محررو لقطة AI
٢٥ أغسطس 2026
فتحت الغرفة القومية للمستوردين في السودان جبهة جديدة في الجدل حول السياسات الاقتصادية الحكومية، بعدما حمّلت قرار حظر استيراد عشرات السلع جانبًا من مسؤولية التدهور الكبير الذي أصاب سعر صرف الجنيه خلال الأشهر الأربعة الماضية، مطالبة بإلغاء القرار والعودة إلى سياسة تقوم على تنظيم الاستيراد بدل منعه.
وقالت الغرفة إن سعر الدولار كان يدور حول مستوى 4 آلاف جنيه عند صدور قرار الحظر في أبريل الماضي، قبل أن يصل حاليًا إلى نحو 6100 جنيه في السوق، وهو ما يعني ارتفاع سعر الدولار بالجنيه بنحو 52.5% خلال فترة تقل عن أربعة أشهر.
وترى الغرفة أن هذه الأرقام تمثل، من وجهة نظرها، دليلًا على أن الحظر لم يحقق الهدف الأساسي الذي أعلنت الحكومة أنه تسعى إليه، والمتمثل في تخفيف الطلب على النقد الأجنبي ودعم استقرار سعر الصرف.
وكان مجلس الوزراء قد أصدر في أبريل قرارًا بحظر استيراد مجموعة واسعة من السلع المصنفة باعتبارها كمالية أو غير ضرورية، ضمن حزمة إجراءات هدفت إلى ترشيد استخدام النقد الأجنبي وتقليص فاتورة الواردات.
وشملت القائمة منتجات غذائية واستهلاكية وسلعًا مختلفة، من بينها بعض منتجات الألبان واللحوم المصنعة والحلويات والبسكويت والمشروبات والأكياس البلاستيكية ومنتجات أخرى.
وأثار القرار منذ صدوره خلافًا بين الحكومة وقطاع المستوردين، إذ رأت السلطات أن تقليص الواردات غير الضرورية يمكن أن يخفف الطلب على الدولار ويوفر العملات الأجنبية لاستيراد السلع الأساسية والوقود والأدوية ومدخلات الإنتاج.
لكن غرفة المستوردين تمسكت منذ البداية بموقف معاكس، معتبرة أن المشكلة الحقيقية في سوق الصرف لا تكمن في استيراد هذه السلع وحده، وإنما في اختلالات أعمق تشمل المضاربة على العملات الأجنبية وتراجع الصادرات واتساع الاقتصاد غير الرسمي وارتفاع تكلفة الواردات الأساسية.
هل فشل الحظر في حماية الجنيه؟
تضع الغرفة الآن حركة سعر الصرف في قلب حجتها.
فوفقًا للأرقام التي أوردتها، لم ينخفض الطلب على الدولار بعد الحظر بالصورة التي كانت الحكومة تستهدفها، بل واصل سعر العملة الأميركية صعوده من نحو أربعة آلاف جنيه إلى أكثر من ستة آلاف.
وترى الغرفة أن هذه النتيجة تكشف أن حظر مجموعة محدودة من السلع لا يستطيع وحده معالجة أزمة عملة مرتبطة بحرب ممتدة منذ أكثر من ثلاث سنوات، وتراجع الإنتاج والإيرادات العامة والصادرات، إلى جانب ارتفاع الطلب على العملات الأجنبية لتغطية الاحتياجات الأساسية.
لكن الربط المباشر بين الحظر وحده وتراجع الجنيه يحتاج إلى قدر من الحذر.
فالاقتصاد السوداني تعرض خلال الفترة نفسها لعوامل عديدة دفعت في اتجاه الضغط على العملة، من بينها ارتفاع تكاليف الطاقة والنقل، وتراجع النشاط الإنتاجي في مناطق الحرب، والطلب المتزايد على النقد الأجنبي، إضافة إلى اضطرابات التجارة الإقليمية والدولية.
ولهذا فإن موقف غرفة المستوردين يمثل تقييمًا لسياسة الحكومة من جانب أصحاب الأعمال، وليس إثباتًا اقتصاديًا بأن الحظر هو السبب الوحيد وراء تراجع العملة.
البضائع لم تختف.. لكنها غيرت الطريق
وتطرح الغرفة حجة ثانية ترى أنها أكثر خطورة من سعر الصرف نفسه.
فبحسب بيانها، لم يؤد حظر السلع إلى اختفائها من الأسواق، وإنما دفع جزءًا من تجارتها إلى قنوات غير رسمية مثل التهريب والاستيراد الشخصي وطرق أخرى لا تمر عبر النظام التجاري والجمركي المعتاد.
