محررو لقطة AI
8 سبتمبر 2026
من رياض الأطفال إلى المساجد، ومن أندية الشباب إلى ميادين الأحياء، بدأت ساحات عامة في مدينة نيالا تتحول من مساحات خدمية يعرفها السكان منذ سنوات إلى موضوع بلاغات ودعاوى قضائية.
القضية التي ظلت خلال الأشهر الماضية تتحرك في دائرة الشكاوى والاتهامات دخلت الآن مرحلة مختلفة: السكان أنفسهم بدأوا اللجوء إلى القانون لاستعادة الأراضي التي يقولون إنها خُططت أو وُزعت لمصلحة أفراد خلال سنوات الحرب.
وبحسب معلومات نشرتها «دارفور24»، شرع مواطنون في عدد من أحياء نيالا، عاصمة ولاية جنوب دارفور، في اتخاذ إجراءات قانونية ضد أشخاص يتهمونهم بالتصرف في ساحات عامة كانت مخصصة للخدمات ودور العبادة، مستفيدين من قرار أصدرته حكومة «تأسيس» بإلغاء الإجراءات التي تمت بشأن هذه الأراضي بعد 15 أبريل 2023. (موقع دارفور٢٤ الاخباري)
القرار، إذا نُفذ بصورة كاملة وشفافة، لا يتعلق ببضعة أمتار داخل حي سكني.
إنه يفتح واحدًا من أكثر ملفات الحرب تعقيدًا وحساسية في نيالا: ماذا حدث للأرض عندما انهارت مؤسسات الدولة وتغيرت السلطة التي تدير المدينة؟
ثلاثة آلاف متر في حي واحد
في حي الوحدة جنوب نيالا، قال المواطن عبدالله عبدالجبار إن السكان بدأوا تدوين بلاغات ضد أشخاص قاموا بتخطيط قطعة كانت مخصصة لرياض أطفال وأخرى لنادٍ يخدم شباب الحي.
وتقدر مساحة الأراضي محل النزاع هناك بنحو ثلاثة آلاف متر مربع، وفق إفادته.
السكان، بحسب عبدالجبار، يعرفون الأشخاص الذين يتهمونهم بالتصرف في الأراضي، وعقدوا اجتماعات داخل الحي وبدأوا جمع الأموال اللازمة لمتابعة القضية أمام الجهات القانونية. (موقع دارفور٢٤ الاخباري)
هذه التفاصيل مهمة.
لأن القضية لم تعد شكوى عامة من «فساد الأراضي».
هناك قطع محددة.
وأغراض خدمية محددة.
وأشخاص يقول السكان إنهم يعرفونهم.
وبلاغات يجري إعدادها.
وهنا يصبح ممكناً، للمرة الأولى، نقل الملف من الاتهامات المتداولة في المجالس والأسواق إلى مستندات يمكن فحصها: من خصص الأرض؟ متى؟ بأي سلطة؟ ولمن انتقلت؟
مسجد يتحول إلى قطعة بناء
في حي الوالي بأقصى جنوب نيالا، تحرك السكان بطريقة أكثر مباشرة.
وقال المواطن إسحاق إدريس إنهم تمكنوا من وقف تشييد مبانٍ على قطعة أرض كانت مخصصة لبناء مسجد. (موقع دارفور٢٤ الاخباري)
وفي حي الثورة شمال المدينة، قال مواطنون إنهم يستعدون لتدوين بلاغ ضد ضابط في قوات الدعم السريع يتهمونه بالاستيلاء على ساحة مخصصة لتكون ميدانًا للحي.
هذه اتهامات من السكان، ولم تعرض المادة المنشورة رد الضابط المعني أو حكمًا قضائيًا يثبت الواقعة، ولذلك ينبغي التعامل معها باعتبارها ادعاءات يجري السعي لاختبارها أمام الجهات القانونية، لا أحكامًا نهائية.
لكن مجرد وصول النزاع إلى شخص داخل القوة المسيطرة على المدينة يجعل القضية أكثر حساسية.
فالاختبار الحقيقي للقانون يبدأ عندما يكون الشخص المشكو ضده صاحب نفوذ.
كرري يتحرك أيضًا
المشهد نفسه يتكرر في حي كرري جنوب نيالا.
