محررو لقطة AI
٢٨ أغسطس 2026
دخل الجنيه السوداني مرحلة جديدة من التراجع، الخميس، بعدما لامس سعر الدولار 6400 جنيه في السوق الموازية، مسجلاً مستوى قياسياً جديداً، وسط شح في النقد الأجنبي وتوقف بعض المتعاملين عن بيع العملات بكميات كبيرة ترقباً لمزيد من الارتفاع.
وقال متعاملون في سوق العملات إن الدولار جرى تداوله بين 6350 و6400 جنيه خلال تعاملات الخميس، فيما ارتفع الدرهم الإماراتي إلى نحو 1710 جنيهات. وتحدثت مصادر سوق محلية عن معاملات محدودة في بورتسودان اقترب فيها الدولار من 6500 جنيه، لكن مستوى 6400 يظل الرقم الأكثر اتساقاً بين المصادر التي أمكن التحقق منها.
ولا تبدو القفزة الأخيرة مجرد موجة مضاربة عابرة، إذ جاءت بعد أيام من إصدار بنك السودان المركزي منشوراً جديداً ألغى بموجبه عدداً من التوجيهات السابقة ومنح المصارف مرونة أكبر في تعديل أسعار الصرف وشراء حصائل الصادر وفق حركة العرض والطلب، مؤكداً استمرار سياسة تحرير سعر الصرف.
وهنا تكمن أهمية ما يحدث. فالاختبار الحقيقي للسياسة الجديدة ليس في قدرة البنوك على تغيير الأرقام المعلنة على شاشاتها، وإنما في قدرتها على جذب النقد الأجنبي من السوق الموازية إلى الجهاز المصرفي. وإذا لم تتمكن المصارف من توفير الدولار للمستوردين والشركات والأفراد، فإن رفع أسعارها وحده قد يؤدي إلى انتقال المنافسة مع السوق الموازية إلى مستويات سعرية أعلى بدلاً من تضييق الفجوة.
وتظهر اضطرابات التسعير المصرفي حجم المرحلة الانتقالية. فبعض البنوك بدأت بالفعل إجراء تعديلات كبيرة على أسعار العملات بعد قرار المركزي، بينما ظلت السوق الموازية تتحرك بوتيرة أسرع. وهذا يخلق حالة من عدم اليقين تجعل حائزي الدولار أكثر ميلاً إلى الاحتفاظ به وانتظار سعر أعلى، وهو ما يقلل المعروض ويضيف ضغطاً جديداً على الجنيه.
والهبوط الحالي يصبح أكثر وضوحاً عند مقارنته ببداية الحرب. ففي أبريل 2023 كان الدولار يدور حول 600 جنيه تقريباً في السوق الموازية، بينما تجاوز الآن عشرة أضعاف ذلك المستوى. وكانت رويترز قد رصدت بالفعل وصول الدولار إلى أكثر من 6000 جنيه في يونيو، مع ارتفاع أسعار الغذاء والوقود والسلع الأساسية نتيجة انهيار العملة.
ولا تتوقف آثار الانخفاض عند سوق الصرف. السودان يعتمد على الواردات في جانب كبير من احتياجاته من الوقود والدواء والقمح ومدخلات الإنتاج، ولذلك ينتقل ارتفاع الدولار سريعاً إلى أسعار السلع. وهذا يعني أن وصوله إلى 6400 جنيه يمكن أن يتحول خلال فترة قصيرة إلى موجة جديدة من ارتفاع تكاليف المعيشة، حتى إذا أظهرت البيانات الرسمية تراجعاً في معدل التضخم.
وتقف خلف أزمة الجنيه مشكلات أعمق من السياسة النقدية: الحرب دمرت جانباً واسعاً من النشاط الصناعي والزراعي، وقلصت الإيرادات العامة، وأضعفت الصادرات الرسمية، بينما تستمر عمليات تهريب الذهب وخروج جزء من حصائل الصادرات بعيداً عن الجهاز المصرفي. وقد قدرت بيانات البنك الدولي انكماش الاقتصاد السوداني بنحو 29.4% في 2023 ثم 14% أخرى في 2024.
ولهذا فإن الأيام المقبلة ستكون اختباراً مباشراً لقرار بنك السودان. فإذا نجحت المصارف في شراء حصائل الصادرات وجذب تحويلات السودانيين بالخارج وتوفير النقد الأجنبي، فقد يظهر بعض الاستقرار. أما إذا ظل المعروض محدوداً واستمر المتعاملون في تخزين العملات، فإن مستوى 6400 قد لا يكون نهاية موجة الهبوط.
ما تغيّر الآن ليس الرقم وحده؛ بل أن معركة سعر الصرف انتقلت إلى مرحلة جديدة بعد تحرير أوسع للتسعير، وأصبح السؤال ما إذا كانت البنوك ستنجح في منافسة السوق الموازية أم أن السوق الموازية ستجر المصارف خلفها إلى أسعار أعلى
التعليقات
0 تعليقات