محررو لقطة AI – 49
14سبتمبر 2026
وضعت مجموعة «بريكس» الحرب السودانية ضمن الملفات الأمنية الرئيسية في إعلان نيودلهي الصادر عن قمتها الثامنة عشرة، داعية إلى وقف فوري ودائم لإطلاق النار وإنهاء النزاع عبر الحوار، ومحذرة بصورة لافتة من أن استمرار انهيار الأوضاع قد يفتح الباب أمام انتشار التطرف والإرهاب.
وجاء الموقف في الفقرة الخاصة بالسودان من «إعلان نيودلهي 2026»، الذي اعتمده قادة المجموعة خلال القمة المنعقدة في العاصمة الهندية، حيث عبّروا عن «قلق بالغ» إزاء تدهور الوضع في السودان وتفاقم الأزمة الإنسانية وتنامي مخاطر انتشار التطرف والإرهاب.
أهمية البيان لا تكمن فقط في دعوته إلى وقف الحرب؛ فمثل هذه الدعوات صدرت مرارًا من الأمم المتحدة والاتحاد الأفريقي ودول عديدة.
الجديد سياسيًا هو من يقول ذلك الآن، وما الذي يخشاه إذا استمرت الحرب.
تحذير يتجاوز الجيش و«الدعم السريع»
إعلان «بريكس» لا ينظر إلى الحرب باعتبارها مواجهة عسكرية بين الجيش السوداني وقوات الدعم السريع فقط.
التحذير من «انتشار التطرف والإرهاب» يعني أن المجموعة ترى خطرًا أبعد: استمرار انهيار سلطة الدولة واتساع المساحات الخارجة عن السيطرة يمكن أن يهيئا بيئة تنمو فيها جماعات مسلحة أكثر تشددًا، وشبكات تهريب وتمويل وسلاح عابرة للحدود.
وهذه زاوية شديدة الحساسية بالنسبة للسودان.
فالحرب الممتدة منذ أبريل 2023 أنتجت انتشارًا واسعًا للسلاح، وتعددًا في القوى المسلحة، وانهيارًا للمؤسسات في مناطق عديدة، إلى جانب حركة بشرية واسعة عبر الحدود.
في مثل هذه البيئات، لا يحتاج التطرف إلى السيطرة على دولة كاملة كي يصبح خطرًا.
يكفي أن يجد فراغًا لا توجد فيه دولة.
لماذا موقف «بريكس» مختلف؟
المجموعة تضم دولًا ليست بعيدة عن السودان أو عن أطراف أزمته.
مصر وإثيوبيا عضوان في «بريكس» وتشتركان في حدود ومصالح مباشرة مع السودان، كما تضم المجموعة الإمارات وإيران إلى جانب قوى دولية كبرى مثل الصين وروسيا والهند والبرازيل وجنوب أفريقيا.
وبعض هذه الدول لديه علاقات سياسية واقتصادية وعسكرية متفاوتة مع الخرطوم أو مع أطراف مرتبطة بالمشهد السوداني.
لذلك فإن نجاح المجموعة في إصدار موقف توافقي يطالب بوقف دائم للحرب يحمل وزنًا أكبر من بيان صادر عن دولة بعيدة عن النزاع.
إنه يعني أن دولًا تختلف في ملفات إقليمية كثيرة استطاعت، على الأقل في النص، أن تتفق على أن استمرار الحرب السودانية أصبح مصدر تهديد يتجاوز السودان.
وقف «دائم» وليس هدنة قصيرة
اختيار الكلمات مهم.
إعلان نيودلهي لم يطالب فقط بوقف إطلاق النار، بل بـوقف فوري ودائم، وربطه بتسوية سلمية عبر الحوار.
وهذا يعكس إدراكًا لفشل نمط الهدن القصيرة الذي طبع مراحل سابقة من الحرب.
السودان شهد إعلانات متعددة للتهدئة ووقف إطلاق النار، لكنها لم تتحول إلى عملية سياسية قادرة على إنهاء القتال.
كل هدنة كانت تنتهي، ثم تعود الحرب بخريطة عسكرية جديدة.
