كيف انهارت منظومة التطعيم في السودان؟
وهل تواجه البلاد خطر عودة الأوبئة؟
تحقيق صحي خاص –
www.lagtaai.com
في الحروب، لا يموت الناس بالرصاص وحده. أحياناً يموتون لأن لقاحاً لم يصل في موعده، أو لأن مركزاً صحياً أغلق أبوابه، أو لأن سلسلة التبريد انقطعت، أو لأن طفلاً وُلد في معسكر نزوح بعيداً عن سجل التطعيمات والرعاية الصحية.
وفي السودان، لم تعد أزمة التطعيم مجرد خلل إداري في وزارة الصحة، بل تحولت إلى واحدة من أخطر النتائج الصحية للحرب، لأنها تهدد بعودة أمراض كان يمكن السيطرة عليها، مثل الحصبة، والكوليرا، وشلل الأطفال، وأمراض الطفولة القاتلة.
السؤال اليوم لم يعد: هل تضررت منظومة التطعيم؟
بل: إلى أي مدى انهارت؟ وهل أصبح السودان أمام موجة جديدة من الأوبئة؟
من منظومة هشة إلى انهيار واسع
قبل الحرب، كانت منظومة التطعيم في السودان تعاني أصلاً من ضعف التمويل، وتفاوت التغطية بين المدن والولايات، وصعوبات الوصول إلى المناطق البعيدة. لكن اندلاع الحرب في أبريل 2023 حوّل الضعف إلى انهيار مفتوح.
تعطلت مراكز صحية، وخرجت مستشفيات عن الخدمة، ونزحت كوادر طبية، وتضررت سلاسل الإمداد، وأصبح نقل اللقاحات بين الولايات مهمة معقدة ومحفوفة بالمخاطر.
وتشير تقديرات أممية إلى أن تغطية التحصين في السودان هبطت إلى أدنى مستوياتها منذ نحو أربعة عقود، وسط تحذيرات من اتساع دائرة الأطفال غير المحصنين. وقد أعلنت يونيسف في يوليو 2025 أن تطعيم الأطفال في السودان تراجع إلى أدنى مستوى له منذ قرابة 40 عاماً، رغم استمرار حملات إنقاذية لتوصيل ملايين الجرعات. (unicef.org)
الأطفال الذين لم تصلهم الحقنة الأولى
أخطر ما في انهيار التطعيم ليس فقط انخفاض النسب العامة، بل ظهور ما يُعرف عالمياً بـ”الأطفال صفر جرعة”، أي الأطفال الذين لم يحصلوا على أي لقاح أساسي.
هؤلاء الأطفال يصبحون الحلقة الأضعف في أي تفشٍ وبائي، خصوصاً داخل بيئات النزوح والاكتظاظ وغياب المياه النظيفة.
وبحسب تقارير صحفية استندت إلى بيانات منظمة الصحة العالمية ويونيسف، تراجعت تغطية التطعيم الروتيني في السودان من مستويات تجاوزت 90% قبل الحرب إلى نحو 48% في 2025، مع وجود مئات الآلاف من الأطفال الذين فاتتهم كل اللقاحات الأساسية. (The Guardian)
هذه الأرقام لا تعني مجرد نقص في خدمة صحية، بل تعني أن جيلاً كاملاً من الأطفال يدخل الحياة بلا حماية كافية من أمراض قاتلة يمكن منعها.
الحصبة.. المرض الذي يعود عندما تغيب الدولة
الحصبة من أكثر الأمراض التي تكشف هشاشة أنظمة التطعيم.
فهي شديدة العدوى، وتحتاج إلى تغطية عالية جداً باللقاح لمنع انتشارها. وعندما تنخفض التغطية، تعود الحصبة بسرعة، خاصة في المخيمات والمناطق المكتظة.
وقد حذرت تقارير طبية حديثة من أن السودان يشهد واحدة من أخطر موجات عودة الحصبة خلال العقود الأخيرة، مدفوعة بانهيار خدمات التحصين الروتيني والنزوح الواسع. (The Lancet)
وفي دارفور تحديداً، حذرت منظمة أطباء بلا حدود في ديسمبر 2025 من تصاعد حالات الحصبة في وسط وجنوب وغرب دارفور، مع تسجيل أكثر من 1300 حالة منذ سبتمبر في ظل تعثر حملات التطعيم. (doctorswithoutborders.ca)
الكوليرا.. حين يلتقي غياب اللقاح مع تلوث الماء
الكوليرا ليست مرض تطعيم فقط، لكنها تكشف العلاقة الخطيرة بين انهيار الصحة العامة والمياه والصرف الصحي.
ففي السودان، ساهم النزوح، وتضرر شبكات المياه، وضعف خدمات النظافة، وتراجع الرعاية الصحية، في خلق بيئة مثالية لانتشار المرض.
ومنذ 2023، كثفت يونيسف وشركاؤها حملات لقاحات الكوليرا، إذ تحدثت عن تسليم أكثر من 13.7 مليون جرعة من لقاح الكوليرا الفموي منذ 2023، بينها أكثر من 9.2 مليون جرعة في 2024 ونحو 1.6 مليون جرعة في 2025. (unicef.org)
وفي يونيو 2025، أعلنت يونيسف تسليم أكثر من 3 ملايين جرعة إضافية من لقاح الكوليرا إلى السودان، لاستهداف مناطق متضررة في أم درمان وكرري وأمبدة بولاية الخرطوم. (unicef.org)
لكن وصول اللقاحات لا يعني انتهاء الخطر. فاللقاح يحتاج إلى مراكز عاملة، وسلاسل تبريد، وكوادر، وأمن، وثقة مجتمعية، ومياه نظيفة. وكل هذه العناصر تعرضت لضربات قاسية خلال الحرب.