هناك بدأ مواطنون إجراءات قانونية ضد أشخاص يتهمونهم بالوقوف خلف توزيع ساحات عامة داخل الحي. (موقع دارفور٢٤ الاخباري)
وعندما تظهر الشكاوى في الوحدة والوادي والثورة وكرري، يصعب التعامل مع الأمر باعتباره نزاعًا فرديًا على قطعة واحدة.
الأقرب أننا أمام ملف مدينة.
وهذا ما تؤكده تقارير سابقة.
ففي أغسطس اشتكى تجار وقيادات أهلية من عمليات تخطيط طالت أجزاءً من الساحات العامة داخل أسواق نيالا، محذرين من أن تحويلها إلى ملكيات أو استخدامات خاصة لا يسلب المدينة متنفساتها فقط، وإنما يضر أيضًا بمسارات الحركة والسلامة ومكافحة الحرائق داخل الأسواق. (Dabanga Radio TV Online)
الغرفة التجارية في نيالا أثارت المخاوف نفسها.
إذن القضية تمتد من الأحياء السكنية إلى قلب النشاط التجاري.
ماذا حدث بعد 15 أبريل؟
هذا هو السؤال الذي يجب أن يبدأ منه أي تحقيق جاد.
الحرب التي اندلعت في 15 أبريل 2023 لم تغير السيطرة العسكرية على المدن فقط.
لقد أضعفت أجهزة الدولة والسجلات والرقابة والمجالس المحلية والنيابات والوزارات التي يفترض أن تضبط التصرف في الأرض.
وفي نيالا، التي أصبحت لاحقًا أحد أهم مراكز سيطرة الدعم السريع ثم مقرًا سياسيًا وإداريًا رئيسيًا لتحالف «تأسيس»، ظهرت خلال هذه الفترة سوق جديدة للنفوذ حول الأراضي.
«دارفور24» تقول إن سماسرة نشطوا، بالتعاون مع جهات نافذة في إدارة الأراضي، في توزيع ساحات عامة واحتياطيات حكومية. كما سبق أن احتجزت قوات الدعم السريع مسؤولين حكوميين على خلفية اتهامات مرتبطة بالتصرف في الأراضي، ولا يزال بعضهم محتجزًا. (موقع دارفور٢٤ الاخباري)
مرة أخرى، هذه ملفات اتهام وتحقيق، وليست جميعها قضايا صدرت فيها أحكام قضائية نهائية.
لكن كثرتها تجعل المطالبة بمراجعة شاملة أكثر إلحاحًا.
الأرض تصبح غنيمة صامتة للحرب
عندما نتحدث عن اقتصاد الحرب، تذهب الأنظار عادة إلى الذهب والوقود والسلاح والضرائب والجبايات.
لكن هناك أصلًا آخر أكثر ثباتًا:
الأرض.
السلاح يمكن بيعه مرة.
والوقود يُستهلك.
أما قطعة الأرض فتبقى.
وفي المدن التي تتغير فيها السلطات وتضعف سجلات الدولة ويغادر آلاف السكان بسبب الحرب، تصبح الأراضي العامة والخاصة معرضة لنوع مختلف من النهب: أوراق جديدة، مخططات جديدة، تخصيصات جديدة، ثم مبانٍ تجعل استعادة الوضع السابق أكثر صعوبة.
لهذا فإن ملف نيالا قد يكون أكثر خطورة مما توحي به شكوى على ميدان أو نادٍ.
إذا كانت تخصيصات واسعة قد حدثت فعلًا خلال سنوات الحرب، فإن المدينة يمكن أن تستيقظ بعد انتهاء القتال لتكتشف أن خريطتها القانونية نفسها قد تغيرت.
القرار الجديد يفتح الباب.. لكنه لا يحسم القضية
قرار حكومة «تأسيس» بإلغاء الإجراءات التي تمت بعد 15 أبريل 2023 أعطى السكان دفعة قوية للتحرك.
لكن الإلغاء على الورق شيء.
واستعادة الأرض شيء آخر.
ماذا يحدث إذا بُني منزل أو متجر بالفعل؟
ماذا عن شخص اشترى قطعة من وسيط وهو يقول إنه لم يكن يعرف أنها ساحة عامة؟
هل تُلغى شهادات البحث والتخصيصات إن وُجدت؟
من يعوض من دفع المال؟
ومن يحاكم الموظف أو المسؤول الذي أصدر مستندًا مخالفًا للقانون؟
هذه الأسئلة ستحدد إن كان القرار سيصبح عملية حقيقية لاستعادة ممتلكات المدينة، أم مجرد إعلان سياسي.