وبالتالي فإن التحدي لم يعد في الحصول على ساعات أو أيام بلا إطلاق نار.
التحدي هو إنشاء مسار يجعل العودة إلى الحرب أكثر صعوبة.
«حلول أفريقية لمشكلات أفريقية»
«بريكس» أعادت التأكيد أيضًا على مبدأ «الحلول الأفريقية للمشكلات الأفريقية»، وطالبت بتنسيق أفضل بين مبادرات السلام المختلفة.
هذه العبارة تبدو دبلوماسية، لكنها تلامس إحدى أكبر مشكلات الملف السوداني:
تعدد المنابر.
هناك الاتحاد الأفريقي.
والأمم المتحدة.
ومبادرات دول الجوار.
والتحركات الأميركية والسعودية والمصرية.
ومسارات سياسية منفصلة تتعامل مع قوى مدنية مختلفة.
المشكلة ليست غياب الوسطاء.
أحيانًا المشكلة هي كثرتهم.
فكلما تعددت المسارات دون مركز تنسيق واضح، ازدادت قدرة أطراف الحرب على الانتقال من منصة إلى أخرى أو اختيار المبادرة الأقرب إلى مصالحها.
ولهذا فإن دعوة «بريكس» إلى التنسيق قد تكون أهم من إضافة مبادرة جديدة باسم المجموعة.
السودان ليس وحده من يدفع الثمن
الإعلان طالب كذلك بوصول إنساني مستدام وعاجل ومن دون عوائق إلى السكان السودانيين، وبزيادة المساعدات للسودان والدول المجاورة التي تستضيف اللاجئين.
وهذه الإشارة مهمة.
الأزمة السودانية خرجت منذ زمن من الحدود.
تشاد تستقبل أعدادًا ضخمة من اللاجئين القادمين من دارفور.
مصر تستضيف سودانيين فروا من الحرب.
جنوب السودان وإثيوبيا ودول أخرى تواجه بدورها ضغوط النزوح والتجارة والأمن الحدودي.
أي انهيار إضافي داخل السودان ينتقل إلى الجيران على شكل لاجئين وتهريب سلاح وضغط اقتصادي واضطرابات حدودية.
ولهذا يصبح إنهاء الحرب مصلحة إقليمية، لا قضية سودانية داخلية فقط.
السيسي ورامافوزا.. السودان «خط أحمر»
على هامش القمة، التقى الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي رئيس جنوب أفريقيا سيريل رامافوزا، وقال إن أمن السودان وسيادته ووحدة أراضيه تمثل «خطًا أحمر» بالنسبة لمصر.
هذا الموقف يضيف بعدًا آخر لإعلان «بريكس».
القاهرة لا تنظر إلى الحرب السودانية بوصفها أزمة إنسانية فقط.
هي تنظر إليها أيضًا من زاوية أمن الدولة المصرية نفسها.
حدود طويلة.
النيل.
البحر الأحمر.
وحركة اللاجئين.
وأي تفكك طويل للدولة السودانية سيعيد تشكيل البيئة الأمنية جنوب مصر بصورة مباشرة.
لكن أين أدوات التنفيذ؟
هذه هي نقطة الضعف الرئيسية.
«بريكس» أصدرت موقفًا قويًا، لكنها لم تعلن في النص الخاص بالسودان عن آلية تنفيذية جديدة أو وساطة مستقلة أو جدول زمني لوقف إطلاق النار.
ولذلك يجب التفريق بين ثقل الرسالة السياسية وقدرتها الحالية على تغيير الميدان.
الجيش والدعم السريع لن يوقفا القتال لأن إعلانًا صدر في نيودلهي وحده.
لكن الأمر يمكن أن يصبح مختلفًا إذا استخدمت الدول الأعضاء علاقاتها الثنائية وأدواتها الاقتصادية والدبلوماسية للضغط باتجاه الهدف الذي وقعت عليه جماعيًا.
وهنا سيكون الاختبار الحقيقي.
الإمارات ومصر وإثيوبيا وإيران داخل النص نفسه
هذه نقطة تستحق التوقف.
