محررو لقطة AI
24 أغسطس 2026
غاب جعفر خضر.
خبر قصير في كلماته، ثقيل في معناه على مدينة القضارف وعلى مساحات واسعة من المجتمع المدني السوداني، الذي عرف الرجل حاضرًا في ساحاته لأكثر من ثلاثة عقود؛ معارضًا للاستبداد، ومدافعًا عن الحريات، ومنحازًا إلى الناس الذين لا يجدون في العادة من يقف إلى جانبهم.
رحل الناشط السياسي والمجتمعي السوداني جعفر خضر، الأحد، في مدينة القضارف شرقي السودان بعد علة مرضية، تاركًا وراءه سيرة يصعب اختصارها في انتماء سياسي أو موقف واحد أو مرحلة من مراحل التاريخ السوداني الحديث.
فالرجل الذي عاصر سنوات طويلة من حكم الرئيس السابق عمر البشير، ثم ثورة ديسمبر 2018، وسقوط النظام، والفترة الانتقالية، وانقلاب 25 أكتوبر 2021، وصولًا إلى الحرب التي اندلعت في أبريل 2023، ظل في معظم تلك التحولات يحتفظ بموقعه الذي اختاره منذ البداية: قريبًا من الناس، ومشتبكًا مع قضايا الحرية والعدالة والحقوق.
لم يكن جعفر خضر من السياسيين الذين تقاس أدوارهم بعدد المناصب التي شغلوها.
في الحقيقة، كانت أهميته في شيء آخر تمامًا.
كان واحدًا من أولئك الذين يصنعون المجال العام من خارجه؛ في المنتديات، والشارع، والمواكب، والنقاشات، والمبادرات المدنية، والدفاع عن أشخاص قد لا تصل أصواتهم إلى غرف السياسة.
ولهذا جاء رحيله مختلفًا.
فلم تنعه مؤسسة سياسية واحدة أو مجموعة بعينها، بل امتدت كلمات الوداع بين ناشطين وباحثين ورفاق في العمل المدني وشباب في لجان المقاومة ومدافعين عن حقوق الإنسان وأشخاص عرفوه في مدينة القضارف وحركات الاحتجاج السودانية.
ونعت لجان مقاومة القضارف الراحل، معتبرة أن فقده يتجاوز أسرته ورفاقه إلى المدينة والسودان، ومستذكرة حضوره المستمر في قضايا الحرية والكرامة والعدالة. (الجزيرة نت)
من الجامعة بدأت الحكاية
تعود جذور تجربة جعفر خضر السياسية والمدنية إلى سنوات مبكرة من حياته الجامعية.
ارتبط اسمه بـحركة الطلاب المحايدين في جامعة الخرطوم، وهي تجربة قامت على فكرة الاستقلال عن التنظيمات الحزبية التقليدية مع الانحياز إلى الديمقراطية وقضايا المجتمع.
وكانت تلك المرحلة بداية مسار طويل اختار فيه جعفر ألا يضع نفسه بسهولة داخل القوالب السياسية الجاهزة.
فالاستقلال بالنسبة إليه لم يكن حيادًا عن قضايا البلاد، وإنما محاولة للاحتفاظ بمساحة نقدية تجاه الأحزاب والسلطات في الوقت نفسه.
ومن الجامعة انتقل اهتمامه إلى العمل الثقافي والمدني، وصولًا إلى مدينة القضارف التي أصبحت المكان الأكثر ارتباطًا باسمه ونشاطه.
وفي المدينة التي كانت مساحات العمل العام فيها تضيق خلال سنوات حكم الإنقاذ، كان جعفر خضر من مؤسسي منتدى شروق الثقافي، الذي تحول إلى مساحة للحوار والفكر والنقاش العام.
ولم يكن إنشاء منتدى ثقافي في ذلك الزمن عملًا منفصلًا عن السياسة.
