محررو لقطة AI
6 سبتمبر 2026
لم تحتج أزمة الخبز في الخرطوم إلى وقت طويل حتى تعود إلى الواجهة. فمع تراجع الجنيه وارتفاع تكاليف الإنتاج، تحركت حكومة الولاية لإيقاف زيادة جديدة رفعت سعر قطعة الخبز إلى 500 جنيه، معلنة إعفاء المخابز من جميع الرسوم المحلية حتى نهاية العام، ومطالبتها بالعودة إلى الأسعار السابقة.
القرار يبدو، في ظاهره، إجراءً مباشرًا لتخفيف العبء عن المستهلك. لكن الأرقام التي دفعت إليه تكشف مشكلة أعمق: سعر جوال الدقيق قفز من 77 ألف جنيه إلى 108 آلاف جنيه، أي بنحو 40%، بالتزامن مع ارتفاع أسعار الزيت والخميرة وأجور العاملين.
وهذا يعني أن المعركة حول سعر الرغيف ليست في حقيقتها خلافًا بين الحكومة وأصحاب المخابز على التسعيرة، بقدر ما هي انعكاس لأزمة تكلفة تمتد من سعر الصرف والاستيراد إلى المطاحن، ثم المخبز، وتنتهي في جيب المواطن.
من ثلاث قطع بألف إلى 500 جنيه للرغيف
قبل الزيادة الأخيرة، كانت ثلاثة أرغفة تباع بألف جنيه. لكن بعض المخابز انتقلت إلى تسعيرة تبلغ 500 جنيه للقطعة الواحدة، بعد أن أعلن اتحاد المخابز بولاية الخرطوم تعديل السعر على خلفية الارتفاع المتتالي في مدخلات الإنتاج.
بالنسبة إلى أسرة تعتمد على الخبز يوميًا، لا تبدو الزيادة صغيرة.
ثلاث قطع كانت تكلف ألف جنيه أصبحت، وفق التسعيرة الجديدة، تكلف 1500 جنيه. وإذا تضاعف ذلك على أفراد الأسرة وعلى مدار الشهر، تتحول الزيادة إلى عبء جديد يضاف إلى الغذاء والمواصلات والكهرباء وبقية متطلبات الحياة.
ولهذا تدخلت الولاية.
اجتماع موسع ترأسه والي الخرطوم أحمد عثمان حمزة، بمشاركة وزارة الصناعة والتجارة والمحليات وشركات المطاحن ووكلاء توزيع الدقيق وأصحاب المخابز، انتهى إلى إعفاء المخابز من الرسوم التي تفرضها المحليات حتى نهاية 2026، مع الالتزام بالأسعار السابقة.
لكن هناك تفصيل مهم:
السعر النهائي لم يُحسم بعد.
فقد تقرر عقد اجتماع آخر لوضع اللمسات النهائية بشأن التسعير. وهذا يعني أن قرار العودة إلى السعر السابق يمثل محاولة عاجلة لوقف الزيادة، بينما لا تزال معادلة التكلفة نفسها قيد التفاوض.
هل تكفي إزالة الرسوم؟
هذا هو السؤال الاقتصادي الأهم في القرار.
إعفاء المخابز من الرسوم يقلل جزءًا من تكاليف التشغيل، وقد يمنح أصحابها مساحة للعودة عن الزيادة. لكنه لا يعالج وحده السبب الأكبر الذي دفع الأسعار إلى الصعود: الدقيق نفسه أصبح أغلى بنحو 40%.
فإذا كان جوال الدقيق ارتفع بمقدار 31 ألف جنيه، إلى جانب ارتفاع الزيت والخميرة والأجور، فإن معرفة حجم الرسوم التي ألغتها الولاية مقارنة بتلك الزيادة تصبح ضرورية للحكم على قدرة القرار على تثبيت السعر لفترة طويلة.
ولهذا تبدو الإشارة الحكومية إلى تشكيل لجنة لمعالجة مشكلات انسياب الدقيق أكثر أهمية من الإعفاء نفسه.
فالخبز لا يستقر بقرار إداري إذا بقي الدقيق يتغير سعره كل عدة أيام.
الجنيه يقف خلف الرغيف
الأزمة تكشف مرة أخرى مدى سرعة انتقال تراجع العملة السودانية إلى حياة الناس اليومية.
