×

هل فقدت الخرطوم احتكارها للسودان؟

هل فقدت الخرطوم احتكارها للسودان؟

التحولات التي تصنع مستقبل البلاد (2}

نهاية العاصمة التقليدية..

عبود النصيح

لم تكن الخرطوم مجرد عاصمة للسودان طوال العقود الماضية، بل كانت الدولة نفسها في نظر كثير من السودانيين.

منها تُدار السياسة، وفيها تتركز السلطة والثروة والجامعات والمؤسسات الكبرى والسفارات والشركات والبنوك ووسائل الإعلام. وحتى حين كانت البلاد تمتد على مساحة شاسعة من الحدود المصرية شمالاً إلى أعماق أفريقيا جنوباً، ظلت الخرطوم تمثل القلب الذي تضخ منه الدولة الحياة إلى بقية الأطراف.

لكن الحرب التي اندلعت في أبريل 2023 لم تدمر المباني والبنية التحتية فقط، بل طرحت سؤالاً غير مسبوق في تاريخ السودان الحديث:

هل انتهى عصر العاصمة المركزية الواحدة؟

وهل فقدت الخرطوم احتكارها التاريخي للدولة السودانية؟

السودان الذي كانت تحكمه مدينة واحدة

منذ الاستقلال عام 1956، ورث السودان نموذجاً شديد المركزية.

فمعظم مؤسسات الدولة الكبرى تركزت في الخرطوم، بينما ظلت الولايات تعتمد بصورة شبه كاملة على القرارات والموارد القادمة من العاصمة.

وأدى ذلك مع مرور الوقت إلى اتساع الفجوة التنموية بين المركز والأطراف، حيث أصبحت الخرطوم تستقطب السكان والاستثمارات والخدمات بصورة أكبر من أي مدينة أخرى في البلاد.

حتى أن ملايين السودانيين كانوا ينظرون إلى الانتقال نحو الخرطوم باعتباره الطريق الطبيعي نحو التعليم والعمل والفرص الأفضل.

الحرب تكسر النموذج القديم

لأول مرة منذ عقود طويلة وجدت مؤسسات الدولة نفسها مضطرة إلى العمل خارج الخرطوم.

انتقلت وزارات ومؤسسات ومقار حكومية إلى مدن أخرى، وتحولت ولايات كانت تُعتبر هامشية في الماضي إلى مراكز مؤقتة لصناعة القرار والإدارة والخدمات.

وفي الوقت ذاته، هاجرت شركات ورجال أعمال ومؤسسات تعليمية وصحية إلى مدن أكثر أمناً داخل السودان وخارجه.

لقد فرضت الحرب واقعاً جديداً لم يكن مطروحاً قبل سنوات قليلة.

واقع يقوم على توزيع النشاط الاقتصادي والإداري بدلاً من تركيزه الكامل في العاصمة.

بورتسودان.. العاصمة الجديدة غير المعلنة

خلال سنوات الحرب برزت بورتسودان باعتبارها المركز الإداري والسياسي الأهم في البلاد.

فمن المدينة الساحلية أُديرت ملفات الدولة الأساسية، واستقبلت البعثات الدبلوماسية والمنظمات الدولية، وتحولت إلى نافذة السودان الرئيسية على العالم.

لكن السؤال لا يتعلق ببورتسودان وحدها.

بل يتعلق بإمكانية ظهور نموذج سوداني جديد يقوم على تعدد المراكز بدلاً من مركز واحد يحتكر كل شيء.

مدن تصعد من الهامش

في السنوات الأخيرة شهدت مدن مثل بورتسودان وعطبرة وكسلا ومدني والفاشر والأبيض أدواراً مختلفة في الاقتصاد والإدارة والخدمات.

ورغم التحديات الأمنية والاقتصادية، فإن هذه المدن أثبتت أن السودان يمتلك قدرات حضرية أكبر مما كان يعتقد كثيرون.

لقد كشفت الحرب أن الدولة لا تتوقف بالكامل عندما تتعطل العاصمة، وأن هناك إمكانات كامنة خارج الخرطوم ظلت مهمشة لعقود طويلة.

هل انتهى عصر الخرطوم؟

الإجابة الأقرب إلى الواقع هي: لا.

فالخرطوم ستظل لفترة طويلة أكبر تجمع سكاني ومركزاً سياسياً واقتصادياً وثقافياً مهماً في السودان.

لكن ما يبدو أنه انتهى هو فكرة الاحتكار الكامل.

فالحرب أثبتت أن تركيز كل مؤسسات الدولة في مدينة واحدة يجعل الدولة نفسها أكثر هشاشة أمام الأزمات.

ولهذا قد تتجه مرحلة ما بعد الحرب إلى نموذج أكثر توازناً في توزيع المؤسسات والموارد والاستثمارات.

نحو سودان متعدد المراكز

في كثير من الدول الحديثة لم تعد العاصمة تحتكر كل شيء.

فالسلطة الاقتصادية قد تكون في مدينة، والمؤسسات الإدارية في مدينة أخرى، والمراكز الصناعية أو التكنولوجية في مدن مختلفة.

وربما يجد السودان نفسه بعد الحرب أمام فرصة تاريخية لإعادة التفكير في خريطته التنموية.

ليس عبر استبدال الخرطوم بمدينة أخرى، بل عبر بناء شبكة من المدن القادرة على تقاسم أدوار الدولة والنمو الاقتصادي.

السؤال الأكبر

لا يتعلق مستقبل السودان بإعادة إعمار الخرطوم فقط.

بل يتعلق أيضاً بتحديد نوع الدولة التي يريد السودانيون بناءها بعد الحرب.

هل يعود السودان إلى النموذج القديم نفسه الذي جعل العاصمة تبتلع معظم الموارد والفرص؟

أم أن الحرب، رغم مآسيها، فتحت الباب أمام نموذج أكثر توازناً وعدالة بين المركز والأقاليم؟

خاتمة

ربما تكون الخرطوم قد فقدت شيئاً من احتكارها التاريخي للدولة السودانية، لكنها لم تفقد مكانتها بالكامل.

غير أن التحول الحقيقي الذي أفرزته الحرب يتمثل في اكتشاف السودان لإمكانات مدنه الأخرى.

وللمرة الأولى منذ الاستقلال، لم يعد السؤال: كيف تعود الخرطوم؟

بل أصبح السؤال:

كيف يمكن بناء سودان لا يعتمد على مدينة واحدة؟

إرسال التعليق

You May Have Missed