محررو لقطة AI – 13
20 أكتوبر 2026
دخلت العلاقات بين السودان وجنوب السودان مرحلة جديدة من التوتر، بعدما استدعت وزارة الخارجية في جوبا السفير السوداني احتجاجًا على هجوم بطائرات مسيّرة استهدف سوق أميت، المعروف أيضًا بسوق النعام، في منطقة أبيي المتنازع عليها، وأسفر عن مقتل 73 شخصًا وإصابة آخرين، وفق حصيلة أعلنتها السلطات المحلية ولم تخضع بعد للتحقق المستقل الكامل.
وجاء الاستدعاء الدبلوماسي مساء الاثنين 19 أكتوبر 2026، بعد ساعات من الهجوم الذي استهدف سوقًا تجارية رئيسية يرتادها مواطنون وتجار من السودان وجنوب السودان، وتُستخدم لتبادل الوقود والمواد الغذائية والسلع الأساسية.
وقالت وزارة خارجية جنوب السودان إنها استدعت السفير عصام محمد حسن كرار لإبلاغه احتجاج الحكومة وقلقها من الهجوم، الذي اتهمت القوات المسلحة السودانية بتنفيذه.
ودعت جوبا الخرطوم إلى اتخاذ إجراءات تمنع تكرار الاعتداءات التي تعرض حياة المدنيين للخطر، مؤكدة ضرورة معالجة القضايا المتعلقة بمنطقة أبيي عبر القنوات الدبلوماسية والآليات المشتركة القائمة بين البلدين.
ولم يصدر، حتى إعداد هذه المادة، تعليق رسمي سوداني يرد على الاتهامات أو يقدم رواية مفصلة بشأن العملية العسكرية.
وأكدت وكالة الأناضول وصحيفة سودان تربيون استدعاء السفير استنادًا إلى بيان وزارة الخارجية في جنوب السودان، بينما نقل راديو تمازج تفاصيل الحصيلة البشرية عن مسؤولين محليين في أبيي.
من سوق تجارية إلى ساحة للقصف
وقع الهجوم نحو الساعة الحادية عشرة والنصف صباح الاثنين، عندما تعرضت أجزاء متعددة من سوق أميت لضربات جوية، بحسب رواية السلطات المحلية.
وقال وزير الإعلام في إدارة أبيي، يوهانا أكول نقور، إن الضربات استهدفت مناطق وسط السوق وجنوبه وبوابته الشمالية، بما فيها مواقع مخصصة لبيع الوقود.
وأدت الانفجارات إلى اندلاع حرائق واسعة، بينما تصاعدت أعمدة الدخان فوق المحال التجارية ومناطق تخزين البضائع.
وأوضح المسؤول المحلي أن فرق الإنقاذ واجهت صعوبات في انتشال الجثث بسبب استمرار الحرائق وكثافة الدخان، وأن بعض الضحايا تعرضوا لحروق شديدة جعلت التعرف إلى هوياتهم أمرًا صعبًا.
وأعلن نقور مقتل 73 شخصًا وإصابة 19 آخرين، محذرًا من احتمال ارتفاع الحصيلة.
لكن هذه الأرقام تستند إلى بيانات الإدارة المحلية، ولم تؤكدها حتى الآن جهة تحقيق مستقلة.
كما لم تتوافر أدلة فنية منشورة تسمح بتحديد الجهة التي أطلقت المسيّرات بصورة قاطعة.
وتشير شهادات جمعها راديو تمازج إلى أن معظم الضحايا من التجار والمدنيين الذين كانوا موجودين داخل السوق وقت الهجوم.
وتحدث أحد التجار السودانيين عن وجود ضحايا من السودان وجنوب السودان وجنسيات أخرى، لكن القائمة النهائية بأسماء القتلى وجنسياتهم لم تُنشر بعد.
أطباء بلا حدود تؤكد استقبال المصابين
أضافت إفادات منظمة أطباء بلا حدود بعدًا طبيًا مهمًا إلى المعلومات المتعلقة بالهجوم.
فقد أعلنت المنظمة أن مستشفى أميث بيك، الذي تدعمه بالتعاون مع وزارة الصحة، استقبل أكثر من عشرين مصابًا، بينهم حالات حرجة وأشخاص يعانون حروقًا.
