محررو لقطة AI – 9
20 أكتوبر 2026
كشفت السلطات المختصة بولاية الخرطوم عن خسائر واسعة في قطاع الثروة الحيوانية، قدرتها بما يتراوح بين 69% و80% من القطيع خلال سنوات الحرب، في مؤشر جديد على حجم الدمار الذي أصاب أحد أهم القطاعات الإنتاجية المرتبطة بالأمن الغذائي وسبل عيش آلاف الأسر في العاصمة السودانية.
وجاء الإعلان خلال اجتماع جمع وكيل وزارة الثروة الحيوانية والسمكية، الدكتور عمار الشيخ إدريس، بوفد من ولاية الخرطوم برئاسة الدكتور سر الختم فضل المولى، المدير العام لوزارة الزراعة والثروة الحيوانية بالولاية، لبحث إعادة تأهيل المزارع والمسالخ والمرافق البيطرية وتعويض المنتجين المتضررين.
وبحسب المعلومات التي نشرتها هيئة إذاعة وتلفزيون الخرطوم وسودان تربيون في 18 أكتوبر، فإن الخسائر لم تقتصر على أعداد الحيوانات، بل شملت تدمير مرافق خدمية وإنتاجية، وفقدان سلالات محسنة وراثيًا استغرق تطويرها عقودًا، فضلًا عن تراجع إنتاج الألبان وتعطل خدمات التحصين والرعاية البيطرية.
وتكشف هذه الأرقام جانبًا من التكلفة الاقتصادية للحرب التي اندلعت في 15 أبريل 2023، بعدما تسببت العمليات العسكرية والنزوح والنهب وتعطل الخدمات في إخراج قطاعات واسعة من النشاط الاقتصادي بالعاصمة.
لكن النسبة المعلنة تتطلب قراءة دقيقة؛ فالسلطات تحدثت عن فقدان يتراوح بين 69% و80%، وليس عن رقم نهائي موحد لجميع أنواع الحيوانات. كما أن تقديرات الخسائر تحتاج إلى حصر تفصيلي يوضح أعداد القطعان قبل الحرب وما تبقى منها، وطبيعة الفقد بين النفوق والنهب والنزوح وانتقال الحيوانات إلى ولايات أخرى.
خسارة 320 ألف رأس من الأبقار
تشير المعلومات التي أوردتها سودان تربيون إلى خسارة تقدر بنحو 320 ألف رأس من الأبقار في ولاية الخرطوم، نتيجة أعمال النهب وتدمير المزارع والبنية التحتية وغياب الخدمات البيطرية.
وتكتسب هذه الخسارة أهمية خاصة لأن جزءًا كبيرًا من الأبقار المفقودة ينتمي إلى سلالات محسنة وراثيًا، جرى تطويرها عبر برامج للتلقيح الاصطناعي والانتخاب على مدى يقارب نصف قرن، بهدف الجمع بين القدرة على التكيف مع الظروف المحلية وتحسين إنتاج الألبان.
وبحسب التقرير، فقدت العاصمة نحو 80% من قطعان الأبقار الهجين، وهو ما يعني أن الخسارة لا تتعلق بعدد الحيوانات فقط، وإنما برصيد وراثي وإنتاجي تراكم خلال سنوات طويلة.
وإعادة تكوين هذا الرصيد ليست عملية يمكن إنجازها بمجرد شراء أبقار بديلة. فالسلالات المحسنة تحتاج إلى برامج تربية وتلقيح ورعاية صحية وتغذية منتظمة، إلى جانب خبرات فنية وسجلات دقيقة للأنساب والإنتاج.
وكان وكيل وزارة الثروة الحيوانية قد أشار في مقابلة صحفية خلال مايو 2026 إلى تراجع أعداد الأبقار المنتجة للألبان في الخرطوم من نحو 300 ألف رأس قبل الحرب إلى أقل من 70 ألفًا، ما يعكس عمق الأزمة التي أصابت قطاع الألبان.
الألبان أول ضحايا انهيار المزارع
كانت الخرطوم تضم منظومة متكاملة نسبيًا لإنتاج الألبان، تشمل المزارع ومراكز التجميع والنقل والتصنيع والتوزيع، وترتبط بها أنشطة تجارية وعمالية واسعة.
ومع اندلاع الحرب، تعرضت هذه المنظومة لضربات متزامنة. فقد غادر أصحاب المزارع والعاملون مناطق الإنتاج، وتعطلت إمدادات الأعلاف والكهرباء والوقود، وتضررت وسائل النقل والتبريد، بينما فقدت مزارع عديدة قطعانها أو قدرتها على مواصلة العمل.
