×

اقتصاد الحرب في السودان.. من يربح من الخراب ومن يدفع الثمن ؟

اقتصاد الحرب في السودان.. من يربح من الخراب ومن يدفع الثمن ؟

www.lagtaai.com

بينما تتركز عدسات الكاميرات على خطوط القتال وتحركات الجيوش، تدور في السودان حرب أخرى أقل ظهوراً وأكثر خطورة؛ إنها حرب الاقتصاد. فخلف أصوات المدافع والمعارك اليومية، تتعرض الدولة السودانية لواحدة من أكبر عمليات التدمير الاقتصادي في تاريخها الحديث، وسط خسائر تمتد من المصانع والأسواق إلى جيوب المواطنين ومستقبل الأجيال القادمة.

وبعد أكثر من ثلاث سنوات على اندلاع الحرب، لم يعد السؤال كم مدينة دُمرت أو كم شخص نزح، بل أصبح السؤال الأهم: من يدفع فاتورة هذه الحرب؟ ومن المستفيد من استمرارها؟

اقتصاد يتراجع عقوداً إلى الخلف

تشير تقديرات حديثة صادرة عن برنامج الأمم المتحدة الإنمائي إلى أن الحرب أعادت الاقتصاد السوداني أكثر من ثلاثين عاماً إلى الوراء، وأن متوسط دخل الفرد عاد إلى مستويات لم تشهدها البلاد منذ أوائل التسعينيات. كما فقد السودان نحو 6.4 مليارات دولار من الناتج المحلي في العام الأول للحرب وحده، مع اتساع دائرة الفقر والنزوح. (UNDPAttachment.png)

أما البنك الدولي فيصف ما يحدث بأنه “أزمة اقتصادية واجتماعية عميقة”، مع انهيار واسع في الخدمات والإنتاج وتراجع حاد في قدرة الدولة على القيام بوظائفها الأساسية. (Open Knowledge RepositoryAttachment.png)

خزينة دولة شبه فارغة

واحدة من أخطر نتائج الحرب تمثلت في الانهيار الكبير للإيرادات العامة.

فوفق بيانات البنك الدولي، تراجعت الإيرادات الحكومية من نحو 10% من الناتج المحلي الإجمالي قبل الحرب إلى أقل من 5% خلال عامي 2024 و2025، وهو تراجع يفسر حالة الشلل التي أصابت العديد من مؤسسات الدولة والخدمات العامة. (World BankAttachment.png)

ومع تقلص الإيرادات وتزايد النفقات المرتبطة بالحرب، أصبحت قدرة الدولة على تمويل التعليم والصحة والخدمات الأساسية أكثر هشاشة من أي وقت مضى.

الخرطوم.. سقوط القلب الاقتصادي

قبل الحرب كانت الخرطوم تمثل القلب الصناعي والتجاري والمالي للسودان.

لكن المعارك التي شهدتها العاصمة أدت إلى تدمير أو توقف عدد كبير من المصانع والشركات والمراكز التجارية. وتشير تقارير اقتصادية إلى أن القطاع الصناعي كان من أكثر القطاعات تضرراً، حيث فقد جزءاً كبيراً من طاقته الإنتاجية نتيجة الدمار والنهب وانقطاع الكهرباء والخدمات الأساسية. (IFPRIAttachment.png)

وبينما بدأت بعض المصانع محاولات محدودة للعودة إلى العمل، فإن حجم الدمار يجعل عملية التعافي طويلة ومكلفة. (ReutersAttachment.png)

الزراعة.. العمود الفقري المهدد

رغم أن الحرب لم تتركز في كل المناطق الزراعية، إلا أن آثارها امتدت إلى القطاع الزراعي عبر تعطل النقل وارتفاع تكاليف الإنتاج ونقص التمويل والوقود.

وتحذر دراسات اقتصادية من أن قطاع الزراعة والغذاء قد يكون من أكبر الخاسرين إذا استمر الصراع، مع تراجع الإنتاج وتقلص فرص العمل وارتفاع مخاطر انعدام الأمن الغذائي. (sudan.ifpri.infoAttachment.png)

وفي بلد يعتمد ملايين المواطنين على الزراعة كمصدر رئيسي للدخل، فإن أي تراجع طويل الأمد في هذا القطاع ينعكس مباشرة على مستويات الفقر والهجرة والنزوح.

