محررو لقطة AI – 13
17 أغسطس 2026
بدأ الأمر بطلبات شراء بدت غريبة حتى بمقاييس سوق الكتب المستعملة: آلاف العناوين تُطلب دفعة واحدة، لا يجمعها موضوع أو مؤلف أو حقبة تاريخية محددة، ويدفع المشترون أسعارها كاملة من دون مفاوضات، ثم تُرسل إلى مستودعات وشركات شحن لا تكشف هوية العميل النهائي.
تكررت الظاهرة في بريطانيا وأيرلندا وألمانيا وهولندا وأستراليا والولايات المتحدة ونيوزيلندا، وأبلغ بائعون عن ارتفاع مفاجئ في الطلب على كتب ظلت سنوات على الرفوف من دون أن يهتم بها أحد.
وشملت الطلبات مؤلفات أكاديمية متخصصة، وكتباً بلغات مختلفة، وأدلة سياحية وتقنية قديمة، وسيراً رياضية غير معروفة، ودراسات إقليمية، وكتباً نفدت طبعاتها أو لم تُرقمن من قبل.
وبينما لم تُكشف هوية جميع المشترين، تتزايد الشبهات بأن جزءاً من هذه الموجة مرتبط بشركات الذكاء الاصطناعي أو الوسطاء الذين يجمعون لها البيانات، في سباق للحصول على نصوص بشرية أصلية لم تلوثها الكتابة الآلية التي أصبحت تغمر الإنترنت.
طلبات بلا منطق تقليدي
اعتاد بائعو الكتب المستعملة تلقي طلبات من جامعين يبحثون عن طبعات محددة، أو باحثين يريدون مؤلفات في تخصص معين، أو مكتبات تشتري مجموعات متكاملة.
لكن الطلبات الجديدة لا تتبع هذا المنطق. فقد تضم شحنة واحدة كتاباً عن الزراعة في القرن الثامن عشر، وسيرة لسائق سباقات، ودليلاً لاستخدام برنامج كمبيوتر من التسعينيات، ودراسة في الهندسة الجيوتقنية، وكتاباً عن تاريخ مدينة صغيرة.
وهذه العشوائية الظاهرية هي أحد الأسباب التي دفعت البائعين إلى الشك في أن المشتري لا يبحث عن الكتب بوصفها قطعاً ثقافية، وإنما عن النصوص الموجودة داخلها.
وتحدث بائعون في بريطانيا وأيرلندا عن طلبيات كبيرة تأتي من الولايات المتحدة وكندا وأوروبا، ويستخدم بعضها أسماء تجارية أو عناوين مستودعات وسيطة، مع استعداد المشتري لدفع تكلفة الشحن حتى عندما تتجاوز قيمة الكتاب.
وأوردت «الغارديان» أن بائعي كتب في بريطانيا وأيرلندا لاحظوا نمطاً من الطلبيات الغامضة التي لا يجمع عناوينها رابط موضوعي، وسط اعتقاد بأن شركات تقنية قد تقف خلفها. لكن الصحيفة أكدت أن الوجهة النهائية لكثير من الشحنات لم تُعرف بصورة قاطعة. تقرير الغارديان
ما الذي نعرفه وما الذي يبقى مجرد اشتباه؟
هناك حقيقتان ينبغي الفصل بينهما.
الأولى أن شركة ذكاء اصطناعي كبرى واحدة على الأقل اشترت بالفعل ملايين الكتب الورقية، وقطعت أغلفتها، ومسحت صفحاتها ضوئياً، ثم أتلفت النسخ الأصلية بعد تحويلها إلى مكتبة رقمية استخدمتها في تطوير نماذجها.
وهذه الشركة هي «أنثروبيك»، المطورة لنموذج «كلود»، وقد ظهرت تفاصيل المشروع في وثائق قضائية أمريكية.
أما الحقيقة الثانية فهي وجود موجة حالية من المشتريات الضخمة في سوق الكتب القديمة بعدة دول.
لكن لا يوجد حتى الآن دليل علني يثبت أن كل هذه الطلبات، أو حتى معظمها، صادرة عن شركات الذكاء الاصطناعي. وقد تكون بعض الكتب متجهة إلى تجار يعيدون توزيعها أو منصات بيع أو مشروعات أرشفة أخرى.
كما نفت شركات ووسطاء وردت أسماؤهم في التقارير علاقتهم بمسح الكتب أو إتلافها. ولذلك فإن القول إن «شركات الذكاء الاصطناعي تشتري كل الكتب المستعملة حول العالم» يتجاوز الأدلة المتاحة.