ففي ظل القيود المفروضة على النشاط العام، كانت المنتديات الثقافية نفسها تتحول إلى متنفس للأصوات المختلفة، ومكان يلتقي فيه الشباب والمثقفون والمهتمون بالشأن العام بعيدًا عن المؤسسات الرسمية.
ودفع جعفر ثمن هذا النشاط.
تعرض للاستدعاء والاعتقال والتوقيف أكثر من مرة بسبب مواقفه ونشاطه السياسي والمجتمعي، لكن ذلك لم يدفعه إلى الانسحاب من المجال العام. (Sudan Independent)
القضارف لم تكن مجرد مدينة
بالنسبة إلى جعفر خضر، لم تكن السياسة شأنًا يقتصر على السلطة في الخرطوم.
كانت تبدأ أحيانًا من السوق، أو من امرأة تبيع الشاي على جانب الطريق، أو مواطن يحاول الحصول على خدمة، أو شخص من ذوي الإعاقة تعترض حياته عقبات لا ينتبه إليها كثيرون.
ولهذا ظل قريبًا بصورة استثنائية من قضايا مجتمع القضارف.
شارك في احتجاجات ضد حملات السلطات المحلية التي استهدفت بائعات الشاي والأطعمة، ووقف إلى جانب فئات محدودة الدخل في مواجهتها مع الإجراءات المحلية، وظل صوته حاضرًا في قضايا الخدمات والحقوق والحياة اليومية.
هذه التفاصيل هي التي صنعت جانبًا مهمًا من صورته.
لم يكن ينتظر القضية الكبرى دائمًا كي يتحرك.
بالنسبة إليه، كانت كرامة بائعة شاي يمكن أن تكون قضية سياسية، كما أن حق شخص من ذوي الإعاقة في العلاج والحركة والوصول إلى الخدمات كان جزءًا من معنى العدالة نفسها.
الإعاقة لم تكن تعريفه
كان جعفر خضر يعاني من إعاقة حركية ويستخدم كرسيًا متحركًا.
لكن الذين عرفوه يتحدثون عنه بصورة تجعل هذه الحقيقة جزءًا من سيرته وليست عنوانها.
فقد شارك في المواكب والاحتجاجات والاجتماعات والفعاليات العامة، وانتقل بين القضارف والخرطوم رغم الصعوبات، وظهر في مراحل متعددة من الحراك الشعبي السوداني وسط الصفوف التي تطالب بالديمقراطية والحقوق.
وكان حضوره في الوقت نفسه مدخلًا إلى قضية أكبر: حقوق الأشخاص ذوي الإعاقة في السودان.
كرس جانبًا من نشاطه لمساندتهم، وساعد في قضايا مرتبطة بالعلاج والخدمات الصحية والاجتماعية، ودافع عن حقهم في المشاركة الكاملة في المجتمع والحياة العامة.
ولهذا فإن واحدة من أهم دلالات تجربته أنه لم يسمح بأن تتحول الإعاقة إلى حدود للمشاركة.
بل حدث العكس.
أصبحت حياته نفسها حجة عملية ضد النظرة التي تتعامل مع الأشخاص ذوي الإعاقة باعتبارهم متلقين للمساعدة فقط، لا فاعلين في المجتمع والسياسة وصناعة التغيير.
وثورة ديسمبر
عندما انطلقت الاحتجاجات التي تحولت لاحقًا إلى ثورة ديسمبر 2018، كان جعفر خضر حاضرًا فيها.
القضارف نفسها كانت واحدة من المدن التي شهدت مبكرًا احتجاجات واسعة ضد نظام عمر البشير، قبل أن تمتد الموجة إلى مدن السودان المختلفة.
وكان جعفر من الوجوه التي ربطت بين التجارب القديمة في مقاومة النظام والحركة الشبابية الجديدة التي أخذت زمام المبادرة في الشارع.
شارك في الحراك في القضارف والخرطوم، وظل بعد سقوط البشير متمسكًا بأهداف الانتقال الديمقراطي.
وربما كانت هذه إحدى السمات التي جعلت كثيرًا من رفاقه ينظرون إليه باعتباره حلقة بين أجيال مختلفة من المقاومة السودانية.
