محررو لقطة AI
6 سبتمبر 2026
لم تنته قصة السواتر الترابية حول الفاشر بسقوط المدينة.
بعد نحو عشرة أشهر من سيطرة قوات الدعم السريع على عاصمة شمال دارفور، عادت الجرافات وأعمال الحفر إلى محيطها، في مشهد يعيد إلى الذاكرة أحد أكثر فصول حصار الفاشر قسوة، لكن هذه المرة في سياق مختلف: القوة التي كانت تحاصر المدينة من الخارج أصبحت تسيطر عليها من الداخل، ثم تعيد تحصين محيطها وتشدد حركة المدنيين عبر منافذها.
وقال شهود عيان، بينهم عاملون في المجال الإنساني، إن قوات الدعم السريع والقوات المتحالفة معها كثفت خلال الأيام الأخيرة أعمال تدعيم السواتر الترابية والخنادق في الاتجاهات الشمالية والغربية والجنوبية للفاشر، بالتزامن مع تشديد القيود على حركة المدنيين من المدينة وإليها.
وبحسب الشهادات التي نقلتها «دارفور24»، تقلصت طرق العبور المتاحة إلى درجة أن طريقًا واحدًا فقط ظل مفتوحًا، وهو الطريق الذي يربط مخيم زمزم بمدينة الفاشر.
هذه المعلومة هي قلب القصة.
فالساتر هنا ليس مجرد تحصين عسكري.
إنه يتحول عمليًا إلى أداة تتحكم في من يدخل المدينة ومن يستطيع مغادرتها.
المدنيون يعودون إلى الفاشر بحثًا عن المال
المفارقة أن تشديد المنافذ يأتي بينما تشهد الفاشر حركة مدنيين من اتجاه آخر.
فبحسب الشهود، بدأ مواطنون من تجمعات النازحين في طويلة ومن مناطق الريف الشرقي للفاشر بالتوجه إلى المدينة للتسجيل والحصول على مساعدات نقدية يقدمها المجلس النرويجي للاجئين ومنظمات إنسانية أخرى.
كان بعضهم يدخل، يحصل على المساعدة، ثم يغادر.
لكن توسيع السواتر والخنادق وتشديد نقاط العبور جعل هذه الحركة أصعب.
وهكذا تظهر مفارقة إنسانية قاسية:
المدني يحتاج إلى دخول المدينة للحصول على الإغاثة، لكنه قد يواجه صعوبة أكبر في الخروج منها بعد الحصول عليها.
وهذا يجعل أي إغلاق إضافي للطريق المتبقي أكثر من مجرد تطور عسكري.
قد يتحول إلى مشكلة مباشرة في إيصال المساعدة وحركة النازحين والعاملين الإنسانيين.
لماذا تحصّن الدعم السريع مدينة يسيطر عليها أصلًا؟
لا توجد حتى الآن إفادة رسمية موثوقة من قوات الدعم السريع تشرح أسباب موجة التحصينات الجديدة.
ولهذا لا ينبغي الجزم بأنها استعداد لهجوم وشيك للجيش أو القوة المشتركة، كما ذهبت بعض المواقع إلى القول؛ المصادر الأصلية التي أمكن التحقق منها تتحدث عن تعزيزات وتحكم في الحركة، لكنها لا تقدم دليلًا مستقلًا يثبت أن هجومًا محددًا بات وشيكًا.
لكن عسكريًا، تثير التحصينات سؤالًا مشروعًا.
فالقوة التي سيطرت على آخر المعاقل الرئيسية للجيش في دارفور في أكتوبر الماضي لا تزال تتعامل مع الفاشر بوصفها موقعًا يحتاج إلى دفاع خارجي مشدد.
وقد يعني ذلك الرغبة في حماية المدينة من أي محاولة اختراق أو هجوم مضاد، وتأمين المداخل، وضبط حركة الأشخاص والمركبات.
لكن الجانب الآخر لا يقل أهمية:
الخنادق والحواجز تسمح أيضًا بمراقبة المدنيين والتحكم في طرق خروجهم ودخولهم.
وهنا تلتقي الوظيفة العسكرية بالنتيجة الإنسانية.
الخندق القديم لم يكن مجرد خط دفاع
لفهم خطورة ما يحدث الآن، يجب العودة عامًا إلى الوراء.
الأمم المتحدة وثقت أن قوات الدعم السريع بدأت أثناء حصار الفاشر السابق بناء شبكة من السواتر الترابية والخنادق لعزل المدينة، وأن طول الشبكة تجاوز 30 كيلومترًا بحلول أغسطس 2025، مع إغلاق الطرق الرئيسية وجعل خروج المدنيين ودخول المساعدات شبه مستحيل.
