الثلاثاء، 27 أكتوبر 2026 بتوقيت السودان
عاجل
اكتب رأيك رأيك ذو قيمة في موقع لقطة AI

مدارس السودان بين أنقاض الحرب وأجور المعلمين.. هل يخسر البلد جيلًا كاملًا من التعليم؟

f تابع لقطة AI على فيسبوك

تابع آخر الأخبار والتحليلات والتقارير فور نشرها.

مدارس السودان بين أنقاض الحرب وأجور المعلمين.. هل يخسر البلد جيلًا كاملًا من التعليم؟
💬 تعليق 0

محررو لقطة AI – 19

26 أكتوبر 2026

لم تعد أزمة التعليم الحكومي في السودان مجرد توقف للدراسة بسبب الحرب، بل تحولت إلى أزمة تهدد مستقبل ملايين الأطفال، بعدما اجتمعت ثلاثة عوامل شديدة الخطورة: تدمير المدارس وإغلاقها، وانقطاع رواتب المعلمين وتدهور قيمتها، واتساع الفجوة بين الأطفال القادرين على مواصلة تعليمهم وأولئك الذين دفعتهم ظروف النزوح والفقر إلى مغادرة الفصول الدراسية.

وفي تحقيق نشرته «سودان تربيون»، الأحد 25 أكتوبر 2026، برزت صورة قاتمة لقطاع تعليمي يحاول استعادة نشاطه في بعض المناطق، بينما تظل مناطق أخرى محرومة من الدراسة، ويواجه المعلمون صعوبات متزايدة في توفير احتياجات أسرهم.

وكشف التحقيق عن استمرار تعثر تنفيذ قرارات حكومية تتعلق بمستحقات المعلمين، رغم توجيهات رسمية متكررة بصرف المتأخرات وتحسين أوضاع العاملين في التعليم.

وتأتي هذه التطورات في وقت يواصل فيه معلمون بولاية الخرطوم خطوات احتجاجية وإضرابات للمطالبة بحقوقهم المالية، ما يضع محاولات استئناف العام الدراسي أمام تحديات جديدة.

ملايين الأطفال خارج الفصول

تشير تقديرات الأمم المتحدة لعام 2026 إلى أن نحو 10.5 مليون طفل يحتاجون إلى دعم تعليمي، وأن قرابة 60% من الأطفال في سن الدراسة لا يلتحقون بالتعليم النظامي.

وتوضح بيانات منظمة الأمم المتحدة للطفولة «يونيسف» أن 13,220 مدرسة من أصل 19,390 كانت تعمل في يناير 2026، أي نحو 68% من المدارس التي شملتها البيانات.

لكن وجود مدرسة ضمن قائمة المؤسسات العاملة لا يعني بالضرورة أن جميع الأطفال يستطيعون الوصول إليها، أو أنها تقدم تعليمًا منتظمًا ومتكاملًا.

فقد تعمل بعض المدارس بأعداد محدودة من المعلمين، أو دون كتب كافية، أو في مبانٍ تحتاج إلى صيانة، بينما تعجز أسر كثيرة عن تحمل تكاليف النقل والاحتياجات المدرسية.

وتتفاوت المؤشرات أيضًا بحسب الجهة التي تجمع البيانات والفترة التي تغطيها. ولذلك لا يصح جمع الأرقام الصادرة في سنوات مختلفة أو التعامل معها باعتبارها تقديرًا واحدًا لحجم الأزمة الحالية.

وكانت منظمة «أنقذوا الأطفال» قد حذرت في يناير 2026 من أن أكثر من ثمانية ملايين طفل فقدوا فترات طويلة من التعليم، مشيرة إلى أن بعض الأطفال أمضوا نحو 484 يومًا دون دخول الفصول الدراسية.

وفي شمال دارفور، لم تتجاوز نسبة المدارس المفتوحة 3% وفق البيانات التي استندت إليها المنظمة، بينما ظلت معدلات التشغيل منخفضة في ولايات أخرى تشهد النزاع.

وهذه الأرقام لا تعكس فقط توقف الدراسة، وإنما تكشف تفاوتًا جغرافيًا قد يؤدي إلى ظهور أجيال تمتلك فرصًا تعليمية مختلفة داخل البلد الواحد.