وتنعكس هذه الخسائر على المستهلكين بصورة مباشرة من خلال ضعف المعروض المحلي، وارتفاع تكاليف الإنتاج، وزيادة الاعتماد على البدائل الأعلى تكلفة عندما تتعطل سلاسل الإمداد.
ولا تقتصر أهمية الألبان على قيمتها التجارية، فهي مصدر غذائي أساسي للأطفال والأسر، وترتبط بها فرص عمل تمتد من تربية الأبقار إلى التصنيع والتوزيع.
ولهذا فإن إعادة تشغيل قطاع الألبان ينبغي أن تُعامل بوصفها أولوية للأمن الغذائي والتعافي الاقتصادي، وليس مجرد مشروع استثماري مؤجل إلى ما بعد إعادة إعمار المباني والطرق.
الخدمات البيطرية.. بنية تحتية غائبة
ناقش الاجتماع الحكومي فقدان المستشفيات والمعامل والعيادات البيطرية، ونقص اللقاحات والكوادر العاملة في مجال صحة الحيوان.
وتشكل هذه المرافق خط الدفاع الأول ضد الأمراض الحيوانية التي قد تنتشر عندما تتعطل حملات التحصين والرقابة البيطرية.
كما أن غياب التشخيص المبكر قد يؤدي إلى ارتفاع معدلات النفوق، وإلى خسائر إضافية للمربين الذين يحاولون استعادة نشاطهم.
ويزيد ضعف الخدمات البيطرية صعوبة نقل الحيوانات وإعادة تكوين القطعان، خصوصًا عندما تكون هناك حاجة إلى التأكد من سلامة الحيوانات الجديدة قبل إدخالها إلى المزارع.
ولا يمكن فصل إعادة إعمار القطاع عن تأهيل هذه المؤسسات؛ فشراء الحيوانات دون توفير اللقاحات والأطباء والأعلاف قد يؤدي إلى تكرار الخسائر بدل تعويضها.
الدواجن تواجه أزمة مختلفة
لم تتوقف التحديات عند الأبقار والأغنام، بل امتدت إلى قطاع الدواجن، الذي يعتمد على انتظام إمدادات الأعلاف والطاقة والخدمات البيطرية.
وحذر الاجتماع من تدهور أوضاع القطاع نتيجة القيود التي تفرضها بعض الولايات على خروج الذرة، وارتفاع أسعار الوقود والكهرباء والأعلاف.
وتؤدي هذه العوامل إلى زيادة تكلفة إنتاج الدواجن والبيض، وقد تدفع بعض المزارع إلى تقليص نشاطها أو التوقف عنه.
وأفادت المعلومات المنشورة بأن وزارة المالية سمحت باستيراد أعلاف الدواجن بوصفه إجراءً إسعافيًا، لكن استدامة الإنتاج تحتاج إلى حلول تتجاوز الاستيراد المؤقت، وتشمل إعادة تشغيل مصانع الأعلاف المحلية وتحسين حركة السلع بين الولايات.
إعادة الإعمار تحتاج إلى خطة لا إلى تعويضات فقط
أعلن وكيل وزارة الثروة الحيوانية عن توجه لإعداد خطة لمعالجة أزمة الأعلاف وتنمية المراعي، وتحسين سلالات الماعز، خصوصًا السعانين المعروفة بإنتاج الألبان، مع تعزيز التنسيق بين المؤسسات الاتحادية والولائية.
غير أن إعادة بناء القطاع تحتاج إلى معالجة مترابطة للخسائر، تبدأ بحصر الحيوانات المفقودة والمزارع المتضررة، وتحديد احتياجات المربين، ثم إعادة تشغيل الخدمات الأساسية.
كما ينبغي إعطاء أولوية لاستعادة السلالات المحسنة، وتأهيل مراكز التلقيح الاصطناعي، وإنشاء برامج تمويل ميسرة تساعد أصحاب المزارع الصغيرة والمتوسطة على العودة إلى الإنتاج.
ولا تقل أهمية إعادة تأهيل المسالخ ومرافق التبريد والتصنيع، حتى لا تقتصر جهود التعافي على زيادة أعداد الحيوانات دون بناء منظومة قادرة على تحويلها إلى إنتاج غذائي مستدام.
وقد أكد تقرير أصدره برنامج الأمم المتحدة الإنمائي في أغسطس 2026 أن استعادة سلاسل القيمة الزراعية والحيوانية تمثل فرصة مهمة لإحياء سبل العيش وتقليل الاعتماد على المساعدات الإنسانية.