الأدق أن هناك ممارسة موثقة لدى شركة واحدة على الأقل، وموجة شراء غامضة تشبه تلك الممارسة وتثير شكوكا قوية، لكن هوية جميع المشترين واستخداماتهم النهائية لم تُحسم بعد.
لماذا تريد الشركات كتباً مطبوعة؟
تُدرَّب النماذج اللغوية الكبيرة على كميات هائلة من النصوص حتى تتعلم الأنماط والعلاقات بين الكلمات والمعلومات وأساليب الكتابة.
وكان الإنترنت المصدر الأسهل لهذه البيانات، لأنه يضم مواقع وموسوعات ومقالات ومنتديات ووثائق يمكن جمعها آلياً.
لكن نجاح أدوات الذكاء الاصطناعي التوليدي خلق مشكلة جديدة: جزء متزايد من النص المنشور على الإنترنت أصبح منتجاً بواسطة النماذج نفسها.
وقد تدخل المقالات الآلية والصفحات المكررة والمراجعات المزيفة والمحتوى منخفض الجودة في مجموعات البيانات الجديدة، فتتدرب النماذج على مخرجات نماذج سابقة بدلاً من المعرفة البشرية الأصلية.
ويخشى الباحثون من أن يؤدي الإفراط في تدريب النماذج على محتوى اصطناعي إلى تدهور الجودة، وفقدان التنوع، وتكرار الأخطاء، وتضييق نطاق اللغة والمعرفة، وهي ظاهرة توصف أحياناً بـ«انهيار النموذج».
الكتب السابقة لعصر ChatGPT
تتمتع الكتب المطبوعة قبل الانتشار الواسع للذكاء الاصطناعي التوليدي، خصوصاً ما نُشر قبل نهاية 2022، بميزة واضحة: احتمال أن يكون محتواها مولداً بواسطة نموذج لغوي حديث يكاد يكون معدوماً.
فهي تمثل نصوصاً بشرية تعود إلى ما يمكن وصفه بعصر «ما قبل المحتوى الاصطناعي الشامل».
كما أن الكتب تخضع، في العادة، إلى عمليات تأليف وتحرير ومراجعة وفهرسة أكثر كثافة من معظم صفحات الإنترنت. وهي تحتوي على معرفة طويلة ومتخصصة ومترابطة، بدلاً من الشذرات القصيرة والمتكررة المنتشرة على المواقع.
وتضم رفوف المكتبات أيضاً نصوصاً لم تصل إلى الإنترنت قط: تواريخ محلية، وأبحاث أكاديمية قديمة، وأعمال بلغات قليلة التمثيل رقمياً، وأدلة تقنية، ومذكرات، ودراسات مهنية شديدة التخصص.
ولهذا وصفت شركة متخصصة في بيانات الكتب النصوص المطبوعة بأنها واحدة من أفضل مصادر التدريب، لأنها «بشرية» ومنظمة وغنية بالمعلومات. لكنها أقرت أيضاً بأن فكرة تدمير الكتب لتدريب الذكاء الاصطناعي تخلق مشكلة كبيرة في الصورة العامة للشركات.
لماذا لا تستخدم النسخ الإلكترونية؟
يمكن الوصول إلى ملايين الكتب في صورة رقمية، لكن هذه الطريق تواجه مشكلات تتعلق بالتراخيص وحقوق النشر ومصدر الملفات.
فبعض الكتب غير متاح إلكترونياً، وبعضها محمي بأنظمة تمنع النسخ، بينما تحتاج قواعد البيانات التجارية إلى عقود وتراخيص قد تكون مكلفة أو محدودة الاستخدام.
ولجأت شركات تقنية خلال السنوات الماضية إلى مستودعات إلكترونية غير مرخصة للحصول على كتب محمية، ما أدى إلى دعاوى قضائية واسعة من المؤلفين والناشرين.
وبعد تصاعد المخاطر القانونية، أصبح شراء نسخ ورقية من السوق طريقة تبدو أكثر أماناً من تنزيل ملفات مقرصنة، خصوصاً في الولايات المتحدة حيث منحت أحكام قضائية حديثة الشركات مساحة لاستخدام الكتب المشتراة بصورة قانونية في بعض عمليات التدريب.
لكن شراء النسخة المادية لا يمنح تلقائياً جميع حقوق الملكية الفكرية في النص، ولا يجعل رقمنته مشروعة في كل دولة أو لكل غرض.
كيف تتحول الكتب إلى بيانات؟
عند التعامل مع ملايين الكتب، يكون المسح اليدوي صفحة بعد أخرى بطيئاً ومكلفاً، ولذلك تستخدم بعض مشروعات الرقمنة ما يسمى «المسح الإتلافي».
