محررو لقطة 9
٢٤ أكتوبر 2026
عندما يتوجه الأميركيون إلى انتخابات التجديد النصفي، تبدو المنافسة وكأنها مواجهة ثابتة بين الحزبين الجمهوري والديمقراطي، تُجرى في يوم واحد وتتابعها وسائل الإعلام عبر خرائط ملونة واستطلاعات متلاحقة. لكن أول انتخابات نصفية في تاريخ الولايات المتحدة كانت مختلفة تمامًا: لم تكن هناك أحزاب سياسية منظمة، ولم يوجد يوم اقتراع وطني موحد، كما لم يكن معظم السكان يملكون حق التصويت.
جرت تلك الانتخابات خلال عامي 1790 و1791، في منتصف الولاية الرئاسية الأولى لجورج واشنطن، لاختيار أعضاء الكونغرس الثاني. ولم يكن الأميركيون حينها يستخدمون مصطلح «الانتخابات النصفية» بمعناه السياسي المعاصر؛ فقد نشأ الوصف من وقوع انتخابات مجلس النواب كل عامين، بينما تستمر ولاية الرئيس أربعة أعوام.
وكانت الدولة الأميركية الجديدة لا تزال في طور بناء مؤسساتها بعد إقرار الدستور، كما كان الكونغرس الأول يضع القوانين التي ستحدد شكل الحكومة الفيدرالية وصلاحياتها وعلاقتها بالولايات.
لماذا أصبحت الانتخابات كل عامين؟
نص الدستور الأميركي على انتخاب أعضاء مجلس النواب كل سنتين. وأراد واضعو الدستور أن يكون المجلس قريبًا من الرأي العام، وقابلًا للمحاسبة بصورة متكررة، بخلاف مجلس الشيوخ الذي مُنح أعضاؤه ولاية مدتها ست سنوات.
وكانت مدة العامين حلًا وسطًا بين من أرادوا انتخابات سنوية تضمن رقابة الناخبين، ومن رأوا أن الفترة القصيرة لا تمنح الممثلين وقتًا كافيًا لفهم العمل التشريعي وأداء واجباتهم.
ومنذ تأسيس مجلس النواب، ظل جميع أعضائه يخضعون للانتخاب كل عامين. أما مجلس الشيوخ فقُسّم إلى ثلاث فئات، بحيث يجري اختيار نحو ثلث أعضائه كل سنتين، منعًا لتغيير المجلس بأكمله في وقت واحد.
لكن أعضاء مجلس الشيوخ لم يكونوا يُنتخبون مباشرة من الشعب في ذلك الوقت؛ إذ كانت المجالس التشريعية في الولايات تتولى اختيارهم. ولم يبدأ الانتخاب الشعبي المباشر لأعضاء المجلس إلا بعد إقرار التعديل السابع عشر للدستور عام 1913.
انتخابات امتدت نحو عام ونصف
لم تُجرَ أول انتخابات نصفية في يوم واحد. فقد منح الدستور الولايات سلطة واسعة لتنظيم الاقتراع وتحديد مواعيده وإجراءاته، لذلك اختارت كل ولاية موعدها وطريقتها.
بدأت بعض انتخابات مجلس النواب في نيويورك في 27 أبريل 1790، بينما امتدت آخر عمليات الاقتراع إلى 11 أكتوبر 1791. وهكذا استمرت الدورة الانتخابية نحو عام ونصف، قبل اجتماع الكونغرس الثاني في أكتوبر 1791.
وكان انتقال الأخبار والمرشحين والنتائج بطيئًا، في بلد يعتمد على الخيول والسفن والرسائل الورقية. ولم تكن هناك سلطة انتخابية وطنية تجمع النتائج فورًا، أو حملات تلفزيونية، أو استطلاعات رأي، أو مناظرات تصل إلى جميع الولايات.
حتى شكل ورقة الاقتراع وطريقة التصويت لم يكونا موحدين؛ فقد استخدمت الولايات قواعد مختلفة، وانتخبت بعضها النواب ضمن دوائر منفصلة، بينما اختارت ولايات أخرى ممثليها على مستوى الولاية بأكملها.
بلا أحزاب.. ولكن بفصائل سياسية
لم يكن الحزبان الجمهوري والديمقراطي موجودين، كما لم تكن الأحزاب السياسية المنظمة قد تشكلت بعد. وكان جورج واشنطن نفسه ينظر إلى الانقسام الحزبي بريبة، شأنه في ذلك شأن عدد من مؤسسي الدولة الذين خشوا أن تتحول الأحزاب إلى جماعات تقدم مصالحها على مصلحة الاتحاد.
لكن غياب الأحزاب الرسمية لم يعنِ غياب الصراع السياسي. فقد بدأت داخل الحكومة والكونغرس كتلتان غير منظمتين في التبلور: مؤيدون لإدارة واشنطن وبرنامج وزير الخزانة ألكسندر هاملتون، ومعارضون لبعض توجهات الإدارة اقتربوا من أفكار توماس جيفرسون وجيمس ماديسون.
