محررو لقطة AI – 13
17 أغسطس 2026
حين يُذكر الخطر الذي تمثله السياسة الخارجية الأمريكية على العالم، تتجه الأنظار غالباً إلى الرئيس دونالد ترامب: لغته الصدامية، قراراته المفاجئة، تشكيكه في التحالفات، ونظرته إلى العلاقات الدولية بوصفها صفقات تُقاس بالمكسب والخسارة المباشرين.
لكن التركيز على ترامب وحده قد يحجب دور الشخصيات التي تمنح توجهاته شكلاً مؤسسياً وتحول انفعالاته السياسية إلى قرارات دبلوماسية وعسكرية قابلة للتنفيذ. وفي مقدمة هذه الشخصيات يبرز ماركو روبيو، وزير الخارجية ومستشار الأمن القومي بالإنابة، والذي أصبح واحداً من أكثر المسؤولين نفوذاً داخل الإدارة الأمريكية.
ومن هنا يطرح الكاتب البريطاني سايمون تسدال، في مقال نشرته صحيفة «الغارديان»، سؤالاً بالغ الحساسية: هل أصبح روبيو سيئاً للعالم بقدر يقترب من ترامب، رغم أنه أكثر هدوءاً وانضباطاً وأقل ميلاً إلى الاستعراض؟
الإجابة ليست بسيطة. فترامب وروبيو لا يمثلان النوع نفسه من الخطر، لكن اجتماعهما داخل مركز القرار قد يجعل السياسة الأمريكية أكثر قدرة على الانتقال من الخطاب التصادمي إلى الفعل المنظم.
من منافس ساخر منه إلى رجل قوي في إدارته
لم تكن العلاقة بين ترامب وروبيو دائماً قائمة على الولاء والتوافق. خلال الانتخابات التمهيدية للحزب الجمهوري عام 2016، تبادل الرجلان السخرية والهجمات الشخصية، وقدم روبيو نفسه آنذاك باعتباره بديلاً محافظاً أكثر انضباطاً من ترامب.
كما اختلف روبيو مع ترامب في عدد من الملفات، خصوصاً الموقف من روسيا وحلف شمال الأطلسي وبعض قضايا السياسة الخارجية. وكان ينتمي إلى التيار الجمهوري التقليدي الذي يرى أن قيادة الولايات المتحدة للعالم تحتاج إلى تحالفات قوية، وانتشار عسكري، ومؤسسات دبلوماسية نشطة.
لكن روبيو انتقل تدريجياً من موقع الناقد إلى أحد أكثر المدافعين عن ترامب، قبل أن يصبح وزيراً للخارجية في يناير 2025، ثم يجمع إلى جانب منصبه دور مستشار الأمن القومي بالإنابة، ما منحه نفوذاً واسعاً في الدبلوماسية والأمن وصياغة الخيارات المقدمة للرئيس.
وتؤكد وزارة الخارجية الأمريكية أن روبيو يشغل منصب وزير الخارجية، بينما تشير بيانات رسمية أخرى إلى مباشرته مهام مستشار الأمن القومي بالإنابة، وهو تداخل يمنحه قدرة استثنائية على التأثير في أكثر من دائرة داخل صناعة القرار. وزارة الخارجية الأمريكية
حجة سايمون تسدال
ينطلق تسدال من مفارقة أساسية: روبيو يشغل موقعاً يمكنه من فعل الكثير من أجل السلام، لكنه لم يستخدم نفوذه، وفق رؤية الكاتب، في تعزيز الدبلوماسية أو منع التصعيد.
ويحمّله مسؤولية سياسية وأخلاقية لأنه لم يكن مجرد مسؤول هامشي ينفذ أوامر الرئيس، بل أصبح واحداً من أبرز الأشخاص القادرين على التأثير في ترامب وصياغة الموقف الأمريكي من أزمات إيران وأوكرانيا وغزة وروسيا والصين وأمريكا اللاتينية.
ويرى الكاتب أن روبيو اختار التكيف مع توجهات ترامب بدلاً من موازنتها، وتراجع عن مواقف سابقة كان يتبناها، وسمح بانتقال السياسة الخارجية الأمريكية من العمل الجماعي والتحالفات إلى منطق القوة والإملاء.
وتقوم حجة تسدال على أن خطورة روبيو لا تكمن في كونه نسخة صاخبة من ترامب، بل في كونه سياسياً محترفاً قادراً على منح سياسات الرئيس لغة رسمية وغطاءً مؤسسياً.
