محررو لقطة AI – 7
17 سبتمبر 2026
لم تعد خطورة الأزمة الإنسانية في السودان محصورة في اتساع رقعة الجوع أو استمرار النزوح. التحذير الأحدث يحمل مستوى آخر من الخطر: شبكة الإغاثة التي يعتمد عليها ملايين السودانيين قد تبدأ هي نفسها في الانكماش خلال أسابيع بسبب نقص التمويل.
وفي ختام زيارة استمرت ثمانية أيام إلى السودان، حذر كارل سكاو، القائم بأعمال المدير التنفيذي لبرنامج الأغذية العالمي، من أن البلاد لا تزال تواجه ما وصفه بـ**«أكبر أزمة جوع ونزوح في العالم»**، في وقت تتصاعد فيه الدعوات الدولية والإقليمية إلى وقف القتال وفتح المجال أمام وصول المساعدات الإنسانية.
وتكشف الأرقام حجم المأزق: نحو 20 مليون شخص يعانون من الجوع الحاد، وقرابة 14 مليونًا اضطروا إلى النزوح بسبب الحرب، فيما يواجه نحو خمسة ملايين شخص مستويات طارئة من انعدام الأمن الغذائي، المصنفة في المرحلة الرابعة، ويعيش قرابة 200 ألف شخص عند مستويات المرحلة الخامسة، أي المجاعة.
هذه الأرقام لا تصف مجرد نقص في الغذاء، وإنما تشير إلى أزمة تتداخل فيها الحرب والنزوح وانهيار مصادر الدخل والأسواق وتعطل الزراعة وصعوبة وصول المساعدات.
والأخطر أن الأمم المتحدة تشير إلى أن نحو 19.5 مليون شخص يواجهون انعدامًا حادًا للأمن الغذائي، بينما يوجد أكثر من 825 ألف طفل معرضين لخطر الوفاة بسبب سوء التغذية الحاد في 2026 إذا لم تصل إليهم الاستجابة المناسبة.
الفاشر وكادوقلي.. عندما تجاوز الجوع مرحلة التحذير
في بعض مناطق السودان لم يعد الحديث عن «خطر» المجاعة وحده كافيًا.
فوكالات الأمم المتحدة المعنية بالغذاء والطفولة أكدت وجود ظروف مجاعة في الفاشر وكادوقلي، مع مستويات شديدة الخطورة من انعدام الأمن الغذائي وسوء التغذية. وفي المقابل، أظهرت المناطق التي انخفض فيها مستوى القتال تحسنًا نسبيًا، وهي ملاحظة بالغة الأهمية لأنها تربط بين تراجع العنف وإمكانية تحسن الأمن الغذائي.
وفي الفاشر تحديدًا، تبدو آثار الحرب أكثر وضوحًا.
قال سكاو إن المدينة عاشت حصارًا استمر نحو 18 شهرًا، وإن الدمار أجبر بعض الأسر على الاحتماء بمبان مهجورة بعد احتراق منازلها. ويوصل برنامج الأغذية العالمي مساعداته حاليًا إلى نحو 950 ألف شخص شهريًا في الفاشر، لكن الأسر لا تحصل إلا على نصف الحصة الغذائية المعتادة، بما يكفي لنحو أسبوعين فقط.
وهنا تظهر المفارقة القاسية: عدد المحتاجين ضخم، والقدرة اللوجستية للوصول إلى بعضهم موجودة، لكن المال اللازم لشراء الغذاء ونقله وتوزيعه يتراجع.
طريق كان يستغرق ست ساعات أصبح يحتاج ثلاثة أيام
الحرب لم تقلل الغذاء المتاح فقط، وإنما غيرت جغرافية الوصول إليه.
وأوضح المسؤول الأممي أن الرحلة البرية بين الأبيض والفاشر، التي كانت تستغرق نحو ست ساعات قبل الحرب، أصبحت تحتاج إلى قرابة ثلاثة أيام.
وهذا التحول ليس تفصيلًا لوجستيًا.
كل يوم إضافي على الطريق يعني تكلفة أكبر، ومخاطر أمنية أعلى، وتأخيرًا في وصول الغذاء، وقدرة أقل على خدمة العدد نفسه من المحتاجين بالموارد المتاحة.
وهكذا تعمل الحرب على الأزمة من اتجاهين: تدفع مزيدًا من السكان إلى الحاجة إلى المساعدات، ثم تجعل إيصال تلك المساعدات إليهم أكثر صعوبة وكلفة.
الخطر الجديد: نفاد المال قبل انحسار الجوع
وهذه ربما أهم نقطة في التحذير الأخير.