تبدأ العملية بإزالة غلاف الكتاب أو قطع عطفه بواسطة آلة صناعية، فتتحول الصفحات إلى أوراق منفصلة يمكن تمريرها بسرعة داخل ماسحات ضوئية.
بعد تصوير الصفحات، تستخدم برامج التعرف البصري على الحروف لتحويل الصور إلى نصوص قابلة للبحث والمعالجة.
ثم تُنظف النصوص من أخطاء المسح وتُقسّم وتُصنف وتدخل في مجموعات البيانات المستخدمة لتدريب النماذج أو اختبارها.
أما الكتاب الورقي، فلا يمكن إعادته إلى حالته الأصلية بعد إزالة عطفه وفصل صفحاته. وقد ينتهي إلى التدوير أو الإتلاف.
وكشفت وثائق قضائية أن «أنثروبيك» استخدمت آلات قطع هيدروليكية لإزالة أغلفة الكتب التي اشترتها، ثم مسحت الصفحات وحوّلتها إلى مكتبة رقمية داخلية، قبل التخلص من النسخ المادية.
وأفادت تقارير بأن المشروع الذي أُطلق عليه اسم «بنما» شمل ملايين الكتب الجديدة والمستعملة التي جُمعت من تجار وموزعين. واشنطن بوست
هل يسمح «مبدأ البيع الأول» بذلك؟
يُساء استخدام مصطلح «مبدأ البيع الأول» في شرح هذه القضية.
وفق القانون الأمريكي، يسمح المبدأ لمالك النسخة المادية التي اشتراها بصورة قانونية بأن يعيد بيعها أو يعيرها أو يهديها أو يتخلص منها من دون الحصول على إذن جديد من صاحب حقوق النشر.
وهو الأساس القانوني الذي تقوم عليه المكتبات ومتاجر الكتب المستعملة؛ فالمؤلف لا يستطيع منع شخص من بيع النسخة الورقية التي يمتلكها.
لكن المبدأ لا يمنح المشتري تلقائياً حق استنساخ النص أو نشر نسخة رقمية جديدة منه. فالملكية المادية للكتاب تختلف عن حقوق المؤلف في النص.
وفي قضية بارتز ضد أنثروبيك، لم يقل القاضي ببساطة إن شراء الكتاب يتيح نسخه كيفما شاء المشتري. بل درس العملية وفق مبدأ قانوني منفصل هو «الاستخدام العادل».
وقررت المحكمة أن تحويل الكتب الورقية المشتراة قانونياً إلى نسخ رقمية داخل مكتبة الشركة كان استخداماً عادلاً في الظروف المحددة للقضية، خصوصاً لأن الشركة أتلفت الأصل ولم تحتفظ بنسخة ورقية ورقمية متوازيتين، واستخدمت النسخة الرقمية للبحث والتخزين والتدريب بدلاً من بيع نسخ منافسة للكتاب.
كما اعتبرت المحكمة تدريب النماذج على الكتب استخداماً تحويلياً، طالما لم تكن المخرجات تعيد إنتاج الكتب نفسها بصورة تحل محلها. نص الحكم في قضية بارتز ضد أنثروبيك
لكن الحكم أمريكي، ومرتبط بوقائع محددة، ولا يمثل ترخيصاً عالمياً مفتوحاً لرقمنة أي كتاب. وقد تختلف النتيجة في بريطانيا وأوروبا وأستراليا ودول أخرى ذات قوانين واستثناءات مختلفة.
القرصنة لم تصبح قانونية
من المهم كذلك التمييز بين الكتب التي اشترتها «أنثروبيك» والمسح الذي أجرته عليها، وبين ملايين الكتب الرقمية التي حصلت عليها من مكتبات قرصنة.
فالمحكمة اعتبرت استخدام الكتب في التدريب تحويلياً في تلك القضية، لكنها لم تمنح الشركة حصانة عن الطريقة التي حصلت بها على بعض الملفات.
ورأت أن إنشاء مكتبة مركزية دائمة من نسخ مقرصنة لا يصبح مشروعاً لمجرد أن الشركة استخدمتها لاحقاً في تدريب نموذج.
ودفعت هذه النقطة «أنثروبيك» إلى تسوية جماعية بقيمة 1.5 مليار دولار مع مؤلفين بشأن كتب قيل إنها جُمعت من مصادر غير مرخصة، مع الالتزام بالتخلص من الملفات محل النزاع.
وبذلك رسمت القضية فاصلاً مهماً: قد تقبل المحكمة التدريب باعتباره استخداماً عادلاً، لكنها لا تعتبر القرصنة وسيلة مشروعة للحصول على المواد.