ووفق هذا المنظور، لا يحتاج روبيو إلى إطلاق التهديدات يومياً حتى يكون مؤثراً؛ يكفي أن يصوغ تلك التهديدات داخل وثائق وقرارات وعقوبات وتحالفات، وأن يعرضها بوصفها سياسة خارجية محسوبة.
وقد لخّص تسدال موقفه في عنوان مقاله المنشور في «الغارديان»: إن روبيو يمتلك قوة فريدة لتعزيز السلام، لكنه لم يفعل، وأصبح «سيئاً للعالم تقريباً بقدر ترامب». مقال سايمون تسدال
لكن هذا التقييم يظل مقال رأي يعكس موقف كاتبه، وليس حقيقة متفقاً عليها أو نتيجة بحث محايد. ولذلك ينبغي اختباره في ضوء طبيعة الرجلين وسجلهما السياسي.
خطر ترامب: القرار المفاجئ
مصدر الخطر الأساسي في ترامب هو شخصنة السياسة الخارجية. فهو يميل إلى اختزال العلاقات بين الدول في علاقاته المباشرة مع قادتها، ويمنح الانطباعات الشخصية والولاء والإعجاب دوراً كبيراً في اتخاذ القرار.
كما يفضل الصفقات السريعة والنتائج القابلة للتسويق، حتى عندما تكون الأزمات الدولية بحاجة إلى تفاوض طويل وضمانات معقدة.
وتخلق هذه الطريقة درجة عالية من عدم اليقين. فالحلفاء لا يعرفون ما إذا كانت الالتزامات الأمريكية ستبقى قائمة، والخصوم لا يعرفون إن كانت تهديدات ترامب مقدمة لعمل عسكري أم وسيلة لانتزاع تنازل.
قد ينتقل ترامب من التصعيد إلى التفاوض بسرعة، أو من الإشادة بزعيم إلى مهاجمته، أو من إعلان اتفاق إلى التراجع عنه. وهذه القدرة على تغيير الاتجاه تجعل التنبؤ بسلوك واشنطن أكثر صعوبة.
وعندما تصدر هذه التقلبات من رئيس يمتلك صلاحية اتخاذ القرار العسكري ويقود أكبر قوة اقتصادية وعسكرية في العالم، فإن آثارها لا تتوقف عند حدود الولايات المتحدة.
خطر روبيو: تحويل الاندفاع إلى عقيدة
على النقيض من ترامب، لا يبدو روبيو سياسياً عفوياً. فهو ابن المؤسسة التشريعية، ويمتلك خبرة في لجان الاستخبارات والعلاقات الخارجية، ويعرف كيفية عمل أجهزة الدولة وآليات العقوبات والضغط الدبلوماسي.
وهنا يكمن النوع المختلف من الخطر الذي يتحدث عنه منتقدوه. فترامب قد يطلق فكرة متناقضة أو غير مكتملة، بينما يستطيع روبيو أن يحولها إلى استراتيجية لها أهداف وأدوات وجهاز تنفيذي.
فهو قادر على نقل شعار «أمريكا أولاً» من منصة انتخابية إلى سياسة تُطبّق عبر السفارات والبعثات والاتفاقيات والعقوبات والتصنيفات الأمنية والضغوط الاقتصادية.
ومن هذا المنظور، يصبح المسؤول الأكثر انضباطاً أخطر أحياناً من السياسي الأكثر صخباً، لأنه يمنح المشروع القدرة على الاستمرار والعمل داخل المؤسسات.
ولا يعني ذلك أن روبيو ينفذ كل رغبات ترامب أو يسيطر على قراراته. لكنه يؤدي دور المترجم بين عالم الرئيس الشخصي وأجهزة الدولة، فيرتب التوجهات ويمنحها لغة يمكن للبيروقراطية تنفيذها.
الصين.. الحزم يتحول إلى مواجهة ممتدة
اشتهر روبيو قبل وصوله إلى وزارة الخارجية بتشدده تجاه الصين، واعتباره صعود بكين تحدياً اقتصادياً وأمنياً وأيديولوجياً للولايات المتحدة.
ودافع عن تشديد العقوبات، وحماية الصناعات الأمريكية، وتقليل الاعتماد على سلاسل الإمداد الصينية، ومواجهة النفوذ الصيني في التكنولوجيا والجامعات والموانئ والاتصالات.
ويرى مؤيدوه أن هذا الحزم ضروري بعدما استفادت الصين من انفتاح الأسواق الغربية، ووسعت نفوذها العسكري والاقتصادي من دون أن تتحمل التزامات موازية في النظام الدولي.
أما منتقدوه فيخشون من أن تتحول المنافسة إلى مواجهة شاملة لا تترك مجالاً للتعاون في المناخ والتجارة والأمن النووي والصحة العالمية.
