة المتزايدة في العودة، إذ قال وكيل وزارة الحكم الاتحادي والتنمية الريفية ونائب رئيس لجنة العودة الطوعية، أبو ذر الحافظ الطيب، إن عدد السودانيين المسجلين للعودة من أوغندا وحدها تجاوز ثمانية آلاف شخص.
وفي المقابل، تجاوز العدد الإجمالي للمسجلين في برامج العودة من دول الجوار 95 ألف سوداني، وهو رقم يعكس اتساع حركة النزوح التي سببتها الحرب، كما يكشف حجم الموارد المطلوبة لإعادة الراغبين إلى مناطقهم.
ولا يعني التسجيل أن جميع الموجودين في دول الجوار قرروا العودة، كما لا يشمل الرقم بالضرورة كل اللاجئين والنازحين السودانيين خارج البلاد. لكنه يعبر عن شريحة واسعة أبدت رغبتها رسمياً في الرجوع، وتنتظر توفير وسائل النقل والترتيبات اللازمة.
وتتفاوت دوافع العودة بين أسرة وأخرى. فالبعض يرى أن الأوضاع الأمنية في منطقته تحسنت نسبياً، بينما تدفع صعوبات المعيشة وارتفاع تكاليف السكن وتراجع المساعدات وانعدام فرص العمل آخرين إلى التفكير في الرجوع.
كما ترغب أسر في العودة للم شملها مع أقاربها، أو متابعة ممتلكاتها ومنازلها، أو تمكين أبنائها من مواصلة الدراسة داخل السودان. وفي حالات أخرى، أصبحت الإقامة في دول اللجوء أكثر صعوبة بعد نفاد المدخرات وتراكم الديون.
أكثر من 75 ألف سوداني في أوغندا
استقبلت أوغندا أعداداً كبيرة من السودانيين منذ اندلاع الحرب في أبريل 2023، وبلغ عدد اللاجئين السودانيين الموجودين فيها أكثر من 75 ألفاً، وفق تقديرات مفوضية الأمم المتحدة لشؤون اللاجئين التي أوردها تقرير سودان تربيون.
وتوجه سودانيون إلى أوغندا بسبب سهولة الوصول إليها مقارنة ببعض الوجهات الأخرى، إلى جانب وجود جالية سودانية ومؤسسات تعليمية تستقبل الطلاب. لكن تدفق اللاجئين وضع ضغوطاً متزايدة على خدمات الإيواء والصحة والتعليم والمساعدات الإنسانية.
وعانت أسر سودانية من ارتفاع تكاليف السكن والمعيشة، في وقت تقلصت فيه فرص الحصول على الدعم المنتظم. كما واجه العديد من العائدين صعوبة في الحصول على وظائف تضمن لهم دخلاً مستقراً، ما جعل العودة خياراً مطروحاً رغم استمرار الأوضاع المعقدة داخل السودان.
وبدأت رحلات العودة المنظمة من أوغندا في فبراير 2026، عندما نُقلت أولى الدفعات إلى مطار بورتسودان. وتوالت الرحلات بعد ذلك بدعم من مؤسسات سودانية وجهود الجالية والمساهمات الفردية، قبل انضمام جمعية العون المباشر الكويتية إلى البرنامج.
مسؤولون في استقبال العائدين
شارك في استقبال الدفعة الجديدة عدد من المسؤولين وممثلي المؤسسات المعنية، بينهم الأمين العام لجهاز تنظيم شؤون السودانيين بالخارج، ووكيل وزارة الحكم الاتحادي والتنمية الريفية، ومدير إدارة القنصليات وشؤون الجاليات بوزارة الخارجية، الوزير المفوض أحمد خليفة محمد علي.
وأكد المسؤولون استمرار التنسيق بين الحكومة الاتحادية وحكومات الولايات والسفارات واللجان المنظمة، بهدف تسهيل إجراءات عودة السودانيين من دول الجوار ونقلهم إلى وجهاتهم النهائية.
وقال أحمد خليفة إن تمويل الرحلة تم عبر جمعية العون المباشر الكويتية بالتنسيق مع السفارة السودانية في أوغندا، مشيراً إلى أن البرنامج يتوقع استقبال نحو ألف عائد خلال أغسطس.
واعتبر أن وصول الرحلة مباشرة إلى مطار الخرطوم يمثل مؤشراً على عودة الحياة تدريجياً إلى العاصمة، كما أشاد بالدعم الكويتي والجهود التي بذلتها الجهات المنظمة.
المطار بوابة العودة
يحمل مطار الخرطوم أهمية رمزية وعملية في برامج العودة، إذ كان واحداً من أبرز المرافق التي تعطلت بعد اندلاع القتال، وتحولت المنطقة المحيطة به إلى ساحة للمواجهات العسكرية.
وبعد توقف طويل، بدأت عمليات إعادة التأهيل وتأمين المرافق وإجراء اختبارات التشغيل، تمهيداً لاستقبال رحلات محدودة. ولذلك يُنظر إلى كل رحلة تهبط في المطار باعتبارها خطوة على طريق استعادة ارتباط العاصمة بالعالم الخارجي.