هل الكتب المشتراة نادرة فعلاً؟
أثارت عناوين صحفية ومنشورات على وسائل التواصل مخاوف من تدمير «ملايين الكتب النادرة»، لكن الأدلة المتاحة تقدم صورة أكثر تعقيداً.
فكثير من الكتب الواردة في الطلبات الغامضة قديم أو نفد من السوق، لكنه ليس نادراً بالمعنى الذي يستخدمه هواة الجمع والمكتبات التراثية.
قد تكون النسخة قليلة التداول لأنها لم تعد مطلوبة، أو لأن موضوعها قديم، لا لأنها قطعة فريدة أو ذات قيمة تاريخية مرتفعة.
وأفاد بائعون بأن الطلبيات شملت أدلة برامج قديمة وكتباً سياحية ومؤلفات متخصصة من سبعينيات وتسعينيات القرن الماضي، وهي مواد قد توجد منها نسخ متعددة في المخازن والمكتبات.
ومع ذلك، لا يمكن استبعاد وصول بعض الطلبات إلى عناوين قليلة النسخ أو مؤلفات محلية لم تُحفظ رقمياً. فأنظمة الشراء الآلية قد تختار الكتاب بناءً على رقم ISBN أو غيابه من قاعدة البيانات، من دون فهم قيمته المادية أو التاريخية.
كما أن كتاباً لا يساوي مالاً كثيراً في سوق المزادات قد يكون المصدر الوحيد المتبقي لمعرفة محلية أو علمية لا توجد في مكان آخر.
الكتاب أكثر من نص
ينظر مشروع تدريب الذكاء الاصطناعي إلى الكتاب أساساً بوصفه حاوية للكلمات. فإذا تحولت الكلمات إلى ملف رقمي، فقد تبدو النسخة الورقية زائدة عن الحاجة.
لكن الباحثين وأمناء المكتبات وجامعي الكتب يرون أن الكتاب المادي يحمل معلومات لا يمكن لنص مجرد حفظها كاملة.
فالطبعة والتجليد والهوامش والتوقيعات والإهداءات وتصحيحات المؤلف ونوع الورق وتاريخ الملكية كلها عناصر قد تكون ذات قيمة للباحثين.
وقد تحتوي نسخة واحدة على ملاحظات كتبها قارئ أو عالم أو شخصية تاريخية، فتتحول من نسخة تجارية عادية إلى وثيقة فريدة.
كما أن أخطاء التعرف البصري قد تحرف الكلمات والجداول والهوامش، خصوصاً في الكتب القديمة أو المطبوعة بلغات وخطوط غير مألوفة. وإذا أُتلف الأصل، تصبح مراجعة النص الرقمي وتصحيح أخطائه أكثر صعوبة.
فرصة مالية لبائعي الكتب
ليست مواقف البائعين موحدة. فبعضهم يرى في الطلب الجديد فرصة لإنقاذ متجره وتحويل مخزون راكد إلى سيولة.
فالكتب التي لم تجد قارئاً خلال عشر سنوات تستهلك مساحة وتكاليف تخزين، وقد ينتهي بها الأمر إلى التدوير حتى من دون تدخل شركات الذكاء الاصطناعي.
وعندما يصل مشترٍ يطلب مئات النسخ ويدفع السعر وتكلفة الشحن، يصعب على متجر صغير يعاني مالياً رفض الصفقة.
لكن بائعين آخرين يشعرون بأنهم يشاركون في تدمير التراث أو تمكين شركات التقنية من تحويل عمل المؤلفين إلى أصول تجارية من دون تعويضهم.
وبدأ بعضهم التدقيق في هوية المشترين، أو رفض الطلبيات الغامضة، أو استبعاد الكتب النادرة والموقعة وذات القيمة المحلية من المبيعات الجماعية.
وقد يبحث آخرون عن ضمانات مكتوبة بأن الكتب ستعاد إلى التداول أو تُحفظ بعد المسح، رغم صعوبة متابعة مصيرها بعد انتقالها إلى الوسطاء.
سوق قد يتغير بالكامل
إذا استمرت عمليات الشراء على نطاق واسع، فقد ترتفع أسعار بعض الكتب التي كانت رخيصة، أو تختفي عناوين محددة من السوق المستعملة.
كما قد تجد المكتبات والطلاب والباحثون صعوبة في الحصول على نسخ ورقية من أعمال نفدت طبعاتها، خصوصاً إذا كانت الخوارزميات تشتري جميع النسخ المعروضة عبر عدة منصات في وقت واحد.
