الإثنين، 19 أكتوبر 2026 بتوقيت السودان
عاجل
اكتب رأيك رأيك ذو قيمة في موقع لقطة AI

قانون على الورق وانتهاكات على الأرض: من يحمي مدنيي دارفور؟

f تابع لقطة AI على فيسبوك

تابع آخر الأخبار والتحليلات والتقارير فور نشرها.

قانون على الورق وانتهاكات على الأرض: من يحمي مدنيي دارفور؟
💬 تعليق 0

محررو لقطة AI – 7
18 أكتوبر 2026

تبدو حماية المدنيين في دارفور مفارقةً قاسية: قواعد قانونية واضحة تحظر استهدافهم وتهجيرهم وتجويعهم، فيما تتوالى التقارير عن قتل مدنيين، وانتهاكات جنسية، واعتقالات تعسفية، وتدمير للمنازل ومرافق الحياة. والسؤال لم يعد ما إذا كانت هناك قوانين تحمي السكان، بل لماذا لا تكفي هذه القوانين لوقف الانتهاكات، ومن يملك القدرة على تحويلها إلى حماية فعلية؟

في النزاعات المسلحة، لا يجوز استهداف المدنيين لمجرد وجودهم في منطقة قتال، ولا تُرفع عنهم الحماية بسبب انتمائهم الإثني أو موقعهم الجغرافي أو الاشتباه في تعاطفهم مع طرف. ويلزم القانون الدولي الإنساني أطراف النزاع بالتمييز بين المدنيين والمقاتلين، وحظر الهجمات العشوائية وغير المتناسبة، واتخاذ الاحتياطات الممكنة لتقليل الأذى. كما أن انتهاك طرف لهذه القواعد لا يعفي الطرف الآخر من الالتزام بها.

لكن حماية المدنيين لا تتوقف عند لحظة إطلاق النار. فهي تشمل عدم إرغام السكان على النزوح، وعدم عرقلة المساعدات المنقذة للحياة، وحماية المرافق الطبية والعاملين في الإغاثة، ومعاملة المحتجزين بإنسانية. وهذه التزامات تقع على عاتق أطراف النزاع كافة، سواء كانت قوات حكومية أو جماعات مسلحة منظمة. وتبقى مسؤولية حماية السكان ومحاسبة مرتكبي الجرائم مسؤولية أساسية على السلطات التي تمارس السيطرة الفعلية، فيما تظل القيادات العسكرية والسياسية مسؤولة عن منع الانتهاكات والتحقيق فيها.

وتُظهر الوقائع الموثقة حجم الفجوة بين القاعدة القانونية والواقع. فقد وثقت تقارير حقوقية هجمات على المدنيين والبنية التحتية في دارفور، بما في ذلك قتل أشخاص أثناء فرارهم من الفاشر، ووقوع عنف جنسي، وتضرر مرافق المياه والصحة، إلى جانب قصف مناطق سكنية. وفي هجمات زمزم بشمال دارفور في أبريل 2025، أفادت بعثة تقصي الحقائق الأممية بسقوط مئات القتلى والجرحى. كما نسبت تقارير انتهاكات إلى أطراف مختلفة في الحرب، بينها هجمات جوية عشوائية للقوات المسلحة في مناطق من دارفور. ولا تعني الإشارة إلى انتهاكات أطراف متعددة مساواة الوقائع أو أحجامها؛ بل تقتضي فحص كل حادثة وأدلتها ومسؤولياتها على حدة.

وتتضاعف المخاطر حين تُحاصر المدن أو تُقطع الطرق، أو تُهاجم الأسواق ومصادر المياه، أو يتعذر وصول الإغاثة. عندها لا يقتصر الخطر على القصف المباشر؛ فتعطل المستشفيات ونقص الغذاء والماء والدواء قد يحول الحياة اليومية إلى سلسلة من التهديدات. وقد أشار تقرير «هيومن رايتس ووتش» إلى استمرار عرقلة المساعدات والاعتداء على العاملين الإنسانيين والمتطوعين، وإلى أن النزاع أدى إلى إغلاق مطابخ مجتمعية كانت توفر الغذاء للمدنيين.

من هنا، لا تكفي البيانات التي تدعو إلى ضبط النفس أو إدانة الانتهاكات. فالحماية تحتاج إلى وصول مستقل لمراقبي حقوق الإنسان، وتوثيق سريع للشهادات والأدلة، وإبقاء ممرات الإغاثة مفتوحة، والضغط على القيادات لمنع الهجمات والتحقيق فيها. كما تحتاج إلى إجراءات عملية لحماية الناجين من العنف الجنسي، وضمان الرعاية الطبية والدعم النفسي، وعدم كشف هوياتهم أو تعريضهم للانتقام. غير أن هذه الخطوات تصطدم بقيود الوصول وانعدام الأمن، فضلاً عن رفض أطراف النزاع التعاون مع بعثات التحقيق أو السماح لها بدخول مناطق سيطرتها.

أما المساءلة، فهي مسار طويل لكنه ليس غائباً تماماً. فالمحكمة الجنائية الدولية تملك اختصاصاً بالنظر في الجرائم التي تقع في دارفور، بعد إحالة مجلس الأمن الوضع إلى المحكمة بموجب القرار 1593 لعام 2005. ويعني ذلك وجود مسار قضائي دولي يمكن أن يحقق في جرائم الحرب والجرائم ضد الإنسانية والإبادة الجماعية، لكنه لا يوفر حماية فورية للمدنيين ولا يملك قوة شرطة تنفذ أوامره بنفسها. ويعتمد أثره على جمع الأدلة، وحماية الشهود، وتعاون الدول والجهات القادرة على تسليم المتهمين.

وهنا تظهر حدود النظام الدولي: التحقيق يوثق، والمحكمة تصدر أوامر وأحكاماً، والعقوبات قد تستهدف أفراداً، لكن وقف النار وحماية المدنيين على الأرض يتطلبان تعاوناً سياسياً وقدرة على فرض كلفة على من يواصل الانتهاكات. وقد يؤدي ضعف المتابعة أو انتقائية التحرك الدولي إلى ترسيخ شعور لدى الجناة بأن الإفلات من العقاب ممكن، فيما يدفع المدنيون الثمن من أمنهم ومنازلهم وسبل عيشهم.

وتظل المجتمعات المحلية والإدارات الأهلية والمتطوعون وشبكات الاستجابة من أهم خطوط الإسناد للسكان، عبر الإيواء والإغاثة والتوثيق والوساطة. لكن لا يجوز تحميلهم مسؤولية حماية المدنيين بدلاً من الأطراف المسلحة أو المؤسسات الدولية؛ فهذه المبادرات تعمل في ظروف شديدة الخطورة، وموارد محدودة، وقد يتعرض أصحابها أنفسهم للاعتقال أو الهجوم.

من يحمي مدنيي دارفور؟ لا جهة واحدة تستطيع ذلك بمفردها. الحماية تبدأ بالتزام أطراف الحرب بالقانون، لكنها تحتاج أيضاً إلى مراقبة مستقلة، ووصول إنساني آمن، وضغط دولي متواصل، وتحقيقات تحفظ الأدلة، ومحاسبة لا تتوقف عند الإدانة اللفظية. وما لم ترتبط القواعد بإجراءات تردع الانتهاك وتحمي الضحايا، سيظل القانون حاضراً في الوثائق، وغائباً عن حياة من يفترض أن يحميهم.

عين ترصد الحدث. وعقل يقرأ المشهد.

التعليقات

0 تعليقات

أضف تعليقاً