لكن قياس التعافي بعدد الطائرات وحده قد يقدم صورة غير مكتملة، فعودة المطار تحتاج إلى استقرار التشغيل وتوفير خدمات الملاحة والسلامة والصيانة والنقل، فضلاً عن تأهيل الطرق والمرافق المحيطة به.
كما أن زيادة رحلات العائدين تستوجب إنشاء ترتيبات استقبال قادرة على تسجيل الأسر وتقديم الإسعافات عند الضرورة، ومساعدة كبار السن والأطفال، ثم نقل العائدين إلى أحيائهم أو ولاياتهم من دون تحميلهم تكاليف جديدة.
العودة لا تنتهي عند سلم الطائرة
شدد وكيل وزارة الحكم الاتحادي والتنمية الريفية على أن الحكومة تعمل على تهيئة سبل كسب العيش للعائدين، لا سيما الذين فقدوا وظائفهم ومصادر دخلهم خلال الحرب.
ويمثل هذا الجانب الاختبار الأصعب أمام برامج العودة، لأن توفير تذكرة السفر يعالج مرحلة واحدة فقط من رحلة طويلة. فعند وصول الأسرة تبدأ أسئلة السكن، وإصلاح المنزل، والحصول على المياه والكهرباء، وإعادة الأطفال إلى المدارس، والعثور على وظيفة أو مشروع يوفر دخلاً يومياً.
وعاد بعض السودانيين خلال الفترات الماضية ليجدوا منازلهم متضررة أو منهوبة، بينما لا تزال خدمات الكهرباء والمياه والاتصالات غير مستقرة في عدد من المناطق. كما تواجه المؤسسات الصحية والتعليمية صعوبات في استعادة كامل طاقتها التشغيلية.
ومن دون برنامج متكامل لإعادة الإدماج، قد يجد العائدون أنفسهم أمام أوضاع قاسية تدفع بعضهم إلى النزوح الداخلي أو محاولة مغادرة البلاد مجدداً.
وتحتاج العودة المستدامة إلى ربط الرحلات الجوية ببرامج لإصلاح المساكن، وتوفير منح صغيرة، واستعادة الوظائف، ودعم الأنشطة التجارية، وإعادة فتح المدارس والمراكز الصحية، إلى جانب تقديم الوثائق المدنية لمن فقدوها خلال الحرب.
طوعية العودة وضرورة الضمانات
يحمل وصف البرنامج بـ«العودة الطوعية» التزاماً أساسياً يتمثل في أن يكون قرار الرجوع نابعاً من رغبة الشخص نفسه، بعد حصوله على معلومات واضحة عن الأوضاع في المنطقة التي سيتوجه إليها.
فالضغوط الاقتصادية في دول اللجوء أو تراجع المساعدات لا ينبغي أن تتحول إلى عوامل تجبر الأسر على العودة إلى مناطق تفتقر إلى الأمان والخدمات الأساسية.
كما أن وصول رحلة إلى الخرطوم لا يعني أن جميع مناطق السودان أصبحت مهيأة لاستقبال العائدين، إذ تختلف الأوضاع الأمنية والخدمية من ولاية إلى أخرى، بل ومن حي إلى آخر داخل المدينة الواحدة.
ويتطلب ذلك تقييم ظروف كل منطقة، وإبلاغ المسجلين بحقيقة الخدمات والمخاطر المتوقعة، ومنحهم الوقت الكافي لاتخاذ القرار من دون ضغط أو وعود مبالغ فيها.
كذلك ينبغي توفير آليات لمتابعة أوضاع العائدين بعد الوصول، بدلاً من الاكتفاء بتسجيل أعدادهم في المطار، لمعرفة ما إذا تمكنوا من الاستقرار والحصول على الخدمات ومصادر الدخل.
مؤشر أمل واختبار للدولة
تمثل عودة 150 سودانياً من أوغندا لحظة أمل لأسر طال انتظارها للرجوع، كما تعكس رغبة كثيرين في استعادة حياتهم داخل الوطن بعد سنوات من النزوح واللجوء.
وتكشف قائمة تضم أكثر من ثمانية آلاف مسجل في أوغندا و95 ألفاً في دول الجوار أن رحلات العودة قد تتزايد خلال الأشهر المقبلة إذا توافرت التذاكر والضمانات والترتيبات اللوجستية.
لكن نجاح البرنامج لن يُقاس بعدد الرحلات أو صور الاستقبال الرسمية وحدها، بل بقدرة العائدين على البقاء بأمان والعثور على منزل وخدمة وعمل ومدرسة ومستشفى.
فالطائرة تستطيع إعادة المواطن إلى المطار خلال ساعات، أما إعادة بناء حياته فتحتاج إلى مؤسسات تعمل، وخدمات مستقرة، واقتصاد ينتج فرصاً، وأمن يمنحه الثقة بأن رحلة العودة لن تتحول إلى بداية نزوح جديد.
وبين عنتيبي والخرطوم بدأت رحلة 150 سودانياً نحو الوطن، لكن الرحلة الأصعب ستبدأ بعد مغادرة صالة الوصول، عندما يحاول كل عائد أن يستعيد مكانه في مدينة وبلد غيّرتهما الحرب.
لقطة AI… عين ترصد الحدث. وعقل يقرأ المشهد.
التعليقات
0 تعليقات