الفاو تدخل على خط حماية ما تبقى
تأتي المطالبات بإعادة الإعمار بعد إطلاق منظمة الأغذية والزراعة للأمم المتحدة «الفاو»، في سبتمبر 2026، حملة وطنية تستهدف تطعيم 9.8 ملايين حيوان خلال الفترة 2026–2027، وحماية سبل عيش نحو 1.2 مليون أسرة تعتمد على الثروة الحيوانية.
وقالت المنظمة إن الحرب ألحقت أضرارًا جسيمة بالمرافق البيطرية، بما فيها المعمل المركزي للأبحاث البيطرية في سوبا، الذي كان ينتج قبل الحرب ما يصل إلى 35 مليون جرعة لقاح سنويًا.
وقدرت الفاو الخسائر المرتبطة بالثروة الحيوانية على مستوى السودان بنحو ثلاثة مليارات دولار، وهو تقدير وطني لا ينبغي الخلط بينه وبين الخسائر الخاصة بولاية الخرطوم.
وتوضح هذه المعطيات أن الأزمة لا يمكن معالجتها على مستوى الولاية وحدها، بل تتطلب إعادة بناء القدرات الوطنية لإنتاج اللقاحات وتشخيص الأمراض ودعم المربين.
من يتحمل فاتورة الخسارة؟
تطرح الأرقام المعلنة سؤالًا اقتصاديًا واجتماعيًا يتعلق بالجهة التي ستتحمل تكلفة إعادة بناء الثروة الحيوانية.
فكثير من أصحاب المزارع فقدوا الحيوانات والمعدات ورؤوس الأموال خلال الحرب، وقد لا يستطيعون العودة إلى الإنتاج دون تمويل أو تعويضات أو شراكات استثمارية.
كما أن التعويضات تحتاج إلى معايير واضحة وشفافة تضمن وصول الدعم إلى المتضررين الفعليين، وتمنع استبعاد المنتجين الصغار الذين قد لا يمتلكون سجلات مكتملة لخسائرهم.
ويصبح إجراء حصر شامل للمزارع والقطعان ضرورة لا غنى عنها قبل توزيع أي دعم واسع النطاق.
ومن المهم كذلك معرفة ما إذا كانت الحكومة ستضع جدولًا زمنيًا معلنًا لإعادة تشغيل المستشفيات البيطرية ومراكز إنتاج الألبان ومصانع الأعلاف، مع تحديد مصادر التمويل والجهات المسؤولة عن التنفيذ.
فإعادة الإعمار لا تقاس بعدد الاجتماعات والوعود، وإنما بعودة الإنتاج، وتحسن دخول المربين، وتوافر الغذاء بأسعار يستطيع المواطن تحملها.
ما الذي تغيّر وما الذي ينبغي متابعته؟
يتمثل التطور الجديد في إعلان السلطات الولائية حجمًا تقديريًا للخسائر يتراوح بين 69% و80% من القطيع، وطرح احتياجات محددة لإعادة إعمار القطاع أمام وزارة الثروة الحيوانية الاتحادية.
أما الاختبار المقبل فسيكون في تحويل هذه المطالب إلى برنامج تنفيذي، يبدأ بحصر الخسائر بصورة دقيقة، وإعادة تشغيل المرافق البيطرية، وتوفير اللقاحات والأعلاف، وإعادة تكوين قطعان الأبقار المنتجة للألبان.
كما ينبغي متابعة أثر الإجراءات الحكومية على أسعار الألبان واللحوم والدواجن، ومدى استفادة المربين الصغار من أي برامج تعويض أو تمويل.
إن ما خسرته الخرطوم خلال الحرب يتجاوز الأبقار والأغنام والمزارع. فقد تضررت خبرات تراكمت عبر أجيال، وسلالات جرى تحسينها خلال عقود، وشبكات إنتاج وتوزيع كانت تسهم في توفير الغذاء وفرص العمل.
ولهذا فإن إعادة بناء الثروة الحيوانية يجب أن تحتل موقعًا متقدمًا في أولويات التعافي الاقتصادي.
فإعمار العاصمة لا يكتمل بإصلاح الطرق والمباني وإعادة تشغيل المؤسسات وحدها، بل يحتاج أيضًا إلى استعادة قدرتها على إنتاج الغذاء وتوفير فرص العمل.
والسؤال الذي يواجه السلطات اليوم ليس فقط كيف تعوض مئات الآلاف من الحيوانات المفقودة، وإنما كيف تعيد بناء قطاع إنتاجي كامل، وتمنع أن تتحول خسائر الحرب إلى أزمة غذائية واقتصادية طويلة الأمد.
عين ترصد الحدث. وعقل يقرأ المشهد.
التعليقات
0 تعليقات