تمحور الخلاف حول قوة الحكومة الفيدرالية، وإنشاء بنك وطني، وإدارة ديون الحرب، وعلاقة الدولة الجديدة ببريطانيا وفرنسا، وحدود سلطة الرئيس. ومن هذه الانقسامات نشأ لاحقًا الحزب الفيدرالي والحزب الديمقراطي الجمهوري.
ويؤكد مجلس الشيوخ الأميركي أن الأحزاب المنظمة تطورت خلال تسعينيات القرن الثامن عشر، لكن الفصائل التي أنتجتها ظهرت سريعًا بعد قيام الحكومة الفيدرالية.
من كان يحق له التصويت؟
رغم أن الانتخابات مثّلت خطوة مهمة في بناء الجمهورية، فإنها كانت بعيدة عن الاقتراع العام المعروف اليوم. لم يضع الدستور معيارًا اتحاديًا موحدًا لأهلية الناخبين، بل ترك المسألة للولايات.
وفي معظم الولايات، اقتصر التصويت عمليًا على الرجال البيض الذين بلغوا السن القانونية واستوفوا شروطًا تتعلق بملكية الأرض أو الثروة أو دفع الضرائب. ولذلك استُبعدت النساء، والمستعبدون، وغالبية السود الأحرار، والفقراء من المشاركة، مع وجود استثناءات محدودة اختلفت من ولاية إلى أخرى.
كما أن احتساب السكان المستعبدين ضمن معادلة التمثيل، وفق تسوية الثلاثة أخماس، منح الولايات التي يعتمد اقتصادها على العبودية وزنًا أكبر في مجلس النواب، رغم حرمان هؤلاء السكان من الحرية والتصويت. وكانت الديمقراطية الوليدة تحمل بذلك تناقضًا أساسيًا بين إعلان حكم الشعب وحصر المشاركة في شريحة صغيرة منه.
ماذا كانت نتيجة الانتخابات؟
لم تؤد الانتخابات إلى انقلاب سياسي واسع أو رفض شعبي للرئيس، كما يحدث أحيانًا في الانتخابات النصفية الحديثة. احتفظ أنصار إدارة واشنطن بنفوذ قوي في الكونغرس، فيما عزز المعارضون وجودهم، وبدأ الانقسام حول البرنامج الاقتصادي للحكومة يتحول إلى اصطفاف سياسي أكثر وضوحًا.
وكانت القضايا المطروحة مختلفة عن برامج الحملات المعاصرة. فقد انشغل الناخبون والنخب السياسية بمستقبل الاتحاد، والضرائب، والديون، والبنك الوطني، ومكان العاصمة، وحدود العلاقة بين الحكومة المركزية والولايات.
وتزامنت الانتخابات مع أول تعداد سكاني اتحادي عام 1790، والذي سجل نحو 3.9 مليون نسمة. وأصبح التعداد أساسًا لإعادة توزيع مقاعد مجلس النواب بين الولايات، وترسيخ العلاقة بين عدد السكان والتمثيل السياسي.
تجربة صغيرة صنعت تقليدًا مستمرًا
لم تكن انتخابات 1790 و1791 ديمقراطية مكتملة ولا منافسة حزبية بالمفهوم الحديث، لكنها أرست تقليدًا دستوريًا مهمًا: السلطة التشريعية تعود بصورة دورية إلى الناخبين، حتى عندما لا يكون منصب الرئيس مطروحًا للاقتراع.
ومع مرور الزمن، توسع حق التصويت، وانتقل اختيار أعضاء مجلس الشيوخ إلى الشعب، وتوحد موعد الانتخابات الفيدرالية، وظهرت الأحزاب والحملات الوطنية. لكن القاعدة الأساسية بقيت كما وُضعت في القرن الثامن عشر: كل عامين يستطيع الناخبون إعادة تشكيل مجلس النواب وجزء من مجلس الشيوخ، وتعديل ميزان القوة في واشنطن.
بدأت الانتخابات النصفية الأميركية إذن من اقتراعات متفرقة بين الولايات، شاركت فيها فئة محدودة من السكان، وتنافس خلالها مرشحون بلا شعارات حزبية رسمية. ومع ذلك، كانت الانقسامات موجودة تحت السطح، وسرعان ما تحولت إلى أحزاب ستعيد رسم الحياة السياسية الأميركية لعقود طويلة.
محررو لقطة 9
عين ترصد الحدث. وعقل يقرأ المشهد.
المصادر:
- مجلس النواب الأميركي: تاريخ الانتخابات الدورية وأسباب اعتماد مدة العامين.
- مجلس الشيوخ الأميركي: تطور الانقسامات والأحزاب السياسية الأولى.
- مجلس النواب الأميركي: الكونغرس الأول وبدايات الانتخاب المباشر.
- الأرشيف الوطني الأميركي: سجلات تعداد عام 1790 والانتخابات الفيدرالية الأولى.
التعليقات
0 تعليقات