وترى الغرفة أن المستهلك سيظل يبحث عن السلعة طالما أن هناك طلبًا عليها، وبالتالي فإن منع المستورد الرسمي من إدخالها لا يعني بالضرورة توقف دخولها إلى البلاد.
والنتيجة، وفقًا لهذا المنطق، أن السلعة قد تدخل من دون رسوم جمركية أو ضرائب ومن دون الخضوع الكامل لإجراءات المواصفات والجودة.
وهنا تتحول المسألة من محاولة لتوفير النقد الأجنبي إلى مشكلة أوسع تتعلق بفقدان الدولة الإيرادات واتساع السوق غير الرسمية.
الخزانة تفقد إيراداتها
وكانت غرفة المستوردين قد حذرت في وقت سابق من أن السلع المشمولة بالحظر، رغم أنها تمثل بحسب تقديراتها نسبة محدودة من إجمالي قيمة الواردات، توفر نسبة كبيرة من الرسوم الجمركية والضريبية المحصلة في الموانئ والمنافذ.
وبحسب أرقام سبق أن طرحتها الغرفة، تمثل تلك السلع نحو 11% من واردات السودان، لكنها تسهم بأكثر من 38% من الإيرادات الجمركية والضريبية المرتبطة بالواردات.
إذا صحت هذه التقديرات، فإن حظر الاستيراد لا يؤثر فقط في التجار والأسعار، وإنما يمكن أن يؤدي أيضًا إلى انخفاض موارد الدولة في وقت تعاني فيه الموازنة أصلًا من ضغوط كبيرة بسبب الحرب وتراجع النشاط الاقتصادي.
كما أن انتقال التجارة من المنافذ الرسمية إلى التهريب يعني أن الدولة قد تخسر مرتين: مرة بانخفاض الرسوم، ومرة أخرى بتحمل تكاليف مكافحة التجارة غير القانونية.
المستهلك بين الحظر والاحتكار
وتحذر الغرفة كذلك من أن تقليل عدد المستوردين والسلع المتاحة في السوق قد يؤدي إلى ضعف المنافسة.
فعندما ينخفض المعروض بينما يبقى الطلب قائمًا، يمكن أن ترتفع الأسعار حتى من دون حدوث تغير إضافي في سعر الدولار.
كما قد تسمح الندرة لبعض التجار الذين يحتفظون بمخزون سابق بتحقيق هوامش أرباح أكبر، وهو ما يضع المستهلك في مواجهة أسعار أعلى بدل أن يستفيد من سياسة ترشيد الاستيراد.
وكانت الغرفة قد حذرت منذ يونيو من أن الحظر يمكن أن يؤدي إلى ظهور أوضاع احتكارية وخروج مستوردين رسميين من السوق واتساع التجارة غير المنظمة.
أزمة «العفش الشخصي»
ومن بين الملفات التي أعادت الجدل إلى الواجهة ما أعلنته وزارة الصناعة والتجارة بشأن دخول بعض السلع إلى البلاد عبر الاستيراد الشخصي من دون استيفاء الضوابط التجارية والمواصفات المطلوبة.
وترى غرفة المستوردين أن ظهور هذه الظاهرة لا يمثل دليلًا على ضرورة فرض مزيد من القيود، وإنما يؤكد — بحسب موقفها — أن القيود الحالية دفعت التجارة إلى البحث عن طرق بديلة.
وطالبت بأن تتم معالجة المشكلة بفتح مسارات الاستيراد التجاري الرسمي وتبسيط الإجراءات وإخضاع السلع للمواصفات والرقابة، بدل إضافة مزيد من الحظر.
مفارقة مع قرار بنك السودان
ويكتسب موقف غرفة المستوردين أهمية إضافية لأنه يأتي في اليوم نفسه الذي أعلن فيه بنك السودان المركزي توسيع مرونة المصارف في تحديد أسعار الصرف وشراء حصائل الصادرات وفق أسعارها المعلنة وحركة العرض والطلب.
وتكشف الخطوتان عن اتجاهين اقتصاديين مختلفين في التعامل مع الأزمة.
فبينما تعتمد سياسة حظر السلع على تقليص الطلب على النقد الأجنبي إداريًا عبر منع بعض الواردات، تتجه السياسة النقدية الجديدة إلى منح السوق والمصارف مرونة أكبر في تحديد سعر الدولار وجذب موارد النقد الأجنبي إلى القنوات الرسمية.
