محررو لقطة AI
4 سبتمبر 2026
للمرة الأولى منذ اندلاع الحرب في أبريل 2023، استأنفت الأمم المتحدة من مطار الخرطوم الدولي رحلات العودة الطوعية للمهاجرين الأجانب العالقين في السودان، في خطوة تتجاوز أهميتها عدد المغادرين على متن الرحلة الأولى، إلى ما تكشفه عن عودة تدريجية لبعض الوظائف الإنسانية والدولية إلى العاصمة بعد أكثر من ثلاث سنوات من الحرب.
ونظمت المنظمة الدولية للهجرة التابعة للأمم المتحدة رحلة مستأجرة ضمن برنامج العودة الطوعية بمساعدة وإعادة الإدماج، الذي يستهدف المهاجرين الراغبين في العودة إلى بلدانهم ممن تعذر عليهم السفر بوسائلهم الخاصة، أو فقدوا مصادر رزقهم ووثائقهم وأصبحوا أكثر عرضة للمخاطر مع استمرار الحرب.
وبالنسبة إلى كثير من هؤلاء، لم تكن المشكلة مجرد الحصول على تذكرة طيران. سنوات الحرب أغلقت طرقًا، وعطلت خدمات قنصلية، وأوقفت مطارات، وتركت أجانب دخل بعضهم السودان للعمل أو الإقامة قبل الحرب عالقين في بلد لم تعد لديهم فيه مصادر دخل مستقرة أو وسيلة آمنة للمغادرة.
ولهذا تحمل الرحلة بعدًا إنسانيًا مباشرًا، لكنها تحمل أيضًا دلالة أخرى تتعلق بالخرطوم نفسها.
المطار يعود إلى وظيفة فقدها مع الحرب
كان مطار الخرطوم أحد المواقع التي دخلت قلب المواجهة منذ الساعات الأولى لاندلاع القتال في 15 أبريل 2023.
توقفت الرحلات، وتعرضت أجزاء من منشآته وطائرات رابضة فيه لأضرار، وانتقل الثقل الجوي والإنساني والدبلوماسي تدريجيًا إلى بورتسودان، التي تحولت خلال الحرب إلى البوابة الرئيسية التي تربط السودان بالعالم الخارجي.
وبعد تغير السيطرة العسكرية على العاصمة، بدأت عملية بطيئة لإعادة المطار إلى الخدمة.
عودة رحلات الأمم المتحدة الإنسانية كانت إحدى إشارات هذا التحول، لكن تشغيل رحلة دولية مخصصة لإعادة مهاجرين من الخرطوم يضيف وظيفة جديدة: المطار لم يعد يُستخدم فقط باعتباره منشأة يجري اختبار قدرتها على العمل، وإنما بدأ يدخل مجددًا في برامج إنسانية دولية مخطط لها.
وهذا فارق مهم.
فالمنظمات الدولية تحتاج قبل تنفيذ مثل هذه العمليات إلى ترتيبات أمنية وتشغيلية وقنصلية ولوجستية، وإلى قدرة على نقل المسافرين واستكمال إجراءاتهم وضمان وصولهم إلى الطائرة ثم استقبالهم في بلدانهم.
لذلك لا تعني الرحلة أن مطار الخرطوم استعاد كامل قدرته السابقة، لكنها تشير إلى أن مستوى الثقة التشغيلية فيه أصبح يسمح بتنفيذ عمليات لم تكن ممكنة خلال سنوات طويلة من الحرب.
من هم العائدون؟
تأتي العملية ضمن برنامج أوسع للمنظمة الدولية للهجرة لمساعدة المهاجرين المستضعفين والعالقين داخل السودان، وبينهم مواطنون من دول أفريقية مثل النيجر ونيجيريا وإثيوبيا.
ويختلف برنامج العودة الطوعية عن الترحيل القسري.
فالمبدأ الذي يقوم عليه البرنامج هو أن يختار المهاجر العودة بعد التسجيل وتقييم حالته وتقديم المشورة له، ثم تساعده المنظمة في إجراءات السفر والوصول، وقد يمتد الدعم إلى مرحلة إعادة الاندماج بعد العودة إلى بلده.
وفي الحالة الحالية، دخلت جهات دبلوماسية أيضًا في ترتيبات العملية، بما في ذلك تقديم وثائق سفر طارئة لمن فقدوا جوازاتهم أو انتهت صلاحيتها، بينما ساعدت السلطات السودانية في استكمال إجراءات المغادرة.
وهذه التفاصيل مهمة لأن الحرب لم تعطل حركة السودانيين وحدهم.
فالسودان، قبل أبريل 2023، كان بلد مقصد وعبور وإقامة لأعداد كبيرة من مواطني الدول المجاورة، كما كان جزءًا من مسارات هجرة تمتد بين القرن الأفريقي وشمال القارة وصولًا إلى البحر المتوسط.
وعندما اندلعت الحرب، وجد جزء من هؤلاء أنفسهم داخل أزمة لم يكونوا طرفًا فيها، وفي حالات كثيرة من دون شبكة اجتماعية أو موارد مالية تسمح لهم بالمغادرة.
