الثلاثاء، 27 أكتوبر 2026 بتوقيت السودان
عاجل
اكتب رأيك رأيك ذو قيمة في موقع لقطة AI

أطفال فروا من دارفور أصبحوا آباء في المخيمات.. جيل سوداني جديد يولد في انتظار عودة لا تأتي

f تابع لقطة AI على فيسبوك

تابع آخر الأخبار والتحليلات والتقارير فور نشرها.

أطفال فروا من دارفور أصبحوا آباء في المخيمات.. جيل سوداني جديد يولد في انتظار عودة لا تأتي
💬 تعليق 0

محررو لقطة AI – 13

27 أكتوبر 2026

كشف تحقيق صحفي موسع نشرته وكالة رويترز، الاثنين 26 أكتوبر 2026، عن تحول اللجوء السوداني في شرقي تشاد من أزمة إنسانية كان يُفترض أن تكون مؤقتة إلى واقع يمتد عبر الأجيال، بعدما أمضى لاجئون فروا من حرب دارفور عام 2003 أكثر من عقدين داخل المخيمات، وأصبح بعضهم يربي أطفاله في الأماكن نفسها التي وصل إليها صغيرًا.

ويسلط التحقيق الضوء على ثلاثة لاجئين سودانيين، هم أحمد يحيى وشقيقه صدام إسماعيل وابن عمهما الهادي صالح، الذين وصلوا إلى مخيم إيريديمي في تشاد قبل أكثر من عشرين عامًا، بعد فرارهم من الهجمات التي شهدتها قراهم في شمال دارفور.

كان أحمد في التاسعة من عمره عندما اضطر إلى مغادرة قريته، منفصلًا عن معظم أفراد أسرته، قبل أن يصل إلى المخيم بعد رحلة شاقة.

واليوم، يبلغ أحمد 32 عامًا، ويعيش مع زوجته وطفليه في منزل داخل المخيم الذي نشأ فيه.

أما شقيقه وابن عمه، فلا يزالان يواجهان المصير نفسه، وسط فرص محدودة للعمل وصعوبات متزايدة في الحصول على الغذاء والمياه.

وتكشف قصتهم جانبًا من مأساة أوسع يعيشها نحو 1.4 مليون لاجئ سوداني في تشاد، بينهم قرابة 974 ألف شخص فروا من السودان منذ اندلاع الحرب الحالية في أبريل 2023.

ولا تتمثل المأساة في استمرار اللجوء وحده، وإنما في غياب مسار واضح يسمح للاجئين بالعودة الآمنة إلى وطنهم أو بناء حياة مستقرة في بلد الاستضافة. 

مخيم تحول إلى مجتمع دائم دون مقومات الحياة

أُنشئ مخيم إيريديمي عام 2004 لاستقبال الفارين من حرب دارفور.

وكان عدد سكانه عند افتتاحه يقارب 15 ألف لاجئ.

لكن المخيم توسع تدريجيًا مع استمرار النزاعات في السودان، ثم شهد موجة جديدة من الوافدين بعد اندلاع الحرب الحالية.

وبحسب بيانات المفوضية السامية للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين، بلغ عدد المسجلين في إيريديمي ومخيم قودران المجاور 94,718 شخصًا في سبتمبر 2026.

وتعكس المباني المنتشرة داخل المخيم مراحل النزوح المختلفة.

فبعض اللاجئين القدامى شيدوا منازل من الطوب بعد سنوات طويلة من الإقامة، بينما يعيش الوافدون الجدد في مساكن من الخشب والصفيح أو ملاجئ مؤقتة مغطاة بالبلاستيك.

لكن وجود مبانٍ أكثر ثباتًا لا يعني أن السكان حصلوا على الاستقرار الاقتصادي أو الاجتماعي.

فالمخيم يقع في منطقة شبه صحراوية تعاني شح المياه وضعف فرص الزراعة والعمل.

وتصل إمدادات المياه إلى بعض المناطق مرة أو مرتين أسبوعيًا، بينما لا تكفي الآبار المتاحة لتلبية احتياجات السكان المتزايدة.

وهكذا أصبح المكان الذي أُنشئ لتوفير حماية مؤقتة مجتمعًا كبيرًا يفتقر إلى الموارد اللازمة لحياة مستقرة.

المساعدات تتراجع بينما أعداد المحتاجين ترتفع

يكشف تحقيق رويترز عن تدهور خطير في قدرة المؤسسات الإنسانية على توفير الغذاء للاجئين.

فقد اضطر برنامج الأغذية العالمي إلى تقليص المساعدات النقدية والغذائية بسبب نقص التمويل.

وبحسب بيانات البرنامج، لم يعد يحصل على الحصص الغذائية الشهرية الكاملة في أكتوبر سوى نحو 200 ألف لاجئ سوداني في تشاد، وهم المصنفون ضمن الفئات الأشد ضعفًا.

