×

الصحة النفسية في زمن الحروب.. الجراح التي لا تظهر في الصور

الصحة النفسية في زمن الحروب.. الجراح التي لا تظهر في الصور

تقرير خاص – هيئة التحرير

عندما تنتهي نشرات الأخبار، وتنطفئ الكاميرات، وتغادر فرق التصوير مواقع الدمار، تبقى هناك آثار أخرى للحرب لا تظهر في الصور، ولا تُقاس بعدد القتلى أو حجم المباني المهدمة. إنها الجراح النفسية التي تستقر بصمت داخل ملايين البشر، وتواصل تأثيرها لسنوات طويلة بعد توقف أصوات الرصاص.

في السودان، كما في كثير من مناطق النزاعات حول العالم، خلّفت الحرب وراءها أزمة نفسية واسعة النطاق تمتد من الأطفال إلى كبار السن، ومن النازحين إلى أولئك الذين بقوا داخل مناطق القتال. وبينما تتركز الجهود الإنسانية غالباً على الغذاء والدواء والمأوى، تبقى الصحة النفسية واحدة من أكثر الملفات إهمالاً رغم تأثيرها العميق على الأفراد والمجتمعات.

عندما يصبح الخوف جزءاً من الحياة اليومية

أكثر من عامين من العنف والنزوح وفقدان الأحبة والبيوت والأعمال تركت آثاراً نفسية معقدة على ملايين السودانيين. فمشاهد القصف والاشتباكات، وحالات النزوح المتكرر، وانعدام اليقين بشأن المستقبل، كلها عوامل تدفع الكثيرين إلى العيش تحت ضغط نفسي مستمر.

ويشير مختصون إلى أن التعرض المتكرر للصدمات قد يؤدي إلى اضطرابات القلق والاكتئاب واضطراب ما بعد الصدمة، وهي حالات لا تظهر بالعين المجردة لكنها تؤثر على القدرة على العمل والتعلم والتواصل الاجتماعي.

الأطفال.. الضحايا الصامتون

ربما يكون الأطفال هم الفئة الأكثر تأثراً بالحروب على المستوى النفسي. فالكثير منهم شهدوا مشاهد عنف مباشرة أو فقدوا أفراداً من أسرهم أو اضطروا إلى مغادرة مدارسهم ومجتمعاتهم المحلية.

وتنعكس هذه التجارب في صورة كوابيس متكررة، وصعوبات في التركيز، وانسحاب اجتماعي، وسلوك عدواني أحياناً، فضلاً عن مشاعر الخوف المستمر وعدم الأمان.

ويحذر خبراء الصحة النفسية من أن تجاهل هذه المشكلات قد يؤدي إلى آثار طويلة المدى تمتد إلى مرحلة البلوغ، وتؤثر على مستقبل جيل كامل نشأ في ظروف استثنائية.

النساء تحت ضغط مضاعف

إلى جانب الأعباء الاقتصادية والاجتماعية التي فرضتها الحرب، تحملت النساء مسؤوليات إضافية تتمثل في رعاية الأسر وإدارة الحياة اليومية في ظروف شديدة التعقيد.

وتواجه كثير من النساء مستويات مرتفعة من القلق والإرهاق النفسي نتيجة فقدان مصادر الدخل أو النزوح أو الخوف المستمر على أفراد الأسرة، بينما تظل خدمات الدعم النفسي محدودة في معظم المناطق المتضررة.

الناجون يحملون الحرب معهم

حتى بعد الابتعاد عن مناطق القتال، لا تنتهي آثار الحرب النفسية بسهولة. فكثير من النازحين واللاجئين يحملون معهم ذكريات وتجارب مؤلمة تستمر في التأثير على حياتهم اليومية.

وتؤكد دراسات دولية أن الصدمات المرتبطة بالحروب قد تستمر لسنوات طويلة، وقد تنتقل آثارها بصورة غير مباشرة إلى الأجيال اللاحقة عبر أنماط التربية والعلاقات الاجتماعية والشعور العام بعدم الاستقرار.

لماذا لا تحظى الصحة النفسية بالأولوية؟

في أوقات الأزمات الكبرى، تميل الحكومات والمنظمات الإنسانية إلى التركيز على الاحتياجات الأكثر إلحاحاً مثل الغذاء والمياه والرعاية الطبية الطارئة. غير أن هذا التركيز، رغم أهميته، يؤدي أحياناً إلى تهميش ملف الصحة النفسية.

كما أن الوصمة الاجتماعية المرتبطة بالمشكلات النفسية في بعض المجتمعات تجعل كثيراً من المتضررين يترددون في طلب المساعدة أو الحديث عن معاناتهم.

التعافي يبدأ من الاعتراف بالأزمة

يرى مختصون أن التعامل مع الآثار النفسية للحرب يجب أن يكون جزءاً أساسياً من جهود إعادة بناء المجتمعات بعد النزاعات، وليس مجرد ملف ثانوي.

فالدعم النفسي والاجتماعي، وإعادة فتح المدارس، وخلق مساحات آمنة للأطفال والشباب، وتعزيز الروابط المجتمعية، كلها خطوات تسهم في استعادة الشعور بالأمان والانتماء والأمل.

إخيرا

قد تظهر صور الحرب المباني المدمرة والطرق الخالية ومخيمات النزوح، لكنها لا تستطيع أن تنقل حجم الألم الذي يعيشه الناس داخل نفوسهم. فهناك جراح لا تراها العدسات، ولا تُقاس بالأرقام والإحصاءات، لكنها قد تكون الأعمق أثراً والأطول بقاءً.

وفي نهاية المطاف، فإن إعادة إعمار الحجر تظل مهمة ممكنة، أما إعادة ترميم الإنسان فتحتاج إلى وقت أطول، وإلى إدراك حقيقي بأن الصحة النفسية ليست رفاهية، بل شرط أساسي لشفاء المجتمعات واستعادة قدرتها على الحياة من جديد

إرسال التعليق

You May Have Missed