الاختبار الأصعب: هل يصل القانون إلى النافذين؟
من السهل إلغاء تخصيص نفذه سمسار صغير.
لكن السكان في حي الثورة يتحدثون عن ضابط في الدعم السريع.
وتقارير أخرى تحدثت عن مسؤولين في الإدارات المدنية وموظفين وجهات ذات نفوذ.
وهنا يصبح الملف اختبارًا مباشرًا لسلطات «تأسيس».
فإذا كانت الحكومة التي تتخذ من نيالا مركزًا لها تريد تقديم نفسها بوصفها سلطة حكم، فإن عليها إثبات أن الأرض العامة ليست مكافأة سياسية، وأن الضابط والمسؤول والسمسار والمواطن يقفون أمام القانون نفسه.
وإلا يصبح قرار الإلغاء وسيلة لإعادة توزيع النفوذ، لا لاستعادة الحقوق.
الأمر لا يقتصر على نيالا
المشكلة ظهرت أيضًا في شرق دارفور.
فقد أصدرت نيابة مخالفات الأراضي هناك توجيهات بإيقاف تشييد دكاكين في موقف الزريبة القديم بالسوق الكبير في الضعين إلى حين اكتمال التحقيق في مخالفات الأراضي. كما ظهرت اتهامات بتوزيع مساحات داخل عدد كبير من الأحياء، بينها أراضٍ قيل إنها مخصصة للخدمات والمقابر. (Dabanga Radio TV Online)
وهذا يوسع السؤال.
هل شهدت مدن دارفور الواقعة تحت سلطة الدعم السريع خلال الحرب إعادة توزيع واسعة للأرض؟
وإذا كان الجواب نعم، فمن استفاد؟
وكم تبلغ المساحات؟
وبأي مستندات؟
ومن وقع عليها؟
هذه الأسئلة لا يمكن الإجابة عنها بالشهادات وحدها.
تحتاج إلى فتح سجلات الأراضي نفسها.
التحقيق الحقيقي يبدأ من الدفاتر
إذا أرادت السلطات إثبات الجدية، فإن الخطوة الأقوى لن تكون إصدار قرار آخر.
بل نشر مراجعة موثقة.
كل قطعة عامة جرى التصرف فيها بعد 15 أبريل 2023.
رقمها.
مساحتها.
غرضها الأصلي.
الشخص أو الجهة التي حصلت عليها.
اسم المسؤول الذي أجاز التصرف.
والمستند القانوني الذي استند إليه.
عندها فقط يمكن التمييز بين تخصيص قانوني فرضته حاجة حقيقية، وبين استيلاء استغل فراغ الحرب.
كما ينبغي حماية سجلات الأراضي الأصلية ومنع العبث بها، لأن الصراع على الأرض يصبح أخطر عندما يصبح المستند نفسه موضع شك.
استعادة الميدان ليست قضية صغيرة
قد يبدو ميدان في حي أو قطعة مخصصة لرياض أطفال تفصيلًا هامشيًا أمام حرب قتلت وشردت الملايين.
لكن المدن لا تعيش بالسلاح وحده.
المسجد والمدرسة والنادي والميدان والطريق والسوق هي المساحات التي تجعل مجموعة البيوت مدينة.
وعندما تتحول هذه الأماكن إلى ممتلكات خاصة تحت حماية النفوذ، يخسر المواطن شيئًا لا يمكن تعويضه بسهولة.
لهذا فإن تحرك سكان نيالا مهم.
للمرة الأولى، لا يكتفون بالقول إن أراضيهم أُخذت.
إنهم يحاولون استعادتها بالقانون.
لكن الامتحان الحقيقي لن يكون في عدد البلاغات التي تُفتح، بل في الأسماء التي تستطيع هذه البلاغات الوصول إليها. فإذا استطاع المواطن أن يستعيد ميدان حيه حتى عندما يكون المستفيد منه نافذًا أو مسلحًا، تكون نيالا قد بدأت فعلًا استعادة القانون. أما إذا توقفت الملفات عند أبواب أصحاب القوة، فستكون الحرب قد تركت وراءها نوعًا آخر من الخرائط: خريطة مدينة أعاد النفوذ تقسيمها بينما كان أهلها منشغلين بالبقاء على قيد الحياة.
لقطة AI… عين ترصد الحدث. وعقل يقرأ المشهد
التعليقات
0 تعليقات