جزء مهم من احتياجات إنتاج الخبز يرتبط بالاستيراد أو بسلع تتأثر بسعر العملات الأجنبية. وعندما يضعف الجنيه، لا يبقى أثر ذلك في سوق الصرف؛ ينتقل إلى الدقيق والوقود والنقل وقطع الغيار والمواد المستخدمة في الإنتاج.
سودان تربيون ربطت الزيادة الأخيرة مباشرة بالتراجع المستمر للجنيه أمام العملات الأجنبية وما ترتب عليه من ارتفاع تكلفة الدقيق ومدخلات صناعة الخبز.
وهنا تظهر المعضلة.
يمكن للحكومة أن تحدد سعر الرغيف.
لكنها لا تستطيع ضمان استمرار ذلك السعر ما لم تستطع أيضًا السيطرة على العوامل التي تحدد تكلفة إنتاجه.
الخرطوم التي يعود إليها السكان
هناك بعد آخر يجعل توقيت الأزمة حساسًا.
الخرطوم ليست اليوم المدينة نفسها التي كانت عليها خلال ذروة القتال. عودة أعداد من السكان إلى مناطق العاصمة تعني عودة الطلب على الأسواق والخدمات والمياه والكهرباء والمواصلات، وبالطبع الخبز.
ومع كل عائلة تعود، يرتفع الضغط على منظومة إنتاج لم تستعد كامل قدرتها بعد.
ولهذا فإن وفرة الخبز قد تصبح أحد المؤشرات اليومية الأكثر وضوحًا على قدرة العاصمة على العودة إلى حياة طبيعية.
فالحديث عن عودة السكان لا يكتمل بفتح الطرق والمقار الحكومية.
الاختبار الحقيقي يبدأ عندما يحتاج العائد إلى شراء الخبز والماء والدواء ودفع أجرة المواصلات كل صباح.
محاولة لتثبيت السعر أم تأجيل للزيادة؟
الولاية تقول إن أولويتها هي المواطن وإنها تريد ضمان وفرة الخبز ومنع انتقال الزيادة الأخيرة إليه. كما وعدت الجهات المعنية بأن الخبز سيظل متوفرًا.
لكن الأيام المقبلة ستكشف قدرة هذا التدخل على الصمود.
إذا حافظت المطاحن على تدفق الدقيق واستطاعت الحكومة تخفيف تكلفة الإنتاج بما يكفي، فقد ينجح إلغاء الرسوم في امتصاص جزء من الزيادة.
أما إذا واصل سعر الدقيق ارتفاعه بفعل تراجع الجنيه، فستعود المعادلة نفسها إلى طاولة الاجتماع:
من يدفع الفارق؟
المخبز؟
الحكومة؟
أم المواطن؟
وهذه هي العقدة التي واجهت سياسات الخبز في السودان مرارًا.
فتثبيت السعر أسهل من تثبيت التكلفة.
الرغيف كمقياس للاقتصاد
ربما يبدو القرار محليًا ومحدودًا بولاية الخرطوم، لكنه يقدم صورة مصغرة عن الأزمة الاقتصادية السودانية الأوسع.
عندما ترتفع العملة الأجنبية، يتحرك الدقيق.
عندما يرتفع الدقيق، يتحرك المخبز.
وعندما يتحرك سعر الخبز، تصل الأزمة الاقتصادية مباشرة إلى مائدة الأسرة.
ولهذا فإن نجاح الحكومة لن يُقاس فقط بإعلان إعفاء المخابز من الرسوم، بل بما إذا كان المواطن سيجد الرغيف بعد أسبوع وشهر بالسعر الذي أُعلن عنه، وما إذا كان المخبز نفسه يستطيع الاستمرار في إنتاجه من دون خسارة.
في الخرطوم التي تحاول استعادة إيقاع الحياة بعد الحرب، قد يبدو الرغيف تفصيلًا صغيرًا أمام ملفات الأمن والإعمار والسياسة. لكنه بالنسبة إلى المواطن هو أحد أكثر الاختبارات صدقًا: إذا عادت المدينة ولم يعد بمقدور سكانها شراء خبزهم، فإن العودة نفسها تظل ناقصة.
لقطة AI… عين ترصد الحدث. وعقل يقرأ المشهد.
التعليقات
0 تعليقات