الخرطوم تعود.. لكن إلى ماذا؟
قد يكون من السهل النظر إلى إقلاع طائرة أممية من مطار الخرطوم باعتباره علامة أخرى على عودة العاصمة إلى الحياة الطبيعية.
لكن الصورة أكثر تعقيدًا.
عودة المطار إلى العمل لا تعني أن المدينة تجاوزت آثار الحرب.
فالخرطوم التي تستعيد جزءًا من حركة الطيران هي نفسها المدينة التي تعرضت أحياء واسعة منها للدمار والنهب، وتضررت فيها شبكات المياه والكهرباء والمرافق الصحية والتعليمية، ولا تزال عملية إزالة مخلفات الحرب والذخائر غير المنفجرة تمثل تحديًا أمام عودة السكان بصورة آمنة.
ولهذا تظل الأمم المتحدة تحذر من أن العودة إلى المناطق التي تراجع فيها القتال لا تعني بالضرورة العودة إلى ظروف معيشية طبيعية.
وهنا ينبغي الفصل بين مفهومين كثيرًا ما يختلطان في مرحلة ما بعد القتال: استعادة السيطرة على المدينة، واستعادة قدرة المدينة على الحياة.
الأولى يمكن أن تتحقق عسكريًا.
أما الثانية فتحتاج إلى مؤسسات وخدمات وأمن وإعادة إعمار وفرص عمل، وهي عملية أطول بكثير.
السودانيون يعودون.. والأجانب يغادرون
وتكتسب رحلة العودة الطوعية معنى إضافيًا لأنها تحدث بينما تسير حركة بشرية أخرى في الاتجاه المعاكس.
ففي الوقت الذي تساعد فيه الأمم المتحدة أجانب عالقين على مغادرة الخرطوم والعودة إلى بلدانهم، يستمر سودانيون في العودة إلى العاصمة بعد سنوات قضوها نازحين داخل البلاد أو لاجئين خارجها.
وكانت بيانات المنظمة الدولية للهجرة قد سجلت عودة أعداد كبيرة إلى المناطق التي انخفضت فيها حدة القتال، بينما عبر مئات الآلاف الحدود عائدين إلى السودان من دول الجوار منذ 2024، وكان القادمون من مصر يمثلون نسبة كبيرة منهم.
وهذا يعني أن الخرطوم أصبحت تشهد حركتين متزامنتين تبدوان متناقضتين ظاهريًا، لكن الحرب تفسرهما معًا.
أجانب يريدون إنهاء سنوات من العالقين داخل السودان، وسودانيون يريدون إنهاء سنوات النزوح والعودة إلى بيوتهم، حتى عندما تكون تلك البيوت أو الأحياء التي تركوها قد تغيرت جذريًا.
وفي الحالتين، المطار ليس سوى نقطة البداية أو النهاية لرحلة أكبر.
عودة المطار أسرع من عودة المدينة
القيمة الحقيقية لهذا التطور، إذن، لا تكمن في عدد الأشخاص الذين غادروا على متن الرحلة الأولى، بل في أن مطار الخرطوم بدأ يستعيد وظيفة فقدها منذ الأيام الأولى للحرب: أن يكون بوابة تتعامل معها المؤسسات الدولية بصورة مباشرة، لا مجرد منشأة تحاول العودة إلى التشغيل.
وإذا تحولت رحلات العودة الطوعية إلى برنامج منتظم، فقد يخف ذلك من الاعتماد شبه الكامل على بورتسودان في بعض العمليات الإنسانية، ويمنح المنظمات الدولية منفذًا أقرب إلى ملايين السكان في الخرطوم ووسط السودان.
لكن من المبكر قراءة إقلاع طائرة أممية باعتباره إعلانًا عن عودة العاصمة إلى طبيعتها.
عودة المطار أسرع من عودة المدينة نفسها.
يمكن إصلاح مدرج وتشغيل صالة واستقبال طائرة، لكن استعادة الخرطوم كمدينة قابلة للحياة تحتاج إلى ما هو أصعب: ماء وكهرباء ومستشفيات ومدارس وأمن وفرص عمل ومؤسسات تستطيع خدمة ملايين الأشخاص الذين يعودون إليها.
ولهذا فإن الاختبار الحقيقي لتعافي الخرطوم لن يكون عدد الطائرات التي تقلع وتهبط في مطارها، بل ما إذا كان الشخص الذي يصل عبر ذلك المطار سيجد مدينة يستطيع أن يبدأ فيها حياته من جديد.
وفي ذلك مفارقة تختصر جانبًا من السودان بعد أكثر من ثلاث سنوات من الحرب: أجانب وجدوا أخيرًا طريقًا منظمًا للخروج من الخرطوم، بينما يعود إليها سودانيون بحثًا عن الطريق إلى حياتهم القديمة.
لقطة AI… عين ترصد الحدث. وعقل يقرأ المشهد.
التعليقات
0 تعليقات