محررو لقطة AI – 13
15 سبتمبر 2026
دخلت الأزمة الإنسانية في السودان مرحلة قد تكون أكثر خطورة من عجز وكالات الإغاثة عن الوصول إلى المحتاجين؛ فقد أصبحت المشكلة الآن أن المساعدات تستطيع الوصول إلى بعض المناطق، لكن المال اللازم لشراء الغذاء ونقله وتوزيعه لم يعد متوفرًا بما يكفي.
وكشف القائم بأعمال المدير التنفيذي لبرنامج الأغذية العالمي كارل سكاو، بعد جولة داخل السودان ودارفور، أن المنظمة تلقت منذ بداية 2026 نحو 206 ملايين دولار فقط لعملياتها في السودان، مقابل 645 مليون دولار خلال العام الماضي. وتحتاج إلى ما يقارب 300 مليون دولار إضافية فقط للحفاظ على مستوى عملياتها الحالي.
هذا التحول مهم للغاية.
لسنوات كانت المنظمات الإنسانية تقول إن أكبر عقبة أمام إنقاذ السودانيين هي صعوبة الوصول إلى مناطق الحرب والحصار والطرق غير الآمنة.
اليوم يقول برنامج الأغذية العالمي شيئًا مختلفًا: هناك مناطق أصبح الوصول إليها ممكنًا، وهناك طواقم موجودة بالفعل، لكن المنظمة لا تستطيع استخدام كامل قدرتها بسبب نقص التمويل.
عشرون مليون جائع.. والمساعدة تصل إلى أربعة ملايين
يواجه قرابة 20 مليون شخص في السودان انعدام الأمن الغذائي، بينما أجبرت التخفيضات المالية برنامج الأغذية العالمي على تركيز مساعداته على خمسة ملايين من الأكثر احتياجًا فقط.
وحتى ضمن هذه الدائرة الأصغر، تستطيع المنظمة حاليًا الوصول إلى نحو أربعة ملايين شخص.
وهنا تظهر الفجوة بوضوح.
المشكلة ليست نقصًا محدودًا في الميزانية يمكن تعويضه بتقليص بعض البرامج الإدارية؛ إنها فجوة بين عشرات الملايين ممن يحتاجون إلى الغذاء وبين بضعة ملايين فقط تستطيع أكبر منظمة غذاء إنسانية في العالم مساعدتهم.
وفي بلد دمرت الحرب جزءًا واسعًا من الاقتصاد والإنتاج الزراعي وسلاسل التجارة، لا يستطيع كثير من السكان تعويض المساعدة المفقودة بالشراء من الأسواق.
طويلة تحصل على نصف شهر من الطعام
في طويلة بشمال دارفور، التي تحولت إلى ملاذ لنحو مليون شخص، يستطيع برنامج الأغذية العالمي الوصول إلى السكان شهريًا، لكنه لا يقدم لهم سوى حصة غذائية تكفي لنحو أسبوعين فقط.
وقال سكاو إن المنظمة لا تعرف على وجه الدقة كيف يستطيع الناس البقاء بقية الشهر.
هذه الجملة تختصر المأساة أكثر من الأرقام الكبيرة.
فحين تحصل الأسرة على طعام لنصف الشهر فقط، يصبح النصف الثاني سلسلة من الاختيارات القاسية: تقليل الوجبات، بيع الممتلكات، الاستدانة، إخراج الأطفال من المدرسة، أو التحرك مجددًا بحثًا عن منطقة توجد فيها المساعدة.
وهكذا يتحول نقص التمويل من مسألة محاسبية في مكاتب الأمم المتحدة إلى قرار يومي حول من يأكل ومن ينتظر.
الأبيض تستقبل النازحين.. لكن المساعدات لا تلحق بهم
المشهد لا يقتصر على دارفور.
في مدينة الأبيض، التي تقول رويترز إن نحو مليون شخص توجهوا إليها منذ اندلاع الحرب، أصبح برنامج الأغذية العالمي قادرًا فقط على مساعدة من وصلوا خلال الأشهر الأخيرة، بينما تتراجع قدرته على تغطية الجميع.
المفارقة أن الأبيض نفسها أصبحت مركزًا يستقبل سكانًا يهربون من مناطق القتال في كردفان ومناطق أخرى.
وبذلك تتجمع أعداد أكبر من المحتاجين في مكان واحد بينما تنكمش الموارد الإنسانية التي يفترض أن تستقبلهم.
