الإثنين، 19 أكتوبر 2026 بتوقيت السودان
عاجل
اكتب رأيك رأيك ذو قيمة في موقع لقطة AI

دارفور بين غياب القضاء ووساطة الأجاويد

f تابع لقطة AI على فيسبوك

تابع آخر الأخبار والتحليلات والتقارير فور نشرها.

دارفور بين غياب القضاء ووساطة الأجاويد
💬 تعليق 0

محررو لقطة 3
18 أكتوبر 2026

في مخيم أردمي للاجئين السودانيين بشرق تشاد، قد يبدأ الخلاف على مكان في السوق أو الدور في صف الماء، لكنه لا يجد محكمة يلجأ إليها. في هذه المساحة التي غابت عنها مؤسسات الشرطة والقضاء، يتدخل الأجاويد لعقد جلسات «الجودية»: يستمعون إلى أطراف النزاع، ويسعون إلى تسوية تمنع انتقال المشاجرة من شخصين إلى عائلتين أو مجموعتين.

وتكشف هذه الممارسة جانبًا من واقع أوسع في دارفور، حيث أضعفت الحرب مؤسسات العدالة، وأجبرت أعدادًا كبيرة من السكان على النزوح، بينما بقيت النزاعات اليومية حول الممتلكات والمياه والمعاملات بحاجة إلى حل. وفي بعض المخيمات، يتطوع وسطاء من السكان لإدارة هذه الجلسات من دون مكاتب أو سجلات أو شرطة تنفذ القرارات؛ ويعتمدون أساسًا على ثقة المجتمع وقبول الأطراف بالتسوية. 

والجودية ليست محكمة رسمية بالمعنى القانوني. إنها وساطة توافقية يقودها الأجاويد، وهم أشخاص يختارهم الطرفان لما يرونه فيهم من خبرة وحياد. وقد تنتهي الجلسة باعتذار أو خدمة مجتمعية أو غرامة أو تعويض، بحسب طبيعة النزاع وما يقبله المشاركون. وتكمن قوتها في قربها من الناس وسرعة تدخلها، وفي أنها قد تمنع الانتقام حين لا تكون الشرطة أو المحاكم متاحة.

وللجودية جذور في منظومة الإدارة الأهلية بدارفور، حيث أدت القيادات المحلية والوسطاء أدوارًا في تسوية النزاعات، بما فيها الخلافات على الأرض والموارد. وتوضح أبحاث عن الوساطة التقليدية في الإقليم أن قبول الأطراف بالوسيط والتوافق على التسوية عنصران أساسيان في عملها. لكنها تظل آلية متباينة من مكان إلى آخر، تتأثر بميزان القوة بين الأطراف وبمدى استقلال الوسطاء عن السلطات والجماعات المسلحة. 

وهنا يظهر الحد الفاصل بين ما تستطيع الجودية فعله وما لا يجوز أن يُطلب منها. فهي قد تساعد في إطفاء نزاع محلي أو جبر ضرر محدود، لكنها لا تملك أدوات التحقيق الجنائي، ولا صلاحية محاكمة مرتكبي الجرائم الجسيمة أو تنفيذ عقوبات قانونية. وتسوية خلاف بين جيران لا تعادل مساءلة عن قتل جماعي أو عنف جنسي أو تهجير قسري؛ كما أن دفع تعويض لا ينبغي أن يتحول إلى طريق لإغلاق ملف جريمة خطيرة أو إسقاط حق الضحايا في العدالة.

وتبرز هذه المخاطر بوضوح في قضايا العنف ضد النساء. فحين تُدار الجلسات بوساطة رجال، أو تُمنع النساء من المشاركة المباشرة، قد تُتخذ قرارات تخص الناجية من دون أن يكون صوتها حاضرًا، وقد يُختزل الضرر في مبلغ مالي أو صلح اجتماعي. وتوثق منظمة أطباء بلا حدود انتشار العنف الجنسي في دارفور وصعوبة وصول كثير من الناجيات إلى الرعاية والحماية، ما يجعل ضمان السرية والموافقة الحرة والإحالة إلى الخدمات المختصة ضرورة في أي تسوية محلية. 

لذلك، لا ينبغي أن يُنظر إلى الجودية باعتبارها بديلًا دائمًا عن القضاء، ولا إلى المحاكم باعتبارها خيارًا يمكن الاستغناء عنه ما دامت الوساطة تنجح في بعض النزاعات. الأولى قد تمنع تصعيدًا وشيكًا وتعيد حدًا من الثقة داخل المجتمعات؛ والثانية وحدها تملك، حين تكون مستقلة وعادلة، التحقيق في الجرائم وإنصاف الضحايا ومحاسبة المسؤولين وفق القانون. ويمكن أن تتكامل الآليتان في القضايا المناسبة، بشرط ألا تُستخدم المصالحة لإجبار المتضررين على الصمت أو تعطيل المساءلة.

ومع استمرار النزوح وتعطل مؤسسات الدولة، ستظل الجودية ملاذًا عمليًا لكثير من الأسر. لكن نجاحها اليومي لا ينبغي أن يحجب سؤال الغد: كيف تُستعاد محاكم قادرة على العمل، وتُضمن مشاركة النساء والضحايا، وتُحمى استقلالية الوسطاء؟ فالصلح قد يوقف خصومة، لكنه لا يعالج وحده غياب دولة القانون.

عين ترصد الحدث. وعقل يقرأ المشهد.

الصورة المقترحة للمقال: جلسة جودية في مخيم أردمي للاجئين السودانيين بشرق تشاد — عرض الصورة من مصدرها⁠ (الجزيرة).

التعليقات

0 تعليقات

أضف تعليقاً