كما أن التعامل مع كل علاقة اقتصادية أو تقنية بالصين بوصفها تهديداً أمنياً قد يقسم الاقتصاد العالمي إلى معسكرين، ويرفع تكاليف التجارة والتكنولوجيا على دول لا ترغب في الاختيار بين واشنطن وبكين.
إيران.. الردع أم دوامة التصعيد؟
يمثل الملف الإيراني أحد أبرز المجالات التي يظهر فيها ميل روبيو إلى استخدام القوة والعقوبات بوصفهما أداتين أساسيتين.
فهو ينظر إلى إيران باعتبارها تهديداً للمصالح الأمريكية وحلفائها، ويرفض التسويات التي تمنح طهران وقتاً أو موارد من دون إنهاء قدراتها العسكرية والنووية وشبكاتها الإقليمية.
ويقول المدافعون عن هذا النهج إن الدبلوماسية غير المدعومة بالقوة شجعت إيران على توسيع نفوذها، وإن الردع الصارم هو الوسيلة الوحيدة لمنعها من امتلاك سلاح نووي أو تهديد الملاحة وحلفاء واشنطن.
لكن التجربة تظهر أيضاً أن الضغط غير المحدود قد يدفع الخصم إلى تسريع برامجه العسكرية وإغلاق قنوات التفاوض. وعندما يصبح تغيير النظام أو الإخضاع الكامل هدفاً معلناً أو ضمنياً، تتضاءل فرص الوصول إلى تسوية يمكن للطرف الآخر قبولها.
كما أن الحرب مع إيران لا تبقى محصورة داخل حدودها؛ فهي تهدد الملاحة والطاقة ودول الخليج والعراق ولبنان واليمن، وترفع أسعار النفط والغذاء والنقل في أنحاء العالم.
وفي هذا الملف، لا تتمثل خطورة روبيو في لغة ترامب النارية، بل في قدرته على بناء تحالف وعقوبات وأهداف سياسية تجعل التراجع عن التصعيد أكثر صعوبة.
روسيا وأوكرانيا.. بين المواقف القديمة وضرورات الولاء
كان روبيو يُعرف تاريخياً بموقفه المتشدد تجاه روسيا، ودعمه لحلف الأطلسي وأوكرانيا، وتحذيره من طموحات موسكو.
لكن عمله داخل إدارة ترامب وضعه أمام معادلة مختلفة، إذ يميل الرئيس إلى التشكيك في استمرار الدعم غير المحدود لأوكرانيا، ويطالب الأوروبيين بتحمل العبء الأكبر.
يرى منتقدو روبيو أنه خفف مواقفه السابقة وتكيف مع رؤية ترامب، بدلاً من الدفاع عن المبادئ التي كان يعلنها في مجلس الشيوخ.
أما أنصاره فيقولون إن تغير موقفه لا يعكس انتهازية بالضرورة، بل انتقالاً من موقع المشرّع إلى موقع المسؤول التنفيذي الذي يتعامل مع كلفة حرب طويلة واحتمالات التصعيد النووي.
ويظل السؤال هنا: هل يسعى روبيو إلى تسوية تحفظ استقلال أوكرانيا وتمنع حرباً أوسع، أم يساهم في فرض اتفاق يكرس مكاسب القوة ويشجع دولاً أخرى على تغيير الحدود بالسلاح؟
الإجابة ستحدد ما إذا كان يُنظر إليه باعتباره رجل ردع واقعي أم مهندس تراجع أمريكي مغطى بلغة القوة.
غزة والقانون الدولي
تتعرض إدارة ترامب وروبيو لانتقادات واسعة بسبب سياستها تجاه الحرب في غزة، ودعمها إسرائيل، وتعاملها مع المؤسسات الدولية التي تلاحق انتهاكات حقوق الإنسان وجرائم الحرب.
وقد صعّد روبيو موقفه من المحكمة الجنائية الدولية، معتبراً أنها تشكل تهديداً للسيادة الأمريكية ولحلفاء واشنطن، وداعياً إلى مواجهة سلطتها وضغوطها.
ومن منظور الإدارة الأمريكية، لا يجوز لمحكمة لم تنضم إليها الولايات المتحدة أن تحاكم مسؤولين أمريكيين، كما ترى واشنطن أن المحكمة تُستخدم سياسياً ضد إسرائيل.
لكن منتقدي هذا الموقف يقولون إن مهاجمة المحكمة ومعاقبة مسؤوليها تقوض مبدأ المساءلة الدولية، وترسل رسالة بأن الدول القوية وحلفاءها يحق لهم الإفلات من المحاسبة.