حتى الفاشر وصلت إليها المساعدات.. لكن المدينة تغيرت
برنامج الأغذية العالمي بدأ أيضًا تقديم المساعدة في الفاشر، المدينة التي كانت تضم نحو مليون نسمة قبل أن تضربها الحرب والهجمات والنزوح.
لكن المسؤول الأممي قال بعد زيارة المنطقة إن هناك قليلًا من علامات عودة الحياة إليها.
وهذه نقطة تتجاوز الغذاء.
إعادة إدخال المساعدات إلى مدينة مدمرة لا يعني أن المجتمع عاد للعمل. الأسواق والمستشفيات والمياه والمدارس والمساكن تحتاج إلى وقت وموارد وأمان حتى يعود الناس إليها.
ولهذا لا ينبغي قياس التعافي بمجرد وصول أول شاحنة إغاثة.
المنظمة الدولية للهجرة تطلق إنذارًا أخطر
الأزمة لا تقتصر على الغذاء.
قالت المنظمة الدولية للهجرة إن مخزون مواد الإيواء والصرف الصحي والمواد المنزلية الطارئة المخصصة للنازحين قد ينفد بنهاية سبتمبر إذا لم يصل تمويل عاجل.
وتحتاج المنظمة إلى 15 مليون دولار فقط لإبقاء خط الإمدادات قائمًا حتى نهاية العام لخدمة نحو 305 آلاف شخص. وتحذر من أن أكثر من مئة منظمة إنسانية تعتمد على هذه الإمدادات قد تجد نفسها عاجزة عن الاستجابة السريعة.
مديرة المنظمة الدولية للهجرة إيمي بوب ذهبت أبعد من ذلك، محذرة من أن النظام الإنساني بأكمله قد ينهار خلال أسابيع إذا لم يتحرك المانحون.
كيف وصل السودان إلى هذه النقطة؟
أحد الأسباب الرئيسية هو التراجع الكبير في المساعدات الدولية.
الولايات المتحدة، التي كانت لسنوات أكبر ممول للمساعدات الإنسانية عالميًا، خفضت مليارات الدولارات من دعم الوكالات الأممية والمنظمات الإنسانية خلال العام الماضي، بينما خفض مانحون آخرون ميزانياتهم أيضًا تحت ضغط الأوضاع المالية وزيادة الإنفاق الدفاعي.
وهكذا تحدث مفارقة قاسية:
في الوقت الذي تتوسع فيه الحرب السودانية ويزداد عدد الجائعين والنازحين، ينكمش المال المتاح لإنقاذهم.
ليست أزمة غذاء فقط.. بل أزمة أولويات عالمية
الأرقام تكشف سؤالًا سياسيًا لا إنسانيًا فقط.
السودان يعيش واحدة من أكبر أزمات النزوح والجوع في العالم، لكن قدرته على اجتذاب التمويل تتراجع في وقت تتنافس فيه حروب وأزمات متعددة على الأموال نفسها.
وإذا استمر هذا الاتجاه، فقد تنتقل الأزمة من مرحلة تقليل الحصص الغذائية إلى إغلاق برامج كاملة.
والخطر أن النتائج قد لا تظهر فورًا.
التغذية تبدأ بالنقص.
ثم ترتفع معدلات سوء التغذية.
ثم تتدهور مقاومة الأطفال للأمراض.
ثم تزداد الوفيات التي قد لا تسجل أصلًا باعتبارها وفيات جوع مباشرة.
ما الذي ينبغي متابعته؟
الأسابيع القليلة المقبلة ستكون حاسمة.
يجب مراقبة ما إذا كان المانحون سيسدون فجوة الـ300 مليون دولار لدى برنامج الأغذية العالمي، وما إذا كانت المنظمة الدولية للهجرة ستتلقى مبلغ الـ15 مليون دولار قبل نفاد مخزونها بنهاية الشهر.
كما أن السؤال الأهم يتعلق بدارفور وكردفان: هل تستطيع المنظمات زيادة الإمدادات في اللحظة التي أصبحت فيها بعض طرق الوصول أفضل، أم أن نقص التمويل سيبدد هذه الفرصة؟
قبل أشهر كان السؤال في السودان: هل تستطيع شاحنة الغذاء الوصول إلى الجائع؟ اليوم ظهر سؤال أشد قسوة: ماذا لو وصل الطريق إلى الجائع، لكن الشاحنة نفسها لم يعد هناك مال لملئها؟
محررو لقطة AI – 13
عين ترصد الحدث. وعقل يقرأ المشهد
التعليقات
0 تعليقات