وهذه المفارقة تفتح سؤالًا أكبر بشأن الاتجاه الذي ستختاره الحكومة خلال المرحلة المقبلة: مزيد من القيود على حركة التجارة، أم تحرير أوسع للسوق مع تشديد الرقابة؟
المستوردون يطالبون بإلغاء الحظر
وطالبت الغرفة بإلغاء قرار حظر السلع والانتقال إلى سياسات تقوم على التنظيم والتسهيل والرقابة.
وترى أن الاستيراد الرسمي ليس في حد ذاته عدوًا للإنتاج الوطني، وأن المشكلة تكمن في طريقة إدارة التجارة الخارجية وتحديد الأولويات.
كما جددت مطالبتها بفصل ملف التجارة الخارجية عن وزارة الصناعة وإنشاء وزارة مستقلة تتولى وضع سياسات الاستيراد والتصدير والتجارة الخارجية.
وتقول الغرفة إن فصل المجالين يمكن أن يسمح بوضع استراتيجية أكثر تخصصًا تتعامل مع الصادرات والواردات باعتبارهما جزءًا من منظومة واحدة لسوق النقد الأجنبي.
52.5%.. ماذا يعني الرقم؟
الرقم الذي أعلنته غرفة المستوردين يعكس بصورة مباشرة ارتفاع تكلفة شراء الدولار بالجنيه.
فانتقال سعر العملة الأميركية من أربعة آلاف إلى 6100 جنيه يعني أن المستورد يحتاج اليوم إلى نحو ألفين ومئة جنيه إضافية للحصول على كل دولار مقارنة بالسعر السائد عند صدور قرار الحظر.
وبالنسبة لشركة تحتاج إلى مليون دولار لتمويل عملية استيراد، يصبح الفارق بالجنيه ضخمًا، وينتقل جزء كبير منه في النهاية إلى أسعار السلع.
وهذا هو الجانب الذي يجعل سعر الصرف أكثر من مجرد رقم في سوق العملات؛ فهو يدخل بصورة مباشرة في تكلفة الغذاء والدواء والوقود والنقل وقطع الغيار ومدخلات الصناعة.
الأزمة أعمق من قائمة السلع
لكن المشكلة الأساسية التي تكشفها المواجهة بين الحكومة والمستوردين هي أن أزمة الجنيه أكبر من قرار واحد.
فالحرب أدت إلى تراجع النشاط الاقتصادي وتدمير منشآت إنتاجية وتعطل مناطق زراعية وصناعية وخروج جانب كبير من التجارة عن القنوات الرسمية.
كما أن ضعف الصادرات يقلل كمية الدولارات التي تدخل البلاد، بينما يظل الطلب على العملة مرتفعًا بسبب اعتماد السودان على الاستيراد لتغطية كثير من احتياجاته.
وفي مثل هذه الظروف، تصبح محاولة الدفاع عن الجنيه من خلال حظر مجموعة من السلع وحدها محدودة الأثر ما لم تترافق مع زيادة الصادرات وتحويلات المغتربين واستعادة النشاط الإنتاجي وضبط الإنفاق والتهريب والمضاربة.
الحكومة أمام مراجعة صعبة
ولا يعني ذلك بالضرورة أن سياسة ترشيد الواردات بلا مبررات.
ففي اقتصاد يعاني نقصًا حادًا في النقد الأجنبي، يصبح من الطبيعي إعطاء الأولوية للغذاء والوقود والأدوية ومدخلات الإنتاج على حساب السلع الأقل ضرورة.
لكن السؤال الحقيقي يتعلق بالطريقة.
هل يتم ذلك بالحظر الكامل، أم بالرسوم الجمركية، أم بتحديد أولويات التمويل المصرفي، أم بترك الأسعار نفسها تقلل الطلب على المنتجات الكمالية؟
غرفة المستوردين اختارت إجابتها بوضوح: التنظيم بدل المنع.
أما الحكومة، فإن استمرار تراجع الجنيه وانتشار السلع المحظورة عبر قنوات غير رسمية سيضع سياستها أمام اختبار عملي خلال الفترة المقبلة.
وبينما ينتقل الدولار من أربعة آلاف إلى أكثر من ستة آلاف جنيه، لم تعد القضية خلافًا نظريًا بين المستوردين والسلطات.
إنها أصبحت سؤالًا مباشرًا عن قدرة الدولة على إدارة تجارتها الخارجية وحماية عملتها في اقتصاد حرب تتداخل فيه ندرة الدولار مع التهريب والركود والتضخم وضعف الإنتاج.
والأيام المقبلة ستكشف ما إذا كانت الحكومة ستتمسك بحظر السلع، أم أن قرارات بنك السودان الجديدة ستكون بداية مراجعة أوسع لفلسفة إدارة سوق النقد الأجنبي والتجارة في السودان.
التعليقات
0 تعليقات