مجموعة «بريكس» تضم دولًا ارتبطت أسماؤها، بدرجات مختلفة، بالمشهد السوداني أو بمصالح استراتيجية فيه.
ومع ذلك وقعت جميعها على إعلان يطالب بوقف الحرب والحفاظ على المسار السلمي.
هذا يخلق معيارًا سياسيًا يمكن العودة إليه لاحقًا:
إذا كانت الدول الأعضاء متفقة على أن وقف الحرب ضرورة، فهل ستنعكس هذه القناعة على سياساتها الثنائية تجاه الأطراف السودانية؟
السؤال لن تجيب عنه البيانات.
ستجيب عنه الأفعال.
لماذا تحذير التطرف مهم الآن؟
السودان يقع في منطقة شديدة الهشاشة أمنيًا.
غربًا توجد منطقة الساحل التي شهدت توسع جماعات متطرفة خلال السنوات الماضية.
جنوبًا توجد حدود واسعة يصعب ضبطها.
شرقًا البحر الأحمر، أحد أهم طرق التجارة العالمية.
وشمالًا مصر وليبيا.
إذا أصبحت مناطق واسعة من السودان بيئة مفتوحة للسلاح والجماعات غير النظامية وشبكات التمويل غير المشروع، فلن يكون احتواء الخطر داخل الحدود أمرًا مضمونًا.
ولهذا فإن تحذير «بريكس» ينبغي ألا يُقرأ باعتباره وصفًا لوجود تنظيم إرهابي بعينه داخل السودان.
الإعلان لا يقول ذلك.
هو يحذر من البيئة التي يمكن أن تنتج التطرف إذا استمرت الحرب والانهيار. وهذه دقة تحريرية مهمة.
ماذا يعني ذلك للمسار السياسي؟
التوقيت مهم.
التحركات الدولية حول السودان تتسارع، بينما تتحدث القوى المدنية عن مسارات متزامنة تشمل الملف الإنساني ووقف إطلاق النار والحوار السياسي.
إعلان «بريكس» يضيف كتلة دولية كبيرة إلى فكرة أن الحل النهائي لا يمكن أن يكون عسكريًا وحده.
لكن السؤال يبقى:
أي حوار؟
ومن يشارك فيه؟
ومن يضمن ألا تتحول التسوية إلى إعادة إنتاج للأزمة التي سبقت الحرب؟
وقف إطلاق النار يمكن أن يوقف الموت.
لكنه وحده لا يبني الدولة.
نيودلهي ترسل رسالة.. والخرطوم تحتاج أكثر من الرسائل
أهمية موقف «بريكس» أنه صادر عن تجمع أصبح يمثل جزءًا كبيرًا من سكان العالم والاقتصادات الناشئة، ويضم دولًا تملك نفوذًا حقيقيًا على أطراف ومحيط الأزمة السودانية. وقد أظهر اجتماع نيودلهي قدرة المجموعة على التوصل إلى توافق رغم الاختلافات السياسية الكبيرة بين أعضائها.
لكن قيمة الإعلان ستُقاس بما يحدث بعد القمة.
هل تتحرك الدول الأعضاء لتوحيد مسارات الوساطة؟
هل تضغط على الأطراف لفتح الممرات الإنسانية؟
هل تساعد في وقف تدفق السلاح؟
وهل تتحول عبارة «وقف فوري ودائم» من سطر في إعلان نيودلهي إلى موقف سياسي له تكلفة على من يرفضه؟
أخطر ما قالته «بريكس» عن السودان ليس أن الحرب يجب أن تتوقف؛ فهذا يعرفه السودانيون منذ زمن. الأخطر هو تحذيرها مما يمكن أن تولده الحرب إذا لم تتوقف: دولة أضعف، وحدود أكثر هشاشة، وفراغ يجد فيه التطرف والسلاح غير المنضبط مساحة للنمو. عندها لن تكون المشكلة فقط من يحكم الخرطوم، بل ما إذا بقيت هناك دولة قادرة على منع الحرب من إنتاج حرب أخرى.
محررو لقطة AI – 49
عين ترصد الحدث. وعقل يقرأ المشهد
التعليقات
0 تعليقات