هل التقت أطراف أميركية وأوروبية بالحركة الإسلامية السودانية؟
بين الشائعات السياسية وحقائق الدبلوماسية الخفية
تقرير صحفي لـ www.lagtaai.com
عاد اسم الحركة الإسلامية السودانية إلى واجهة الجدل السياسي مع تصاعد الحديث عن اتصالات غير معلنة بين أطراف غربية، أميركية وأوروبية، وشخصيات محسوبة على النظام السابق. غير أن مراجعة المصادر الإعلامية والدبلوماسية المتاحة لا تقدم دليلاً علنياً قاطعاً على لقاء رسمي مباشر بين واشنطن أو عواصم أوروبية والحركة الإسلامية كتنظيم سياسي.
ما تؤكده الوقائع أن الغرب، خصوصاً الولايات المتحدة وبريطانيا والاتحاد الأوروبي، أدار خلال الحرب السودانية اتصالات واسعة مع أطراف عسكرية ومدنية وإقليمية، بحثاً عن وقف إطلاق النار وفتح ممرات إنسانية وترتيبات سياسية لاحقة. وقد كشفت تقارير عن اتصالات غربية حتى مع قوات الدعم السريع، في إطار محاولات وقف الحرب، لا باعتبارها اعترافاً سياسياً كاملاً. (The Guardian)
في المقابل، ظل الموقف الأميركي المعلن من الإسلاميين أكثر تشدداً. ففي شهادة أمام الكونغرس عام 2024، تحدث المبعوث الأميركي السابق للسودان توم بيرييلو عن “تقارير موثوقة” بشأن تزايد دور عناصر سلبية، بينها الإسلاميون ومسؤولو النظام السابق، في المشهد السوداني. (Senate Foreign Relations Committee)
ثم جاء التحول الأكبر في مارس 2026، عندما أعلنت وزارة الخارجية الأميركية تصنيف “الإخوان المسلمين في السودان”، ويشمل ذلك الحركة الإسلامية السودانية وكتائب البراء بن مالك، كياناً إرهابياً، مع اتهامات باستخدام العنف ضد المدنيين وتقويض جهود إنهاء الحرب. كما أدرجت وزارة الخزانة الأميركية الكيان ضمن قوائم العقوبات. (U.S. Department of State)
هذا التصنيف يجعل الحديث عن لقاءات سياسية مفتوحة بين واشنطن والحركة الإسلامية أمراً بالغ الحساسية، إن لم يكن مستبعداً في صورته الرسمية. فالدولة التي تصنف تنظيماً إرهابياً لا يمكنها، سياسياً وقانونياً، أن تتعامل معه علناً كطرف طبيعي في التسوية.
لكن ذلك لا ينفي احتمال وجود اتصالات غير مباشرة عبر وسطاء إقليميين أو قنوات خلفية لفهم موازين القوى داخل معسكر الجيش، خاصة أن عدداً من التقارير الدولية أشار إلى تنامي نفوذ الإسلاميين والكتائب المتحالفة مع الجيش خلال الحرب. وقد نقلت تقارير دولية عن قيادات محسوبة على النظام السابق حديثاً عن الاستعداد للعودة إلى السلطة بعد الحرب. (Arab News)
أما أوروبياً، فالمعلن هو دعم مسار وقف الحرب وحماية المدنيين وتنسيق الجهود الدولية عبر مؤتمرات باريس ولندن ونيويورك، بمشاركة الاتحاد الأوروبي ودول أوروبية والولايات المتحدة وأطراف إقليمية ودولية. ولم تظهر في البيانات الرسمية الأوروبية إشارة إلى لقاء مباشر مع الحركة الإسلامية السودانية كتنظيم. (EEAS)
القراءة الأقرب للواقع أن الغرب لا يبحث عن “إعادة تأهيل” الحركة الإسلامية، بل يحاول فهم حجم نفوذها داخل الحرب ومعسكر الجيش، لأن أي تسوية سودانية لا تستطيع تجاهل القوى المسلحة والسياسية المؤثرة على الأرض. الفرق هنا مهم: الفهم الاستخباراتي أو الاتصال غير المباشر لا يعني الاعتراف السياسي، ولا يعني منح شرعية مستقبلية.
الخلاصة أن الحديث عن لقاءات أميركية وأوروبية مباشرة مع الحركة الإسلامية السودانية لا يزال، حتى الآن، بلا سند علني موثق. لكن المؤكد أن الحركة أصبحت جزءاً من حسابات الحرب والسلام، لا بوصفها طرفاً مرغوباً دولياً، بل بوصفها عاملاً مؤثراً ومثيراً للقلق في المشهد السوداني.
وبين الشائعة والحقيقة، تبدو الرسالة الغربية واضحة: لا عودة سهلة للنظام السابق، ولا تسوية مستقرة يمكن أن تتجاهل ملف الإسلاميين، ولا قبول دولي مفتوح لأي قوة متهمة بتقويض السلام أو الارتباط بالعنف المسلح .



إرسال التعليق