محررو لقطة AI
26 أغسطس 2026
دخلت مدينة النهود بولاية غرب كردفان مرحلة جديدة من العزلة والقلق، بعدما أصدرت قوات الدعم السريع أوامر بإغلاق جميع الأسواق العامة وتعطيل خدمات الإنترنت الفضائي عبر «ستارلينك» إلى أجل غير مسمى، بالتزامن مع وصول تعزيزات عسكرية من دارفور وتصاعد الغارات الجوية التي ينفذها الجيش السوداني على مواقع داخل المدينة ومحيطها.
وقالت غرفة طوارئ دار حمر، وهي شبكة تطوعية محلية، إن قوات الدعم السريع أمرت بإغلاق الأسواق وخدمات الاتصال عبر الأقمار الصناعية ابتداءً من الأربعاء وحتى إشعار آخر، وسط مخاوف من أن تؤدي الإجراءات إلى شل جانب واسع من الحياة اليومية في واحدة من أهم مدن غرب كردفان.
ولا تبدو المسألة مجرد إجراء أمني محدود.
فمصادر عسكرية تحدثت عن وصول تعزيزات لقوات الدعم السريع من إقليم دارفور، في وقت تشير فيه التحركات الميدانية إلى استعداد القوة لإعادة تنظيم مواقعها والتحرك باتجاه شمال كردفان بعد الخسائر التي تعرضت لها خلال هجمات الجيش الأخيرة.
ويضع ذلك النهود في موقع بالغ الحساسية على خريطة الحرب الجديدة في كردفان.
فالمدينة تمثل عقدة تربط غرب كردفان بمناطق دارفور من جهة، وبشمال كردفان ومدينة الأبيض من جهة أخرى، ولذلك فإن السيطرة على مسارات الحركة المحيطة بها تؤثر مباشرة في القدرة على نقل القوات والإمدادات بين الإقليمين.
وتقول غرفة الطوارئ إن إغلاق «ستارلينك» سيضرب واحدًا من آخر منافذ الاتصال المتاحة للسكان، بعد انهيار أو تعطل أجزاء كبيرة من شبكات الاتصالات التقليدية بسبب الحرب.
وتتجاوز أهمية الإنترنت هنا التواصل الاجتماعي أو الحصول على الأخبار.
في مناطق واسعة من السودان أصبح الاتصال الفضائي مرتبطًا بتحويل الأموال وتشغيل الخدمات المصرفية الإلكترونية واستلام تحويلات الأقارب والمغتربين، خصوصًا مع استمرار أزمة السيولة النقدية.
ولهذا فإن قطع الإنترنت يمكن أن يعني، عمليًا، تعطيل قدرة الأسر على شراء الغذاء والدواء حتى عندما تمتلك الأموال في حساباتها.
أما إغلاق الأسواق، فيضيف ضغطًا آخر على السكان والنازحين في المدينة، لأنه يقلص القدرة على الوصول إلى المواد الغذائية والسلع الأساسية في وقت ترتفع فيه الأسعار وتتراجع الإمدادات بسبب اضطراب الطرق.
واتهمت غرفة طوارئ دار حمر عناصر من الدعم السريع بتصعيد القيود الأمنية ومضايقة السكان ووقوع عمليات نهب، مطالبة المنظمات الإنسانية والإقليمية والدولية بالتدخل لحماية المدنيين وضمان استمرار الأسواق والاتصالات الحيوية. وهذه اتهامات صادرة عن المجموعة المحلية ولم يتسن الحصول فورًا على رد من قوات الدعم السريع بشأنها.
وفي الوقت نفسه، أفادت مصادر محلية بأن مسيّرات وطائرات تابعة للجيش السوداني نفذت غارات مكثفة على مواقع لقوات الدعم السريع داخل النهود وفي أطرافها، ما يرفع احتمال أن تكون الإجراءات الأمنية داخل المدينة مرتبطة باستعدادات لجولة جديدة من المواجهة.
وهذا هو الجانب الأهم في التطور.
فكردفان تحولت خلال الأسابيع الأخيرة من منطقة ضغط متبادل إلى واحدة من الجبهات الأكثر نشاطًا في الحرب، مع محاولات الجيش توسيع نطاق سيطرته غرب الأبيض، مقابل سعي الدعم السريع إلى الاحتفاظ بممراته الحيوية التي تربط كردفان بدارفور.
وكان الجيش قد شن في 25 يوليو هجومًا مكّنه، وفق تقارير ميدانية، من استعادة مناطق واسعة في شمال كردفان والسيطرة على أجزاء من طريق الصادرات، ما دفع قوات الدعم السريع إلى التراجع نحو أم بادر وسودري وحمرة الشيخ والمزروب ومناطق أخرى إلى الغرب.
إذا قُرئت التعزيزات الحالية في هذا السياق، فإن النهود قد تتحول إلى نقطة ارتكاز رئيسية لأي محاولة من الدعم السريع لوقف تقدم الجيش أو إعادة الضغط باتجاه شمال كردفان.
وفي المقابل، تبدو الغارات الجوية التي تستهدف مواقع داخل المدينة ومحيطها محاولة لإرباك تجمعات القوات قبل انتقالها إلى محاور جديدة.
وهنا تصبح الإجراءات المفروضة على السكان ذات بعد عسكري واضح؛ فإغلاق الاتصالات والأسواق قد يستخدم لتقييد حركة المعلومات والأفراد خلال فترة تعبئة وتحرك عسكري.
لكن الثمن الإنساني يمكن أن يكون كبيرًا.
فالمدني الذي يعيش داخل المدينة لا يملك في الغالب خيار الانتقال السريع، بينما يؤدي توقف الأسواق والاتصالات وارتفاع احتمال القصف إلى تضييق مساحة الحياة الآمنة أمامه في الوقت نفسه.
وتصبح المخاطر أكبر بالنسبة إلى الأسر النازحة التي تعتمد على الأسواق اليومية والتحويلات الخارجية لتغطية احتياجاتها، وليس لديها مخزون مالي أو غذائي يسمح لها بتحمل إغلاق طويل.
ولهذا فإن السؤال الذي ينبغي متابعته خلال الساعات المقبلة ليس فقط ما إذا كانت الأسواق ستفتح مجددًا، بل إلى أين تتجه التعزيزات القادمة من دارفور، وهل تتحول النهود إلى قاعدة انطلاق لمواجهة جديدة على طريق شمال كردفان؟
إذا حدث ذلك، فقد تصبح المدينة واحدة من مفاتيح المرحلة المقبلة من معركة كردفان، لا مجرد مدينة تقع خلف خطوط القتال
التعليقات
0 تعليقات