محررو لقطة AI – 13
7 سبتمبر 2026
خلف أرقام القتلى والنازحين والجوعى في السودان توجد مأساة أخرى أقل ظهورًا، لكنها ربما تكون الأكثر قسوة على آلاف الأسر: أشخاص خرجوا من منازلهم ولم يعودوا، ومعتقلون انقطعت أخبارهم، وجثامين دُفنت بلا أسماء، وعائلات عالقة منذ سنوات بين انتظار العودة والخوف من خبر الموت.
أعلن ممثل اللجنة الدولية للصليب الأحمر في السودان أن عدد حالات المفقودين النشطة المسجلة لديها تجاوز 11 ألف حالة، بينها أكثر من تسعة آلاف حالة وُثقت منذ اندلاع الحرب في أبريل 2023. الرقم لا يمثل جميع المفقودين في البلاد؛ إنه فقط ما وصل رسميًا إلى سجلات اللجنة، ما يعني أن الحجم الحقيقي قد يكون أكبر.
الجديد في الرقم أنه يكشف سرعة نمو أزمة المفقودين. ففي مايو الماضي كانت تقارير «أسوشيتد برس» تتحدث عن أكثر من ثمانية آلاف حالة مسجلة، بينما تجاوز العدد الآن 11 ألفًا. أي أن الحرب لا تنتج قتلى ونازحين فقط، بل تواصل إنتاج أشخاص تختفي آثارهم بالكامل.
وقال فريد الحميد، المتحدث باسم اللجنة الدولية للصليب الأحمر، إن اللجنة تمكنت خلال النصف الأول من 2026 من تحديد مصير أو مكان 613 شخصًا من المسجلين في قوائم المفقودين، كما ساعدت أكثر من 38,500 أسرة على استعادة الاتصال بأقاربها أو الحفاظ عليه. لكن مقارنة هذه الأرقام بأكثر من 11 ألف ملف نشط تكشف حجم الفجوة بين عدد من يختفون وقدرة المؤسسات على الوصول إليهم.
آلاف الجثامين.. وأسماء تضيع
الجانب الأخطر يرتبط بالجثامين التي دُفنت أثناء المعارك دون إجراءات توثيق طبي أو قانوني كاملة.
وقال ممثل الصليب الأحمر إن تقارير تشير إلى انتشال ودفن أكثر من 20 ألف جثمان في العاصمة وحدها دون سجلات رسمية مكتملة. كما وزعت اللجنة أكثر من 6,400 كيس مخصص للجثامين، ودربت فرق الطوارئ على إجراءات الدفن التي تحفظ المعلومات الضرورية للتعرف لاحقًا على هوية الموتى.
هذه ليست مشكلة إدارية.
فإذا دُفن شخص مجهول دون تسجيل مكانه أو أخذ عينة يمكن مقارنتها لاحقًا بالحمض النووي لأسرته، فقد يتحول المفقود عمليًا إلى شخص بلا قبر معروف.
وتزداد المشكلة لأن البنية التحتية للطب الشرعي في الخرطوم تعرضت لأضرار كبيرة خلال الحرب، فيما سبق لمسؤولين في الطب الشرعي أن تحدثوا عن نقص حاد في إمكانات فحص الحمض النووي.
السجون جزء من اللغز
هناك سبب آخر يجعل الرقم مرشحًا للارتفاع.
الصليب الأحمر يقول إن الوصول إلى مراكز الاحتجاز الرسمية وغير الرسمية ما يزال مقيدًا لدى طرفي الحرب، وهو ما يمنع الجهات المستقلة من معرفة عدد المعتقلين والتحقق من ظروفهم وربط بعض ملفات المفقودين بأشخاص ربما ما يزالون أحياء داخل أماكن احتجاز.
وهنا يلتقي ملف المفقودين بملف تبادل الأسرى والمعتقلين الذي بدأ يتحرك دبلوماسيًا.
فقد بحث المبعوث الأممي بيكا هافيستو مع قائد الجيش السوداني عبد الفتاح البرهان في الخرطوم إجراءات محتملة لتبادل الأسرى والإفراج عن المدنيين المحتجزين، بالتنسيق مع اللجنة الدولية للصليب الأحمر.
إذا تطور هذا المسار إلى تبادل فعلي وقوائم موثقة للمحتجزين، فقد لا يكون أثره سياسيًا وعسكريًا فقط؛ قد يقدم لأول مرة إجابات لآلاف الأسر التي لا تعرف هل أقاربها معتقلون أم مفقودون أم قتلى.
قصة أم تختصر الرقم كله
قبل أشهر وثقت «أسوشيتد برس» رحلة السودانية سلافة مصطفى التي تبحث عن ابنها سليمان عبدالسيد، الذي اختفى بعد خروجه لزيارة صديق قرب الخرطوم.
بحثت عنه في المستشفيات والسجون والأحياء، وحملت صورته بين الناس، ووصل بها الأمر إلى استئجار مكبر صوت والمناداة باسمه في الشوارع.
هذه القصة تشرح ما لا يقوله رقم 11 ألفًا.
فلكل اسم في القائمة أسرة معلقة.
لا تستطيع إعلان الوفاة.
ولا تستطيع انتظار العودة بثقة.
ولا تعرف إن كان الشخص بحاجة إلى محامٍ، أو دواء، أو قبر.
هذا ما يسميه متخصصون الفقد الغامض: غياب لا يمنح الأسرة حتى النهاية التي تسمح لها بالحزن.
لماذا هذه القضية مهمة الآن؟
كلما طال زمن الحرب، أصبحت معرفة المصير أصعب.
المقابر المؤقتة تتغير.
الشهود يتفرقون.
أماكن الاحتجاز تُنقل أو تُغلق.
والوثائق تضيع.
لهذا فإن إنشاء سجل وطني موحد للمفقودين والمعتقلين والجثامين مجهولة الهوية ليس ملفًا يمكن تأجيله إلى ما بعد الحرب.
إنه عمل يجب أن يبدأ الآن.
السودان لديه أكثر من 11 ألف شخص مسجلين رسميًا كمفقودين، لكن المأساة الحقيقية ليست الرقم. المأساة أن آلاف الأسر تستيقظ كل صباح أمام السؤال نفسه: أين هو؟ وبعد أكثر من ثلاث سنوات من الحرب، أصبح العثور على إجابة جزءًا من العدالة نفسها، لا مجرد عمل إنساني.
التعليقات
0 تعليقات