المعلمون بلا رواتب منتظمة.. من يستطيع البقاء في الفصل؟

في قلب الأزمة يقف المعلم السوداني، الذي يُطلب منه إعادة الطلاب إلى المدارس والمحافظة على العملية التعليمية، بينما يعجز كثيرون عن الحصول على أجورهم بصورة منتظمة.

وقال المتحدث باسم لجنة المعلمين السودانيين، سامي الباقر، في تصريحات نشرتها «سودان تربيون»، إن استمرار تأخر المستحقات وضعف الأجور دفعا معلمين إلى البحث عن مصادر دخل بديلة، وأثّرا في استقرار المدارس.

وأوضح أن اللجنة تتمسك بتنفيذ قرارات حكومية سابقة تتعلق بالحقوق المالية، بينها قرارات صدرت خلال أعوام 2016 و2022 و2025 و2026، مشيرًا إلى أن بعضها لم ينفذ بصورة كاملة في عدد من الولايات.

وطالبت اللجنة برفع الحد الأدنى للأجور إلى 500 ألف جنيه سوداني، وصرف المتأخرات، وضمان انتظام الرواتب، وإصلاح الهيكل الراتبي ومعالجة التفاوت بين الولايات.

كما دعت إلى تخصيص 20% من الموازنة العامة للتعليم، باعتباره استثمارًا ضروريًا لإنقاذ القطاع.

وهذه المطالب تعبر عن موقف اللجنة النقابي، ولا تعني أن الحكومة أقرتها جميعًا أو وفرت التمويل اللازم لتنفيذها.

وفي السابع من أكتوبر الجاري، أعلنت وكالة السودان للأنباء أن رئيس الوزراء كامل إدريس وجّه بصرف متأخرات المعلمين في جميع الولايات، خلال اجتماع ضم وزيري التعليم والمالية وممثلين عن العاملين في القطاع.

لكن استمرار الشكاوى والإضرابات بعد ذلك التاريخ يثير تساؤلات بشأن التنفيذ الفعلي للتوجيهات، ومدى وصول المستحقات إلى المعلمين في مختلف الولايات.

ولا تكفي القرارات وحدها لإعادة الاستقرار إلى التعليم إذا لم تتحول إلى مدفوعات منتظمة يمكن للمعلمين الاعتماد عليها في حياتهم اليومية.

إضرابات الخرطوم تكشف الفجوة بين القرارات والتنفيذ

دخل إضراب معلمي ولاية الخرطوم يومه الثاني في 22 أكتوبر، بحسب تقرير نشره «الغد السوداني»، احتجاجًا على تأخر المستحقات وعدم انتظام الرواتب وتدهور الأوضاع المعيشية.

وقالت لجنة المعلمين إن الإضراب شمل مراحل دراسية مختلفة، وإنها تواصل تقييم الاستجابة للمطالب تمهيدًا لتحديد خطواتها التالية.

وتكشف هذه التحركات عن مفارقة صعبة: ففي الوقت الذي تسعى فيه السلطات إلى إعادة فتح المدارس بعد سنوات من الحرب، تتعطل الدراسة بسبب عجز المؤسسات عن توفير الاستقرار المالي للعاملين فيها.

وقد تتحول هذه المشكلة إلى دائرة متكررة من الأزمات؛ فغياب الرواتب يدفع المعلمين إلى الإضراب أو ترك المهنة، ونقص المعلمين يؤدي إلى تعطيل الدراسة، ثم يتراجع انتظام الطلاب، وتتسع الفجوة التعليمية.

ولا ينبغي اختزال الأزمة في الخلاف بين الحكومة ولجنة المعلمين، لأن الطرف الأكثر تأثرًا باستمرارها هو الطالب الذي يفقد أيامًا إضافية من التعلم بعد سنوات من الانقطاع.

المدارس نفسها لم تنجُ من الحرب

لم تقتصر خسائر التعليم على الأجور والكوادر البشرية.

فقد تعرضت مدارس للتدمير أو التخريب، بينما استُخدمت مدارس أخرى لإيواء النازحين أو لأغراض عسكرية، الأمر الذي جعل إعادة فتحها أكثر تعقيدًا.