وقال مسؤول الأنشطة الطبية في المستشفى، الطبيب كريستيان لينداور، إن الفرق الطبية تقدم خدمات الجراحة وتضميد الجروح والرعاية الطارئة.
ولا يتعارض بالضرورة عدد المصابين الذين استقبلهم المستشفى مع الحصيلة الأولية التي أعلنتها السلطات المحلية، لأن الأرقام قد تكون جُمعت في أوقات مختلفة.
لكن الاختلاف يؤكد ضرورة انتظار حصيلة طبية موحدة قبل اعتماد العدد النهائي للجرحى.
وطالبت أطباء بلا حدود جميع أطراف النزاع بوقف الهجمات على المدنيين والمنشآت المدنية، وضمان قدرة السكان على الوصول إلى الرعاية الصحية بصورة آمنة.
وتكتسب شهادات العاملين الصحيين أهمية خاصة لأنها تقدم معلومات مباشرة عن الإصابات التي عولجت، وإن كانت لا تحدد المسؤولية العسكرية عن الهجوم.
لماذا أصبح سوق أميت هدفًا حساسًا؟
لا تقتصر أهمية سوق أميت على النشاط التجاري المحلي.
فقد تحول خلال سنوات الحرب السودانية إلى مركز رئيسي لتبادل الوقود والمواد الغذائية والأدوية ومواد البناء بين جنوب السودان ومناطق في كردفان ودارفور.
وتشير تقارير محلية إلى أن بعض شحنات الوقود التي تمر عبر السوق تتجه إلى مناطق تسيطر عليها قوات الدعم السريع.
كما نقل راديو تمازج عن مصادر محلية أن قوات الدعم السريع تحصل على جزء من احتياجاتها من الوقود عبر هذه المنطقة التجارية.
لكن وجود نشاط تجاري قد تستفيد منه قوة عسكرية لا يجعل السوق بأكمله هدفًا مشروعًا للهجوم.
فالقانون الدولي الإنساني يفرض التمييز بين الأهداف العسكرية والمدنيين، ويلزم الأطراف المتحاربة باتخاذ الاحتياطات الممكنة لتجنب الخسائر المدنية المفرطة.
كما أن استهداف مخازن الوقود داخل منطقة مزدحمة قد يؤدي إلى حرائق وانفجارات ثانوية تزيد الخسائر البشرية بصورة كبيرة.
ولهذا فإن التحقيق في الهجوم ينبغي ألا يقتصر على تحديد الجهة التي أطلقت المسيّرات، بل يجب أن يشمل طبيعة الأهداف المقصودة، والمعلومات المتاحة للمنفذين، والاحتياطات التي اتُخذت لحماية المدنيين.
أبيي.. نزاع قديم يدخل مرحلة أكثر خطورة
تقع أبيي بين السودان وجنوب السودان، ولا يزال وضعها النهائي محل نزاع منذ انفصال الجنوب عام 2011.
وكان اتفاق السلام الشامل لعام 2005 قد نص على ترتيبات لتحديد مستقبل المنطقة، لكن الخلافات بشأن أهلية المشاركة في الاستفتاء حالت دون حسم وضعها السياسي.
وتتداخل في أبيي مصالح المجتمعات المحلية، خصوصًا دينكا نقوك والمسيرية، إلى جانب المصالح الاقتصادية المرتبطة بالتجارة والرعي والنفط.
ومنذ عام 2011، تنتشر في المنطقة قوة الأمم المتحدة الأمنية المؤقتة لأبيي، المعروفة باسم «يونيسفا»، للمساعدة في حفظ الأمن والحد من التوترات.
لكن استمرار النزاع السياسي، ووجود جماعات مسلحة، واتساع تأثير الحرب السودانية، جعل المنطقة معرضة لمخاطر متكررة.
ويضيف الهجوم الأخير عنصرًا جديدًا إلى هذه المعادلة، لأنه يرتبط باتهامات باستخدام الطائرات المسيّرة في منطقة تخضع لترتيبات أمنية دولية خاصة.
كما أن وقوع خسائر بشرية كبيرة بين تجار ومواطنين من البلدين قد يزيد الضغوط الشعبية على الحكومتين.