ويمثل هؤلاء أقل من 15% من إجمالي اللاجئين السودانيين الموجودين في البلاد.

كما انخفض عدد اللاجئين الذين يحصلون على أي شكل من أشكال المساعدة الغذائية من نحو مليون شخص في وقت سابق من العام إلى قرابة 600 ألف.

وتعكس هذه الأرقام اتساع الفجوة بين الاحتياجات الإنسانية والموارد المتاحة.

فقد كان أحمد وأسرته يحصلون على مساعدة شهرية تعادل نحو 14 دولارًا، قبل أن تنخفض إلى ما يقارب سبعة دولارات.

ويقول إن المبلغ الجديد لا يكفي لتوفير الاحتياجات الأساسية لأسرته المكونة من أربعة أفراد.

وتزداد الأزمة حدة مع ارتفاع أسعار المواد الغذائية في الأسواق المحلية.

فبعض السلع الأساسية أصبحت تكلف ضعف ما كانت عليه خلال الصيف، بينما ارتفعت أسعار أخرى إلى ثلاثة أمثال مستوياتها السابقة.

ولا تتعلق المشكلة بنقص الأموال وحده، وإنما بتراجع القدرة على الإنتاج المحلي بسبب الجفاف.

فالأراضي الصغيرة التي حاول بعض اللاجئين زراعتها لم تنتج محصولًا كافيًا هذا العام، ما زاد اعتماد الأسر على المساعدات التي تتقلص باستمرار.

لماذا لا يستطيع اللاجئون العودة؟

تطرح تجربة أحمد سؤالًا بالغ الأهمية بشأن مستقبل العودة الطوعية.

فقد حاول الرجل مغادرة المخيم والعودة إلى السودان عام 2018، ضمن برنامج مدعوم من الأمم المتحدة لإعادة اللاجئين.

وحصل المشاركون في البرنامج على مساعدة مالية لتسهيل العودة وإعادة الاستقرار.

لكن اندلاع الحرب الجديدة عام 2023 بدد آماله.

فقد اضطر أحمد إلى الفرار مجددًا من مدينة نيالا بعد وصول القتال إليها، وعاد إلى مخيم إيريديمي، حيث وجد نفسه داخل المنزل الذي كان قد غادره قبل سنوات.

وتكشف هذه التجربة أن العودة لا يمكن أن تنجح بمجرد توفير وسائل النقل أو مبالغ مالية محدودة.

فالعودة المستدامة تحتاج إلى ضمانات أمنية وحماية قانونية، وإلى مدارس ومستشفيات وأسواق ومصادر دخل تسمح للأسر باستعادة حياتها.

كما تتطلب معالجة النزاعات المتعلقة بالأراضي والممتلكات، خصوصًا في المناطق التي شهدت تهجيرًا واسعًا وتغيرات سكانية قسرية.

وفي غياب هذه الشروط، قد تتحول برامج العودة إلى انتقال مؤقت يعقبه نزوح جديد عند تجدد العنف.

الأطفال يدفعون ثمن انتظار آبائهم

لا تتوقف آثار اللجوء الطويل عند الجيل الذي فر من الحرب.

فالأطفال الذين يولدون داخل المخيمات ينشأون في بيئة تفتقر إلى كثير من مقومات التعليم والصحة والاستقرار.

ويكشف التحقيق أن بعض الأطفال يتلقون دروسهم تحت الأشجار، بجهود متطوعين يحاولون تعويض نقص المدارس والمعلمين.

كما يعاني كثيرون سوء التغذية، وسط ضعف الموارد المخصصة للخدمات الصحية.

وتشير بيانات التصنيف المرحلي المتكامل للأمن الغذائي إلى أن ما يقارب نصف الأطفال اللاجئين دون الخامسة في ولاية وادي فيرا التشادية يعانون سوء التغذية.

وتعني هذه الظروف أن الحرب قد تؤثر في مستقبل الأطفال حتى عندما يولدون بعيدًا عن مناطق القتال.

فانقطاع التعليم وسوء التغذية وضعف الرعاية الصحية عوامل يمكن أن تحد من فرصهم الاقتصادية والاجتماعية خلال سنوات طويلة.

كما أن غياب الوثائق والخدمات القانونية قد يضيف صعوبات تتعلق بالتسجيل والتعليم والعمل والتنقل.

وهنا تصبح أزمة اللجوء قضية تنموية طويلة الأمد، وليست مجرد حالة طوارئ تحتاج إلى توزيع الغذاء والخيام.

حين تصبح الهجرة الخطرة الخيار الوحيد

تكشف قصة صدام إسماعيل، شقيق أحمد، جانبًا آخر من الأزمة.