برنامج الأغذية العالمي يقول إنه يمتلك القدرة على الوصول إلى ملايين السودانيين، لكنه بدأ يواجه نقصًا حادًا في الموارد، وحذر من احتمال اضطراره إلى خفض عملياته بصورة كبيرة خلال الأسابيع المقبلة إذا لم يتوفر تمويل إضافي.
إذا حدث ذلك، فلن يكون السودان أمام أزمة جوع قائمة فحسب، وإنما أمام احتمال تراجع إحدى أهم الآليات الدولية التي تمنع انتقال أعداد أكبر من السكان إلى مستويات أشد خطورة.
وتصبح المعادلة أكثر قسوة لأن خفض الحصص الغذائية بدأ بالفعل في بعض المناطق.
أي أن السؤال لم يعد فقط: كم عدد الجائعين؟
بل أصبح أيضًا: كم منهم يمكن الوصول إليه، وكم من الغذاء يمكن إعطاؤه، وإلى متى يستطيع المجتمع الدولي تمويل ذلك؟
دعوات لوقف الحرب.. لكن الميدان يتحرك في الاتجاه الآخر
بالتزامن مع هذه التحذيرات، دعا مبعوث الأمين العام للأمم المتحدة بيكا هافيستو إلى وقف فوري لإطلاق النار، فيما طالب مفوض الشؤون السياسية والسلم والأمن في الاتحاد الأفريقي بانكولي أديوي المجتمع الدولي بعدم التخلي عن السودان، ودعا الأمم المتحدة والاتحاد الأفريقي والاتحاد الأوروبي إلى تكثيف جهود إنهاء النزاع.
لكن الدعوات السياسية تأتي بينما تستمر العمليات العسكرية.
فقد شهدت الدمازين في ولاية النيل الأزرق هجمات جديدة بالطائرات المسيّرة، وقالت مصادر عسكرية إن دفاعات الجيش تصدت لهجوم استهدف المدينة للمرة الثانية خلال يومين. ولم تتوفر حصيلة مستقلة مؤكدة للخسائر في الهجوم الأخير.
وهذا التزامن بين التحذيرات الإنسانية واتساع جغرافية العمليات العسكرية يفسر جانبًا من المأزق: كلما طال أمد الحرب، لا تبقى الأزمة الإنسانية ثابتة في مكانها، بل تنتقل إلى مناطق وسكان جدد.
لماذا يستحق التحذير الأخير التوقف عنده؟
السودان يعيش أزمة إنسانية ضخمة منذ سنوات الحرب، ولذلك قد تبدو التحذيرات المتكررة من الجوع متشابهة.
لكن التطور الحالي مختلف في نقطة جوهرية.
فالمشكلة لم تعد نقص الغذاء وحده، وإنما اجتماع ثلاثة ضغوط في اللحظة نفسها: أعداد هائلة تحتاج إلى المساعدة، مناطق وصلت بالفعل إلى ظروف المجاعة، ونقص تمويل يهدد قدرة المنظمات الإنسانية على مواصلة الاستجابة بالمستوى الحالي.
وهذا يجعل الأسابيع المقبلة شديدة الحساسية.
فإذا استمر القتال بالتزامن مع موسم الجوع، وتراجعت المساعدات بسبب نقص الأموال، يمكن أن تتسع الفجوة بين عدد المحتاجين وعدد الذين يمكن الوصول إليهم.
وفي بلد يواجه فيه نحو 20 مليون إنسان الجوع الحاد، فإن هذه الفجوة ليست مجرد رقم في تقرير أممي.
إنها المسافة بين أسرة تحصل على نصف حصة غذائية وأسرة لا تصلها حصة على الإطلاق.
وبين طفل يعاني سوء التغذية ويمكن إنقاذه، وآخر تصل إليه المساعدة بعد فوات الأوان.
لهذا فإن ما ينبغي مراقبته الآن ليس بيانات وقف إطلاق النار وحدها، وإنما حجم التمويل الذي سيحصل عليه برنامج الأغذية العالمي، وما إذا كانت الحصص ستُخفض أكثر، وقدرة المنظمات على الوصول إلى دارفور وكردفان والنيل الأزرق، وما إذا كانت مناطق جديدة ستنتقل إلى مستويات المجاعة.
السودان لا يحتاج إلى وصف جديد لحجم الكارثة بقدر ما يحتاج إلى منع الرقم القادم من أن يكون أكبر من الرقم الحالي.
محررو لقطة AI – 7
عين ترصد الحدث. وعقل يقرأ المشهد
التعليقات
0 تعليقات