شلل الأطفال.. الخطر الذي لا يحتمل الانتظار
شلل الأطفال من الأمراض التي لا تسمح بهامش كبير من التأخير.
فعندما تتراجع حملات التطعيم، يصبح الأطفال في خطر، وتصبح البلاد كلها أمام احتمال عودة فيروس كان العالم يحاول القضاء عليه منذ عقود.
وقد أشارت تقارير أممية إلى استمرار حملات تطعيم ضد شلل الأطفال في السودان رغم ظروف الحرب، في محاولة لسد الفجوات ومنع عودة المرض. كما ذكرت منظمة الصحة العالمية في تحديثات إقليمية أن ملايين الأطفال تلقوا لقاحات ضد الحصبة والحصبة الألمانية وشلل الأطفال ضمن حملات استجابة خلال النزاع. (Facebook)
لكن التحدي الحقيقي أن الحملات الطارئة لا تعوض بالكامل غياب التطعيم الروتيني المنتظم، لأن الأطفال يولدون كل يوم، وكل شهر تأخير يضيف آلاف الأطفال إلى دائرة الخطر.
لماذا انهارت المنظومة؟
يمكن تلخيص أسباب الانهيار في خمسة عوامل رئيسية:
أولاً: خروج عدد كبير من المرافق الصحية عن الخدمة في مناطق النزاع.
ثانياً: صعوبة نقل اللقاحات بسبب انعدام الأمن وتقطع الطرق.
ثالثاً: تضرر سلسلة التبريد التي تحتاج إلى كهرباء ووقود ومعدات.
رابعاً: نزوح السكان، ما يجعل متابعة الأطفال وسجلاتهم الصحية شبه مستحيلة.
خامساً: نقص التمويل والكوادر، مع اتساع الاحتياجات الإنسانية في كل الاتجاهات.
ولهذا لم تعد أزمة التطعيم مسألة صحية منفصلة، بل نتيجة مباشرة لانهيار الدولة الخدمية في مناطق واسعة.
جهود الإنقاذ.. سباق مع الزمن
رغم الصورة القاتمة، لم تتوقف محاولات الإنقاذ.
فقد أعلنت يونيسف أنها سلّمت 16 مليون جرعة من 11 لقاحاً بين يناير ويونيو 2025، مستهدفة أكثر من 630 ألف طفل دون سن العام في أنحاء السودان. (unicef.org)
كما أعلنت منظمة التحالف العالمي للقاحات والتحصين “غافي” في ديسمبر 2024 عن دعم بقيمة 23.4 مليون دولار لتعزيز خدمات التحصين للأطفال في السودان، بالتعاون مع يونيسف ومنظمة إنقاذ الطفولة. (gavi.org)
غير أن هذه الجهود، رغم أهميتها، تواجه سؤالاً قاسياً: هل تستطيع حملات الطوارئ اللحاق بحجم الانهيار؟
هل يواجه السودان عودة الأوبئة؟
الإجابة المختصرة: نعم، الخطر حقيقي.
ليس لأن اللقاحات غير موجودة فقط، بل لأن شروط انتشار الأوبئة متوفرة بدرجة خطيرة:
نزوح واسع، اكتظاظ، سوء تغذية، مياه ملوثة، ضعف الرعاية الصحية، وانخفاض تغطية التطعيم.
وفي مثل هذه البيئة، يمكن لمرض واحد أن يتحول سريعاً من حالات محدودة إلى تفشٍ واسع، خاصة بين الأطفال.
ما المطلوب الآن؟
إنقاذ منظومة التطعيم في السودان لا يحتاج إلى بيانات تحذيرية فقط، بل إلى خطة طارئة واضحة:
إعادة تشغيل مراكز الرعاية الصحية الأولية حيثما أمكن.
تأمين ممرات صحية آمنة لنقل اللقاحات.
دعم سلاسل التبريد بالكهرباء والوقود والطاقة الشمسية.
تنفيذ حملات ميدانية في معسكرات النزوح.
إعادة بناء سجلات الأطفال والتطعيمات.
رفع الوعي المجتمعي لمواجهة الخوف والشائعات.
وضمان تمويل مستمر لا يرتبط بموجة إعلامية عابرة.
خاتمة
انهيار التطعيم في السودان ليس خبراً صحياً هامشياً، بل إنذار مبكر بكارثة قد تمتد آثارها لسنوات.
فكل طفل يفوته اللقاح اليوم قد يصبح غداً ضحية مرض كان يمكن منعه. وكل مركز صحي يتوقف عن العمل يفتح الباب أمام عودة وباء جديد. وكل شهر تأخير يعني فجوة أكبر في جدار الحماية المجتمعية.
لقد أخذت الحرب من السودانيين الكثير: البيوت، المدن، المدارس، والأسواق.
لكن أخطر ما يمكن أن تأخذه الآن هو حق الأطفال في بداية آمنة للحياة .



إرسال التعليق