فقد عرف النشاط الطلابي القديم، وواجه دولة الإنقاذ، وعمل داخل المجتمع المدني، ثم وجد نفسه وسط جيل لجان المقاومة وثورة ديسمبر.
لم يكن ابن لحظة سياسية واحدة.
ما بعد سقوط البشير
بالنسبة إلى كثيرين، كان سقوط عمر البشير في أبريل 2019 نهاية معركة امتدت ثلاثين عامًا.
أما لجعفر خضر وأمثاله، فلم يكن سقوط الرئيس كافيًا.
ظلت أسئلة الدولة المدنية، والديمقراطية، والعدالة، والحريات، وإصلاح مؤسسات الدولة حاضرة بعد التغيير.
ولذلك واصل نشاطه خلال الفترة الانتقالية، ثم عاد إلى ساحات الاحتجاج بعد إجراءات 25 أكتوبر 2021 التي أطاحت بالشراكة القائمة بين المدنيين والعسكريين.
ظل حاضرًا في المواكب والفعاليات رغم ما يتطلبه ذلك من جهد جسدي وتنقل صعب.
ولعل الصورة التي بقيت في ذاكرة كثيرين ليست صورة رجل يلقي خطابًا من منصة مرتفعة، وإنما صورة ناشط وسط الناس.
«شروق» و«بلدنا».. البحث عن مساحة أخرى للسياسة
لم يكتف جعفر بالنشاط الاحتجاجي.
مر مساره من حركة الطلاب المحايدين إلى منتدى شروق الثقافي، ثم إلى حركة بلدنا، وظل يبحث عن صيغ للعمل العام تتجاوز الانقسامات التقليدية التي أنهكت السياسة السودانية.
ويرى بعض رفاقه أن إحدى القضايا التي شغلته باستمرار كانت كيفية بناء تيار مدني واسع يستطيع جمع السودانيين حول الديمقراطية بدل إعادة إنتاج الاستقطابات القديمة.
كان مدركًا لصعوبة المهمة.
والسودان الذي عاش فيه جعفر خضر كان بلدًا تتكاثر فيه الانقسامات السياسية والأيديولوجية والجهوية، وتتعاقب عليه الانقلابات والحروب.
لكن الرجل ظل، وفق شهادات رفاقه، من المؤمنين بإمكانية جمع الناس والعمل المشترك رغم اختلافاتهم. (الجزيرة نت)
ثم جاءت الحرب
عندما اندلعت حرب أبريل 2023، وجد جعفر خضر نفسه مثل ملايين السودانيين أمام مرحلة مختلفة تمامًا.
لم يعد السؤال يدور فقط حول شكل الحكم أو الانتقال الديمقراطي، وإنما حول الدولة نفسها، وحول الحرب التي مزقت المدن وأجبرت الملايين على النزوح.
واصل التعبير عن مواقفه عبر المجال العام ومنصات التواصل، وبقي حاضرًا في النقاشات السياسية والاجتماعية المتعلقة بمصير البلاد.
وأظهرت تلك المرحلة مرة أخرى أن الرجل لم يكن ناشط موسم أو حدث.
فمن احتجاجات الجامعة إلى سنوات الإنقاذ، ومن ثورة ديسمبر إلى انقلاب أكتوبر ثم الحرب، استمر حضوره رغم تغير الظروف.
كلمات الرفاق
ربما لا يمكن قراءة سيرة جعفر خضر بعيدًا عن الطريقة التي ودعه بها من عرفوه.
الباحث السوداني محمد جمال الدين عاد في رثائه إلى سنوات حركة الطلاب المحايدين، واستعاد صداقته القديمة مع جعفر ومسيرته من العمل الطلابي إلى منتدى شروق ثم حركة بلدنا، معتبرًا أنه كان من المبادرين باستمرار إلى جمع الصف وتجاوز الانقسامات.