وفي يوليو 2026، تحدث روبيو عن حملة لمواجهة المحكمة وتقليص قدرتها، ما أثار تحذيرات من أن السياسة الأمريكية لم تعد تكتفي برفض اختصاصها، بل تسعى إلى إضعاف المؤسسة نفسها.
ويكشف هذا الملف الفارق بين ترامب وروبيو: الأول يعبّر عن رفضه للمؤسسات الدولية بلغة مباشرة، بينما يمتلك الثاني الأدوات القانونية والدبلوماسية والاقتصادية اللازمة لتحويل الرفض إلى حملة منظمة.
أمريكا اللاتينية وإرث المنفى الكوبي
تلعب الخلفية العائلية والسياسية لروبيو دوراً أساسياً في نظرته إلى كوبا وفنزويلا والحكومات اليسارية في أمريكا اللاتينية.
فهو ابن مهاجرين كوبيين، ونشأ سياسياً في فلوريدا وسط مجتمع يحمل عداءً عميقاً للنظام الكوبي. وقد جعل إسقاط الأنظمة المعادية لواشنطن أو عزلها هدفاً ثابتاً في مسيرته.
ويرى مؤيدوه أنه يقف إلى جانب الشعوب التي تعاني من الاستبداد، وأن التساهل مع حكومات كوبا وفنزويلا لم يحقق الديمقراطية أو يحسن أوضاع السكان.
لكن منتقديه يرون أن هذا الموقف قد يعيد الولايات المتحدة إلى تاريخ التدخل وتغيير الأنظمة وفرض الحكومات الموالية، وهي سياسات خلفت انقلابات وحروباً وأزمات ثقة عميقة في القارة.
كما أن استخدام القوة أو العقوبات الشاملة قد يفاقم معاناة السكان ويدفع مزيداً من المهاجرين نحو الولايات المتحدة، بدلاً من تحقيق التحول السياسي المنشود.
حجة «السلام من خلال القوة»
لا يرى أنصار روبيو أنه يمثل تهديداً للعالم، بل يعتبرونه وزيراً يعيد للسياسة الخارجية الأمريكية وضوحها بعد سنوات من التردد.
ويقوم دفاعهم عنه على مبدأ «السلام من خلال القوة»: الخصوم لا يتراجعون أمام البيانات الدبلوماسية، وإنما عندما يدركون أن تكلفة العدوان ستكون أعلى من مكاسبه.
وبحسب هذه الرؤية، فإن تشديد الموقف تجاه الصين وإيران وروسيا والأنظمة المعادية في أمريكا اللاتينية لا يستهدف إشعال الحروب، بل منعها عبر الردع.
كما يقول المؤيدون إن روبيو، بخلاف ترامب، يفهم المؤسسات والتحالفات، ويستطيع طمأنة الشركاء وإصلاح ما تفسده تصريحات الرئيس.
ويشيرون إلى أنه أكثر قابلية للتنبؤ، وأقل ميلاً إلى القرارات العاطفية، وأكثر إدراكاً لقيمة أجهزة الاستخبارات والدبلوماسية والكونغرس.
ومن هذه الزاوية، لا يكون روبيو نسخة من ترامب، بل صماماً يخفف اندفاعه ويحوّل الشعارات إلى خيارات واقعية.
هل المؤسسات تضبط روبيو أم تمنحه القوة؟
السؤال الحاسم هو ما إذا كان التزام روبيو بالمؤسسات يجعله أكثر اعتدالاً أم أكثر قدرة على تنفيذ سياسات متشددة.
فالعمل المؤسسي ليس معتدلاً بطبيعته. يمكن للمؤسسات أن تضع قيوداً على القرار وتحمي القانون، لكنها تستطيع أيضاً تنظيم العقوبات والحروب والضغوط بكفاءة أكبر.
إذا استخدم روبيو خبرته لفتح قنوات التفاوض ومنع القرارات المتسرعة، فسيكون وجوده عامل استقرار. أما إذا استخدمها لإضفاء الشرعية على كل اندفاع رئاسي وتحويله إلى سياسة دائمة، فإن احترافيته تصبح جزءاً من المشكلة.
وهنا يتركز نقد تسدال: روبيو يملك القدرة على الاعتراض أو التعديل أو الدفع نحو الدبلوماسية، لكنه يختار في كثير من الملفات الولاء والتكيف.
ومع ذلك، يصعب من الخارج معرفة حجم الخلافات التي تقع داخل الإدارة، لأن الوزراء قد يمنعون قرارات خطرة من دون إعلان ذلك، كما قد يضطرون إلى الدفاع علناً عن سياسات لم يقترحوها.