اقتصاد موازٍ ينمو على أنقاض الدولة

في مقابل تراجع الاقتصاد الرسمي، برزت خلال سنوات الحرب أنشطة اقتصادية موازية تعتمد على شبكات التجارة غير المنظمة والتحويلات والأسواق غير الرسمية.

ويرى خبراء أن استمرار هذه الظاهرة يهدد قدرة الدولة مستقبلاً على إعادة بناء نظام مالي ومصرفي مستقر، كما يزيد من صعوبة الرقابة الضريبية ومحاربة الفساد والتهريب.

ويحذر اقتصاديون من أن بعض شبكات اقتصاد الحرب قد تصبح صاحبة مصلحة مباشرة في استمرار الصراع، وهو نمط شهدته دول عديدة دخلت في نزاعات طويلة الأمد.

المواطن.. الخاسر الأكبر

لكن الأرقام الاقتصادية لا تحكي القصة كاملة.

ففي الأسواق السودانية، يدفع المواطن الثمن يومياً عبر ارتفاع الأسعار وتراجع الدخل وصعوبة الحصول على الخدمات.

وتشير تقديرات دولية إلى ارتفاع معدلات الفقر بصورة حادة، بينما يتوقع البنك الدولي أن تصل نسب الفقر إلى مستويات غير مسبوقة مقارنة بما كانت عليه قبل الحرب. (World BankAttachment.png)

كما تشير تقارير دولية إلى أن ملايين السودانيين فقدوا مصادر دخلهم المباشرة أو غير المباشرة نتيجة توقف النشاط الاقتصادي وتدمير المؤسسات الإنتاجية. (IFPRIAttachment.png)

من يربح من اقتصاد الحرب؟

السؤال الذي يطرحه كثير من السودانيين اليوم لا يتعلق فقط بحجم الخسائر، بل بالمستفيدين منها.

ففي العديد من النزاعات حول العالم، تنشأ شبكات اقتصادية تستفيد من استمرار الحرب عبر التجارة غير الرسمية والتهريب والاحتكار والأنشطة المرتبطة بالنزاع.

ورغم صعوبة الحصول على بيانات دقيقة داخل السودان بسبب ظروف الحرب، فإن خبراء الاقتصاد يحذرون من أن استمرار الصراع يخلق بيئات مثالية لازدهار اقتصاد الظل على حساب الاقتصاد الوطني المنتج.

ما بعد الحرب.. الفاتورة المؤجلة

حتى لو توقفت الحرب غداً، فإن فاتورتها الاقتصادية ستبقى لسنوات طويلة.

وتشير تقديرات دولية إلى أن استمرار الصراع قد يؤدي إلى خسائر بمليارات الدولارات من الناتج المحلي على المدى الطويل، مع تأثيرات تمتد إلى قطاعات الصناعة والزراعة والخدمات والبنية التحتية. (Al JazeeraAttachment.png)

وسيحتاج السودان إلى استثمارات ضخمة لإعادة بناء المدن والمصانع والطرق والمؤسسات المالية، فضلاً عن استعادة الثقة في الاقتصاد وجذب رؤوس الأموال المهاجرة.

خاتمة

في نهاية المطاف، قد لا يكون أكبر ضحايا الحرب في السودان هو المبنى الذي دُمر أو المصنع الذي توقف، بل المواطن الذي وجد نفسه يدفع ثمن صراع لم يختره.

فبينما تتغير خطوط المواجهة من مدينة إلى أخرى، تظل الحقيقة الاقتصادية ثابتة: كل يوم إضافي من الحرب يعني مزيداً من الفقر، ومزيداً من النزوح، ومزيداً من التراجع في فرص بناء دولة مستقرة وقادرة على النهوض من جديد ,

المصادر:

  • World Bank – التحديث الاقتصادي للسودان 2025.  
  • United Nations Development Programme – تقرير آثار الحرب على الاقتصاد السوداني 2026.  
  • International Food Policy Research Institute – تقديرات انكماش الاقتصاد السوداني حتى 2025.  
  • African Development Bank – النظرة الاقتصادية للسودان. 

إرسال التعليق

You May Have Missed