وفي المقابل، قد تدفع الطلبيات التجار إلى فتح مخازن قديمة وفهرسة كتب كانت مجهولة، ما يزيد العرض مؤقتاً وينقذ بعض المخزون من التلف الطبيعي.
لكن الخطر يظهر عندما تتحول السوق من تداول الكتب بين القراء إلى خط إمداد صناعي ينقلها في اتجاه واحد: من الرف إلى الماسح، ثم إلى آلة التدوير.
من يملك المعرفة بعد المسح؟
حتى إذا لم تكن الكتب نادرة، يطرح تحويلها إلى بيانات سؤالاً يتعلق بالسيطرة على المعرفة.
فالكتاب الورقي يمكن شراؤه أو إعارته أو قراءته داخل مكتبة عامة، بينما تُجمع النصوص الممسوحة داخل مستودعات خاصة لا يستطيع الجمهور الوصول إليها.
تستخدم الشركة المعرفة الجماعية لتدريب نموذج تجاري، ثم تبيع الوصول إلى النموذج مقابل اشتراك أو عبر خدمات الحوسبة.
وفي هذه العملية قد تختفي أسماء المؤلفين والمحررين والمترجمين والمراجع الأصلية داخل مليارات العلاقات الرقمية، بينما يظهر الجواب النهائي باسم المنتج التقني.
ولا يستطيع المستخدم دائماً معرفة الكتاب الذي جاءت منه المعلومة، أو التحقق من السياق، أو الرجوع إلى الصفحة الأصلية.
وهذا ما يجعل القضية أوسع من تدمير الورق؛ إنها تتعلق بتحويل المعرفة المنشورة إلى مادة خام مملوكة لعدد محدود من الشركات.
كيف يمكن حماية الكتب؟
لا يتطلب الحل منع الرقمنة أو الذكاء الاصطناعي من الاستفادة من الكتب، بل إنشاء قواعد تحمي النسخ المهمة وحقوق أصحاب المحتوى.
ومن الخيارات المطروحة:
- فحص الكتب قبل المسح لاستبعاد الطبعات النادرة والفريدة.
- الاحتفاظ بنسخة مادية واحدة على الأقل في مكتبة عامة.
- استخدام المسح غير الإتلافي للكتب ذات القيمة.
- إنشاء سجل شفاف بالعناوين التي تُرقمن.
- ترخيص المحتوى من المؤلفين والناشرين.
- دفع تعويضات مقابل استخدام الكتب في التدريب.
- تمكين أصحاب الحقوق من معرفة ما إذا استُخدمت أعمالهم.
- إتاحة نسخ رقمية للبحث العام بدلاً من حصرها داخل الشركات.
- وضع قواعد منفصلة للكتب التراثية والمحلية والنادرة.
- منع شراء مواد المكتبات العامة المخصصة للحفظ الدائم.
كما يمكن لبائعي الكتب وضع تصنيفات تحذيرية للعناوين التي يعتقدون أن عدد نسخها محدود، والتشاور مع المكتبات قبل بيع مجموعات كاملة إلى مشترين مجهولين.
مفارقة عصر الذكاء الاصطناعي
أنتج الذكاء الاصطناعي كميات هائلة من النصوص بسرعة غير مسبوقة، لكنه جعل الشركات نفسها أكثر تعطشاً إلى الكلمات التي كتبها البشر قبل ظهوره.
فكلما امتلأ الإنترنت بالمحتوى الاصطناعي، ارتفعت قيمة الكتاب القديم الذي لم تلمسه الخوارزميات.
والمفارقة أن الشركات قد تضطر إلى تدمير النسخة المادية من المعرفة البشرية حتى تتمكن الآلة من تقليدها رقمياً.
لكن صورة «مجزرة عالمية للكتب النادرة» تحتاج إلى قدر من الحذر. فممارسة المسح الإتلافي موثقة، والمشتريات الغامضة حقيقية، غير أن مصير جميع الكتب وهوية كل المشترين لم يُكشفا بعد.
ومع ذلك، تكفي الوقائع المعروفة لفتح نقاش عاجل: هل يجوز التضحية بملايين النسخ من أجل بناء نماذج تجارية؟ ومن يقرر أن كتاباً ما بلا قيمة؟ وهل شراء الورق يعني امتلاك المعرفة التي يحملها؟
كانت الكتب المستعملة تُنقل عادة من قارئ إلى آخر. أما الآن، فقد تصبح محطتها الأخيرة مركز بيانات، حيث تبقى كلماتها داخل نموذج ذكاء اصطناعي، بينما تختفي صفحاتها من العالم.
لقطة AI… عين ترصد الحدث. وعقل يقرأ المشهد.
التعليقات
0 تعليقات