القومية الأمريكية أبعد من الرجلين
المشكلة الأوسع لا تتعلق بترامب أو روبيو وحدهما، بل بتحول داخل الولايات المتحدة نحو قومية ترى أن النظام الدولي قيد على القوة الأمريكية أكثر من كونه أداة لحمايتها.
هذا التيار يشكك في التجارة الحرة، ويطالب الحلفاء بدفع تكلفة الحماية، ويرفض منح المؤسسات الدولية سلطة على القرار الأمريكي، ويعيد تعريف العلاقات الخارجية وفق المصالح المباشرة وموازين القوة.
وقد يستمر هذا الاتجاه بعد خروج ترامب من البيت الأبيض، لأن جذوره موجودة داخل الحزب الجمهوري وقطاعات من الرأي العام والمؤسسات الفكرية.
وبهذا المعنى، يمثل روبيو تطوراً أكثر أهمية من ترامب نفسه: انتقال «أمريكا أولاً» من حركة مرتبطة بشخص الرئيس إلى مدرسة سياسية يمكن أن يقودها سياسيون أصغر سناً وأكثر خبرة وتنظيماً.
وإذا أصبح هذا الاتجاه سياسة دائمة، فلن يكون العالم أمام مرحلة عابرة تنتهي بانتهاء ولاية ترامب، بل أمام إعادة صياغة طويلة الأمد لدور الولايات المتحدة.
هل روبيو أخطر من ترامب؟
لا توجد إجابة واحدة، لأن نوع الخطر مختلف.
ترامب أخطر من حيث امتلاكه القرار النهائي، وعدم قابليته للتنبؤ، واستعداده لكسر القواعد واتخاذ مواقف مفاجئة بناءً على حساباته الشخصية.
أما روبيو فقد يكون أخطر من حيث القدرة على تحويل هذا الاندفاع إلى عقيدة مؤسسية، وربطه بأجهزة الدولة، ومنحه لغة محافظة تبدو أكثر اتزاناً وقابلية للدفاع عنها.
ترامب يستطيع إشعال أزمة بعبارة؛ وروبيو يستطيع بناء سياسة تجعل الأزمة مستمرة.
لكن مساواة الرجلين بالكامل تتجاهل الفارق في السلطة والدور. الرئيس هو الذي يحدد الاتجاه ويملك الكلمة الأخيرة، بينما يبقى الوزير، مهما اتسع نفوذه، تابعاً للسلطة الرئاسية وقابلاً للعزل.
كما أن تاريخ روبيو السياسي يظهر إيماناً أكبر بالتحالفات والمؤسسات مقارنة بترامب، وإن كان منتقدوه يرون أنه يتخلى عن هذا الإرث كلما تعارض مع الولاء للرئيس.
الخطر في الشراكة لا في المقارنة
ربما يكون السؤال الأدق ليس: أيهما أخطر على العالم؟ بل: ماذا يحدث عندما تجتمع اندفاعات ترامب مع خبرة روبيو المؤسسية؟
في هذه الشراكة، يوفر الرئيس الإرادة السياسية والقدرة على كسر المحظورات، بينما يوفر الوزير الجهاز الدبلوماسي والأمني القادر على تحويل الإرادة إلى قرارات.
وقد يكون روبيو قادراً على تخفيف بعض سياسات ترامب، لكنه قد يمنح سياسات أخرى قوة واستمرارية ما كانت لتحصل عليه لو بقيت مجرد تصريحات رئاسية متقلبة.
لذلك لا ينبغي النظر إليه باعتباره موظفاً محايداً أو مجرد منفذ. إنه شريك سياسي يتحمل مسؤولية القرارات التي يدافع عنها وينظم تنفيذها.
وفي النهاية، لا يتوقف تقييم ماركو روبيو على صوته الهادئ أو خبرته أو اختلاف أسلوبه عن ترامب، بل على النتائج: هل يستخدم نفوذه لخفض الحروب وحماية التحالفات وفتح مسارات التفاوض، أم لتحويل القومية الأمريكية الصدامية إلى نظام دائم للسياسة الخارجية؟
إذا اختار الطريق الثاني، فقد لا يكون نسخة أخرى من ترامب، لكنه سيكون الشخص الذي يجعل «الترامبية» قادرة على الاستمرار بعد ترامب، وربما تكمن في ذلك خطورته الحقيقية.
لقطة AI… عين ترصد الحدث. وعقل يقرأ المشهد.
التعليقات
0 تعليقات