وفي سبتمبر الماضي، أعلنت يونيسف أن ضربات بطائرات مسيّرة استهدفت مستودعين في محلية شيكان بولاية شمال كردفان، ودمرت أكثر من 292 ألف كتاب مدرسي و40 ألف كتاب للمراجعة في اللغة العربية والرياضيات، إلى جانب مواد تعليمية أخرى.

وكانت هذه المواد مخصصة للتوزيع مع بداية العام الدراسي في أكتوبر، بما في ذلك مدارس في غرب بارا وبارا وأم دم.

وتكشف هذه الواقعة كيف يمكن لضربة واحدة على مخزون تعليمي أن تؤثر في آلاف الأطفال، حتى عندما لا تستهدف مدرسة بصورة مباشرة.

وفي مدينة الأبيض، أفاد المجلس النرويجي للاجئين، في 15 أكتوبر، بأن تحليق المسيّرات يدفع بعض المدارس إلى تعليق الحصص الدراسية بصورة متكررة.

ونقل عن معلمين مخاوفهم من استمرار الدراسة في ظل التهديدات الأمنية، بينما يعمل المجلس وشركاؤه على توفير مساحات تعليمية ودعم نفسي للأطفال المتأثرين بالحرب.

وهكذا لم يعد التحدي مقتصرًا على العثور على فصل دراسي ومعلم، بل أصبح يشمل ضمان قدرة الأطفال على الذهاب إلى المدرسة والعودة منها بأمان.

هل يتحول التعليم إلى امتياز للأسر المقتدرة؟

من أخطر نتائج الأزمة احتمال اتساع الفجوة بين التعليم الحكومي والخاص.

فالأسر التي تمتلك موارد مالية قد تستطيع إلحاق أبنائها بمدارس خاصة أو توفير دروس بديلة أو الانتقال إلى مناطق أكثر استقرارًا.

أما الأسر النازحة والفقيرة، فقد لا تمتلك هذه الخيارات، خصوصًا إذا فقدت مصادر دخلها أو اضطرت إلى الإنفاق على السكن والغذاء والعلاج.

وفي مثل هذه الظروف، يصبح استمرار الطفل في التعليم مرتبطًا بالقدرة المالية لأسرته، بدلًا من كونه حقًا متاحًا للجميع.

ويحذر تربويون من أن الانقطاع الطويل قد يؤدي إلى ارتفاع معدلات التسرب، وزيادة عمالة الأطفال، والزواج المبكر، وصعوبة عودة الطلاب الأكبر سنًا إلى الفصول بعد سنوات من الابتعاد عنها.

كما أن فقدان التعليم الأساسي لا يؤثر في فرص العمل المستقبلية وحدها، بل ينعكس على مستويات المعرفة والمهارات والصحة والمشاركة الاقتصادية.

وتزداد خطورة ذلك بالنسبة إلى الفتيات والأطفال النازحين وذوي الإعاقة، الذين قد يواجهون عقبات إضافية في الوصول إلى التعليم.

شهادات دراسية في بلد منقسم

تطرح الحرب تحديًا آخر يتعلق بوحدة النظام التعليمي والاعتراف بالشهادات.

فمع استمرار سيطرة أطراف مختلفة على مناطق من البلاد، ظهرت خلافات بشأن تنظيم الامتحانات وإدارة المؤسسات التعليمية والاعتراف بالنتائج.

ويشير تحقيق «سودان تربيون» إلى مخاوف تربوية من اتساع هذا الانقسام، خصوصًا مع الحديث عن ترتيبات تعليمية وامتحانية منفصلة في مناطق سيطرة قوات الدعم السريع وحلفائها.

ولا يتعلق الخطر هنا بالمناهج وحدها، وإنما بمستقبل الطلاب الذين قد يجدون أنفسهم أمام شهادات مختلفة أو إجراءات اعتراف غير واضحة.

فإذا لم تتوافر آلية وطنية موحدة أو ترتيبات معترف بها لحماية المسارات التعليمية، فقد يواجه الطلاب صعوبات في الانتقال بين الولايات أو الالتحاق بالجامعات أو استكمال الدراسة خارج السودان.