أما الباحث والخبير الاقتصادي أحمد بن عمر، فقد وصف تجربة جعفر بأنها أشبه بـ«كتاب» يستحق أن تتعلم منه الأجيال.
واستعادت الناشطة هالة الكريب معرفتها به على امتداد نحو عشرين عامًا، وارتباط صورته لديها بالمشاركة في الصفوف الأمامية للحراك المطالب بالديمقراطية، مشيرة إلى مسيرة امتدت أكثر من ثلاثة عقود في مقاومة الدكتاتورية والدفاع عن العدالة. (الجزيرة نت)
وتختلف العبارات، لكن مضمونها يكاد يكون واحدًا:
لم يكن الأثر الذي تركه جعفر خضر مرتبطًا بموقع رسمي، وإنما بالناس الذين عرفوه، والقضايا التي وقف معها، والسنوات الطويلة التي حافظ خلالها على حضوره.
ماذا يبقى من جعفر؟
في حياة السياسيين السودانيين كثير من المناصب والألقاب.
لكن سيرة جعفر خضر تقدم نوعًا آخر من العمل العام.
عمل لا يحتاج إلى مكتب كبير، ولا حراسة، ولا موكب، ولا لقب رسمي.
يحتاج إلى موقف.
وإلى قدرة على البقاء مع الناس عندما تصبح كلفة ذلك مرتفعة.
لهذا فإن الحديث عن جعفر خضر باعتباره ناشطًا سياسيًا فقط قد لا يكون كافيًا.
كان ناشطًا، نعم.
لكنه كان أيضًا جزءًا من ذاكرة مدينة.
جزءًا من ذاكرة القضارف التي قاومت، وناقشت، واختلفت، وخرجت إلى الشوارع، واحتفظت بمساحات للحوار حتى عندما كان الحوار نفسه يثير غضب السلطة.
وكان جزءًا من ذاكرة الأشخاص ذوي الإعاقة الذين رأوا واحدًا منهم لا يطالب بحقوقهم من بعيد، بل يشارك في الحياة العامة بكل ما تفرضه من مشقة.
وجزءًا من ذاكرة ثورة ديسمبر، التي لم يصنعها اسم واحد ولا تنظيم واحد، وإنما آلاف الأشخاص الذين ظلت أسماؤهم مرتبطة بالمدن والأحياء والجامعات والأسواق.
غياب الرجل وبقاء السيرة
مات جعفر خضر في القضارف.
المدينة ذاتها التي ارتبط بها معظم حياته العامة.
وهناك شيء من الاكتمال الحزين في أن تنتهي الرحلة في المكان الذي شهد سنوات طويلة من حضوره.
لكن الموت، في حالة أشخاص مثل جعفر، لا يغلق السيرة بسهولة.
تبقى الأسئلة التي عاش من أجلها.
هل يكون السودان دولة يستطيع فيها الناس الاختلاف من دون خوف؟
هل يمكن أن تصبح السياسة خدمة عامة لا طريقًا للسلطة؟
هل يستطيع الضعفاء والمهمشون أن يجدوا من يقف إلى جانبهم؟
وهل تستطيع البلاد التي دفعت أثمانًا هائلة من أبنائها أن تعود يومًا إلى مشروع الحرية والسلام والعدالة الذي خرج السودانيون من أجله؟
تلك الأسئلة كانت أكبر من حياة رجل واحد، وستبقى بعده.
أما جعفر خضر، فقد انتهت رحلته، لكن صورته ستظل مرتبطة لدى كثيرين بمدينة القضارف وبسنوات المقاومة والعمل المدني وبذلك النوع النادر من الأشخاص الذين لا يحتاجون إلى منصب كي يكون لهم تأثير.
يرحل جعفر خضر، ويبقى ما هو أصعب من الكلمات: أثر رجل اختار، طوال سنوات حياته العامة، أن يكون إلى جانب الناس.
رحمه الله رحمة واسعة، وألهم أسرته وأصدقاءه ورفاقه وأهل القضارف والسودان الصبر وحسن العزاء.
التعليقات
0 تعليقات