وفي مراحل لاحقة أظهرت تحليلات الأقمار الصناعية توسع شبكة التحصينات بدرجة أكبر حول المدينة.
لم تكن تلك مجرد منشآت عسكرية صامتة.
بعثة تقصي الحقائق التابعة للأمم المتحدة قالت إن قوات الدعم السريع أقامت مواقع على الممرات الرئيسية وشددت الحصار، وإن السواتر والخنادق ساهمت في منع المدنيين من الفرار وعرقلة وصول الغذاء والدواء.
وبعد سقوط المدينة ظهرت أدلة أكثر خطورة.
من «خندق الحصار» إلى مسرح للقتل
منظمة «هيومن رايتس ووتش»، التي قابل باحثوها ناجين من الفاشر، قالت إن الخندق والساتر المحيطين بالمدينة تحولا خلال الهجوم الأخير في أكتوبر 2025 إلى مواقع شهدت عمليات قتل جماعي.
ووصف ناجون تعرض مجموعات من المدنيين الفارين لإطلاق النار أثناء محاولتهم اجتياز الخندق أو بعد خروجهم منه، خصوصًا في الطريق المؤدي نحو قرني شمال غرب المدينة.
كما خلصت منظمة العفو الدولية، بعد تحقيق استمر ثمانية أشهر وشمل 247 مقابلة، إلى أن قوات الدعم السريع ارتكبت خلال حصار الفاشر والسيطرة عليها جرائم ضد الإنسانية شملت القتل والنقل القسري والسجن والتعذيب والعنف الجنسي والاضطهاد.
ولهذا فإن رؤية شبكة السواتر نفسها تُعزز اليوم ليست تفصيلًا هندسيًا عابرًا.
لها ذاكرة ثقيلة لدى سكان المدينة.
الفاشر بعد السقوط ليست الفاشر قبل السقوط
هناك تحول سياسي وعسكري ينبغي ألا يضيع وسط تفاصيل الخنادق.
قبل أكتوبر 2025، كانت الفاشر آخر مركز رئيسي للجيش السوداني وحلفائه في دارفور.
وكانت معركة السواتر جزءًا من محاولة الدعم السريع دخول المدينة.
اليوم تغيرت المعادلة.
الدعم السريع موجود داخل الفاشر.
وبالتالي فإن السواتر الجديدة مرتبطة هذه المرة بالحفاظ على السيطرة وتنظيم المجال المحيط بها أكثر من كونها مجرد وسيلة لحصار خصم موجود في الداخل.
وهذا ربما يكون أهم تحول في الخبر كله:
الخندق الذي كان يرسم حدود الحصار أصبح يرسم حدود السيطرة.
طريق زمزم.. لماذا يجب مراقبته؟
إذا صحت شهادات أن طريق زمزم–الفاشر هو المنفذ الوحيد المتبقي، فإنه يصبح نقطة شديدة الحساسية خلال الأيام المقبلة.
ليس فقط عسكريًا.
إنسانيًا أيضًا.
أي إغلاق لهذا المسار قد يعني تقييد حركة المدنيين بصورة شبه كاملة، خصوصًا أولئك الذين يتحركون بين مناطق النزوح والفاشر بحثًا عن مساعدات أو خدمات.
ولذلك فإن التطور الذي يجب مراقبته ليس زيادة متر أو كيلومتر جديد من الساتر.
بل هل سيظل طريق زمزم مفتوحًا؟
وهل تستطيع المنظمات الإنسانية الوصول بحرية؟
وهل يستطيع الشخص الذي يدخل الفاشر أن يخرج منها متى شاء؟
هذه الأسئلة أكثر أهمية من شكل الخندق نفسه.
مدينة خلف التراب
بعد سقوط الفاشر، كان يمكن افتراض أن السواتر التي خنقت المدينة فقدت وظيفتها الأساسية.
ما يحدث الآن يقول العكس.
إنها تُرمم وتُوسع ويُعاد استخدامها.
ولا توجد حتى الآن معلومات مستقلة كافية تسمح بالجزم بالهدف العسكري المباشر من كل هذه التحصينات الجديدة، لكن أثرها على حركة المدنيين بدأ يظهر بالفعل.
في العام الماضي كان السؤال: هل تستطيع الفاشر الصمود داخل الحصار؟ أما اليوم، بعد أن تغيرت السيطرة على المدينة، فالسؤال أكثر غرابة وقلقًا: لماذا تحتاج القوة التي سيطرت على الفاشر إلى إحاطتها بالخنادق مرة أخرى؟
وإذا أُغلق طريق زمزم، فلن يكون الخبر أن ساترًا ترابيًا جديدًا اكتمل.
سيكون الخبر أن مدينة كاملة أصبحت خلف التراب.
لقطة AI… عين ترصد الحدث. وعقل يقرأ المشهد
التعليقات
0 تعليقات