ويحتاج التعامل مع هذه القضية إلى حلول فنية وقانونية تضع حقوق الطلاب فوق الخلافات السياسية والعسكرية.

إعادة فتح المدارس لا تكفي

يرى الخبير التربوي إلياس باسيل، في تصريحات نقلتها «سودان تربيون»، أن استعادة التعليم تحتاج إلى حلول مرنة تتناسب مع اختلاف الأوضاع الأمنية والاقتصادية بين الولايات.

ومن المقترحات التي طرحها إنشاء مساحات تعلم مؤقتة في المراكز المجتمعية والمباني العامة الآمنة، وتنظيم الدراسة على فترات متعددة، وتوفير مواد تعليمية منخفضة التكلفة، مع دعم المعلمين النازحين.

لكن نجاح هذه البدائل يتطلب أكثر من توفير مبنى مؤقت.

فالتعليم يحتاج إلى منهج واضح، ومعلمين مؤهلين، ونظام لتقييم الطلاب، وخدمات حماية ودعم نفسي، خصوصًا للأطفال الذين شهدوا القتال أو فقدوا أفرادًا من أسرهم.

كما أن إعادة تأهيل المدارس يجب أن تشمل المياه ودورات المياه والمقاعد والكتب، لا مجرد إصلاح الجدران والأسقف.

ومن دون معالجة هذه العناصر معًا، قد تتحول إعادة فتح المدارس إلى مؤشر إداري لا يعكس جودة التعليم الفعلية.

إنقاذ التعليم يبدأ من استعادة مسؤولية الدولة

تكشف الأزمة أن التعليم الحكومي في السودان يحتاج إلى خطة وطنية للتعافي، تجمع بين التمويل العاجل والإصلاح المؤسسي والحماية الأمنية.

فصرف متأخرات المعلمين يمثل خطوة ضرورية، لكنه لا يغني عن وضع آلية دائمة لضمان انتظام الأجور ومراجعتها في ضوء تكاليف المعيشة.

كما أن إعادة بناء المدارس ينبغي أن ترتبط بخريطة واضحة للأضرار والاحتياجات، تبدأ بالمناطق الأكثر حرمانًا من التعليم، لا بالمناطق الأسهل وصولًا فقط.

وتحتاج السلطات والمنظمات الدولية إلى تنسيق أفضل لتحديد أعداد الأطفال خارج المدارس، وتوحيد البيانات، وتوفير مسارات للعودة إلى الدراسة تراعي تفاوت الأعمار ومستويات التحصيل.

وسيكون من المهم كذلك حماية المدارس من الاستخدام العسكري، وتوفير بدائل إنسانية آمنة للنازحين المقيمين داخل المباني التعليمية، حتى لا تتحول استعادة حق الأطفال في الدراسة إلى أزمة جديدة للأسر المشردة.

والاختبار الحقيقي لأي خطة حكومية سيكون في قدرتها على الإجابة عن ثلاثة أسئلة: هل عاد المعلم إلى الفصل بأجر منتظم؟ وهل وجد الطفل مدرسة آمنة قريبة من منزله أو مكان نزوحه؟ وهل أصبح التعليم متاحًا للأسر الفقيرة كما هو متاح للقادرين؟

إن الخسارة التي يتعرض لها السودان اليوم لا يمكن قياسها بعدد المدارس المدمرة أو الرواتب المتأخرة وحدها. فكل عام دراسي يضيع يترك أثرًا طويلًا في فرص الأطفال وفي قدرة المجتمع على التعافي وإعادة البناء.

وإذا استمر التعليم الحكومي في التراجع، فقد تنتهي الحرب يومًا بينما يواجه السودان أزمة أخرى تمتد لعقود: جيل واسع حُرم من المهارات والمعرفة التي يحتاجها لبناء مستقبله ومستقبل بلاده.

ولذلك فإن إنقاذ المدارس والمعلمين ليس ملفًا خدميًا يمكن تأجيله إلى ما بعد الحرب، بل جزء أساسي من حماية المجتمع السوداني ومنع انتقال آثار النزاع إلى الأجيال القادمة.

عين ترصد الحدث. وعقل يقرأ المشهد.

التعليقات

0 تعليقات

أضف تعليقاً