هل تتجه الخرطوم وجوبا إلى مواجهة دبلوماسية أوسع؟
يمثل استدعاء السفير إجراءً احتجاجيًا رسميًا، لكنه لا يعني قطع العلاقات الدبلوماسية أو اتخاذ قرار بالمواجهة العسكرية.
فقد اختارت جوبا، حتى الآن، التعبير عن موقفها عبر وزارة الخارجية، مع الدعوة إلى الحوار ومنع تكرار الهجمات.
لكن استمرار الاتهامات دون تحقيق مستقل قد يؤدي إلى زيادة التوتر.
وتحتاج العلاقات بين السودان وجنوب السودان إلى قدر كبير من التنسيق بسبب المصالح المشتركة المرتبطة بالحدود والتجارة والنفط وحركة السكان.
كما تستضيف دولة جنوب السودان أعدادًا من الفارين من الحرب السودانية، بينما تعتمد مجتمعات حدودية في البلدين على النشاط التجاري المتبادل.
ولهذا فإن أي اضطراب طويل الأمد في أبيي قد يؤثر في حركة السلع والوقود والغذاء، ويزيد الضغوط على السكان الذين يعانون أصلًا آثار الحرب.
وتبرز هنا أهمية الدور الذي يمكن أن تؤديه بعثة يونيسفا في دعم التهدئة وتوثيق الوقائع ضمن حدود تفويضها.
المسؤولية القانونية لا تتوقف عند الاتهامات
أثار الهجوم تساؤلات جدية بشأن الالتزام بقواعد حماية المدنيين أثناء النزاعات المسلحة.
فاستهداف الأسواق المكتظة بالسكان يثير مخاوف قانونية كبيرة، خصوصًا عندما يؤدي إلى سقوط أعداد مرتفعة من الضحايا.
لكن تحديد ما إذا كان الهجوم يشكل جريمة حرب يتطلب تحقيقًا في طبيعة الأهداف، وهوية المنفذين، والظروف العسكرية، ومدى الالتزام بمبادئ التمييز والتناسب والاحتياطات الواجبة.
ولا يجوز اعتبار الاتهامات الصادرة عن طرف سياسي أو عسكري بديلًا عن الأدلة المستقلة.
وفي المقابل، فإن غياب التحقيق لا ينبغي أن يؤدي إلى تجاهل الضحايا أو تأخير تقديم المساعدات الإنسانية لأسرهم.
وتتمثل الأولوية العاجلة في علاج المصابين، والتعرف إلى هويات القتلى، وتوثيق شهادات الناجين، وحماية الأدلة التي قد تساعد في تحديد المسؤوليات لاحقًا.
ماذا ينبغي متابعته؟
تتجه الأنظار الآن إلى رد الحكومة السودانية على الاحتجاج الرسمي الذي قدمته جوبا.
كما سيكون من المهم معرفة ما إذا كانت بعثة يونيسفا ستصدر تقريرًا مفصلًا عن الهجوم، أو ستشارك في ترتيبات للتحقيق وحماية المدنيين.
وتبقى الحصيلة النهائية للضحايا، وهوياتهم، وطبيعة الذخائر المستخدمة، والجهة المسؤولة عن إطلاقها، من أبرز المسائل التي تحتاج إلى تحقق إضافي.
وسيكون موقف السلطات في البلدين من استمرار حركة التجارة عبر سوق أميت مؤشرًا مهمًا على التداعيات الاقتصادية للحادث.
إن مأساة أبيي تكشف خطر انتقال الحرب السودانية من ساحات القتال الداخلية إلى مناطق حدودية شديدة الحساسية، ترتبط بمصالح دولتين ومجتمعات محلية تعتمد على التعايش والتجارة.
كما تضع الحكومتين أمام اختبار يتجاوز تبادل الاتهامات، ويتمثل في حماية المدنيين ومنع تحول الحادث إلى أزمة أوسع.
فالمسؤولية الحقيقية لا تُقاس بقوة بيانات الإدانة أو الاحتجاج الدبلوماسي، وإنما بقدرة المؤسسات المعنية على كشف الحقيقة، ومحاسبة المسؤولين عن الانتهاكات، وضمان ألا تصبح الأسواق والمرافق المدنية أهدافًا متكررة في حرب يدفع الأبرياء ثمن استمرارها.
عين ترصد الحدث. وعقل يقرأ المشهد.
التعليقات
0 تعليقات