محررو لقطة 7
24 أكتوبر 2026
لم تعد المسيّرات في حرب السودان سلاحًا مساعدًا على أطراف المعارك؛ فقد أصبحت عنصرًا مؤثرًا في تحديد مدى القتال وطبيعة أهدافه، وفي قدرة كل طرف على الضغط على خصمه من دون خوض مواجهة برية مباشرة. ويكشف اتساع استخدامها عن تحوّل الحرب إلى صراع على السماء وخطوط الإمداد والمنشآت الحيوية، لا على المدن ومواقع السيطرة وحدها.
أحد دوافع هذا التصاعد هو اختلال ميزان القوة الجوية. فالجيش السوداني يمتلك طيرانًا حربيًا، بينما مكّنت المسيّرات قوات الدعم السريع من تهديد مواقع بعيدة عن خطوط المواجهة، والوصول إلى مدن ومرافق في مناطق يسيطر عليها الجيش. وفي المقابل، وسّع الجيش استخدام المسيّرات ضمن عملياته الجوية ضد مواقع الدعم السريع، في وقت تحاول فيه القوات المتحاربة تطوير قدراتها وتكييف أساليبها مع ما يملكه الطرف الآخر.
وتخدم المسيّرات أهدافًا تتجاوز استهداف المقاتلين. فالجيش يستخدم الضربات الجوية والمسيّرات لمهاجمة معاقل الدعم السريع، وللضغط على طرق نقل الوقود والسلاح والمقاتلين. أما الدعم السريع، فتشير بيانات وتحليلات ميدانية إلى اعتماده في بعض هجماته على ضربات أقل عددًا لكنها تستهدف قواعد عسكرية ومنشآت اقتصادية ومواقع مؤثرة في قدرة الجيش على إدارة المناطق الخاضعة له. وبهذا تصبح البنية التحتية جزءًا من ميدان المعركة، سواء كانت مطارًا أو محطة كهرباء أو مستودع وقود أو طريق إمداد.
وهنا تكمن فعالية المسيّرة العسكرية بالنسبة إلى طرفي الحرب: فهي تتيح المراقبة والضرب من مسافة، وتقلل الحاجة إلى تحريك وحدات برية نحو أهداف محمية أو بعيدة. كما تسمح باستمرار الضغط على الخصم عندما تصعب العمليات البرية، بما في ذلك خلال موسم الأمطار، أو حين تتعطل الطرق وتتباطأ حركة القوات. لذلك لا يقتصر أثرها على تدمير هدف محدد؛ إذ يمكن للتهديد المتكرر أن يربك حركة السكان والموظفين والتجارة، ويجعل مناطق واسعة تعيش تحت احتمال الضربة.
ويساعد تدفق الأسلحة والخبرات من الخارج على تفسير انتقال المسيّرات إلى هذا الموقع المتقدم في الحرب. فقد أشار تقرير لبعثة تقصي الحقائق التابعة للأمم المتحدة إلى أن الدعم العسكري الخارجي، بما يشمل الطائرات المسيّرة والعتاد والتدريب، عزز قدرة الطرفين على تنفيذ ضربات بعيدة المدى. وتضمنت تقارير عن ذلك اتهامات لشبكات إمداد ودول وأطراف خارجية، وهي اتهامات نفى بعضها تقديم دعم عسكري. لكن المحصلة التي تهم السودانيين واضحة: كلما تطورت هذه القدرات، اتسعت رقعة الخطر وصار من الأصعب احتواء المعارك داخل جبهات محددة.
غير أن اتساع استخدام المسيّرات لا يعني أن الضربات دقيقة بالضرورة، ولا أن المدنيين بمنأى عن آثارها. فقد حذرت مفوضية الأمم المتحدة السامية لحقوق الإنسان من تصاعد القتلى المدنيين بسببها. ونقلت رويترز عن بيانات المفوضية مقتل ما لا يقل عن 880 شخصًا بضربات المسيّرات بين يناير وأبريل 2026. كما أورد تقرير أممي أن هجمات أصابت أسواقًا ومرافق صحية وتعليمية ومواقع نزوح، وأن ضربات على منشآت الكهرباء والوقود في الأبيض عطلت خدمات أساسية، بينها المياه والرعاية الصحية والنقل.
وتضع الضربة التي استهدفت سوق أمِيت في منطقة أبيي هذا الخطر في الواجهة. فقد أوردت رويترز أن أكثر من 150 شخصًا قُتلوا في الهجوم، بينما قال مسؤول عسكري سوداني إن الهدف كان شاحنات وقود يُعتقد أنها متجهة إلى قوات الدعم السريع. وتبقى الملابسات والمسؤوليات موضع تحقيق، لكن وقوع ضربة في منطقة مأهولة وما أعقبها من خسائر فادحة يوضحان أن استهداف ما يُشتبه بأنه هدف عسكري قد يعرّض المدنيين لعواقب كارثية، خصوصًا حين يكون داخل سوق أو قرب تجمع سكاني.
إن تصاعد استخدام المسيّرات ليس مجرد تحديث تقني لأسلحة الحرب، بل علامة على انتقالها إلى مرحلة أوسع في الاستنزاف والضغط على المدن والخدمات. وكلما اتسع تدفقها واستخدامها من دون ضوابط ومحاسبة، زادت احتمالات تمدد القتال وتضاعفت كلفته على السكان. لذلك لا ينبغي أن ينحصر النقاش في قدرة كل طرف على إسقاط مسيّرات خصمه، بل يجب أن يشمل حماية المدنيين والمنشآت، والتحقيق في الضربات، ووقف إمداد السلاح الذي يطيل الحرب.
محررو لقطة 7
عين ترصد الحدث. وعقل يقرأ المشهد
التعليقات
0 تعليقات