فقد حاول صدام الوصول إلى أوروبا مرتين، لكنه اعتُقل في مصر خلال محاولتيه.

وقال إنه أمضى عشرة أشهر في أحد السجون المصرية بعد إحدى المحاولات.

ثم اتجه لاحقًا إلى مناطق قريبة من الحدود التشادية مع ليبيا والنيجر، بحثًا عن عمل في التعدين والحفر.

وتوضح هذه التجربة كيف يمكن أن يدفع غياب فرص العمل والاستقرار بعض اللاجئين إلى اتخاذ قرارات تنطوي على مخاطر كبيرة.

ولا تعني هذه الحالات أن جميع اللاجئين يسعون إلى الهجرة غير النظامية، لكنها تكشف محدودية الخيارات المتاحة أمام من أمضوا سنوات طويلة دون القدرة على العودة أو الاستقرار.

فالشخص الذي لا يستطيع العمل بصورة منتظمة أو توفير الغذاء لأسرته قد يرى في الهجرة الخطرة فرصة، رغم معرفته باحتمالات الاعتقال والاستغلال والموت.

ولهذا فإن معالجة أسباب الهجرة تتطلب توفير فرص حقيقية للحياة والعمل، بدل الاكتفاء بإجراءات مراقبة الحدود.

المساعدات المؤقتة لم تعد كافية

تؤكد المفوضية السامية للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين أن استمرار الأزمات لعقود يحتاج إلى تغيير في طريقة التعامل معها.

فالمساعدات الإنسانية الطارئة ضرورية لإنقاذ الأرواح، لكنها لا تستطيع وحدها توفير مستقبل مستقر لمجتمعات تعيش في المخيمات منذ أكثر من عشرين عامًا.

وتحتاج الاستجابة إلى الجمع بين الإغاثة والتنمية الاقتصادية والتعليم والخدمات الصحية ومشروعات المياه والزراعة.

كما تتطلب إشراك المجتمعات المضيفة، التي تواجه بدورها ضغوطًا اقتصادية وبيئية كبيرة.

فالمنافسة على المياه والأراضي وفرص العمل قد تخلق توترات بين اللاجئين والسكان المحليين إذا لم تُعالج الاحتياجات بصورة عادلة.

وتبرز هنا أهمية الاستثمارات طويلة الأمد في المناطق الحدودية، بما يسمح بتوفير خدمات يستفيد منها الجميع.

لكن هذه الحلول لا تلغي المسؤولية الأساسية عن إنهاء الحرب داخل السودان وتهيئة الظروف لعودة آمنة وطوعية وكريمة.

ما الذي تغير وما الذي ينبغي متابعته؟

تتمثل القيمة الجديدة للتحقيق في تقديم شهادات ميدانية وبيانات توضح كيف تحول النزوح السوداني إلى أزمة عابرة للأجيال، بالتزامن مع تراجع المساعدات الدولية.

كما يكشف التحقيق أن نحو 200 ألف لاجئ فقط يحصلون على حصص غذائية شهرية كاملة، رغم وجود ما يقارب 1.4 مليون لاجئ سوداني في تشاد.

ويضيف إلى ذلك تجربة عودة فاشلة لأحد اللاجئين، توضح أن انتهاء مرحلة من القتال لا يكفي لضمان الاستقرار.

وسيكون من المهم متابعة تمويل برنامج الأغذية العالمي خلال الأشهر المقبلة، وأوضاع الأطفال في مخيمات شرقي تشاد، ومدى قدرة الحكومة التشادية والمؤسسات الدولية على توفير فرص العمل والتعليم.

كما ينبغي متابعة أي برامج جديدة للعودة الطوعية، والتحقق من الضمانات الأمنية والقانونية المرتبطة بها.

إن قصة أحمد وشقيقه وابن عمه ليست مجرد حكاية عن ثلاثة سودانيين غادروا قراهم قبل أكثر من عشرين عامًا.

إنها شهادة على فشل طويل في إنهاء النزاعات وإعادة بناء المجتمعات التي دمرتها الحرب.

فحين يهرب طفل من القتال، ثم يكبر ويتزوج وينجب أطفالًا داخل المخيم نفسه، فإن الأزمة لم تعد حادثًا مؤقتًا في حياته، بل أصبحت واقعًا يحدد مستقبل أسرته بأكملها.

والسؤال الذي يواجه السودان والمجتمع الدولي اليوم لا يتعلق فقط بعدد اللاجئين الذين يحتاجون إلى الغذاء، وإنما بعدد الأجيال التي ستضطر إلى انتظار السلام قبل أن تتمكن من العودة إلى وطنها.

عين ترصد الحدث. وعقل يقرأ المشهد

التعليقات

0 تعليقات

أضف تعليقاً