محررو لقطة AI
31 أكتوبر 2026
لم يكن الهاتف المحمول الذي يحمله النازح السوداني مصطفى علي بره داخل خيمته في مخيم أردمي شرقي تشاد مجرد وسيلة للاتصال بالعالم الخارجي، بل أصبح مساحة صغيرة لاستعادة مدينة فقدها تحت وطأة الحرب. فقد غيّر خلفية شاشته وألوان تطبيقاته إلى الأحمر، في استجابة لحملة تضامن أطلقها سودانيون لإحياء ذكرى سقوط مدينة الفاشر، عاصمة شمال دارفور، في 26 أكتوبر 2025، وللتذكير بمصير المدنيين الذين تعرضوا للقتل والنزوح والانتهاكات خلال الهجوم على المدينة وبعده.
وتكشف هذه المبادرة، التي عُرفت باسم «الهاشتاغ الأحمر»، عن شكل مختلف من أشكال المقاومة المدنية السلمية، لا يعتمد على المظاهرات التقليدية أو التجمعات الجماهيرية، وإنما يستخدم الهواتف الشخصية ومنصات التواصل الاجتماعي لإبقاء مأساة الفاشر حاضرة في الوعي العام، بعد عام من الأحداث التي دفعت مئات الآلاف إلى مغادرة منازلهم والبحث عن الأمان في مخيمات النزوح داخل السودان وخارجه.
وفي تحقيق نشرته الجزيرة نت يوم 25 أكتوبر 2026، وثّق الصحفي محمد زكريا خميس شهادات لنازحين من الفاشر يعيشون في مخيمات بشرق تشاد ومنطقة طويلة في شمال دارفور، تحدثوا عن ارتباط اللون الأحمر بذكريات القتل والفرار وفقدان الأقارب، وعن تحول الهواتف إلى رموز شخصية وجماعية للتضامن مع الضحايا.
وتعود البداية المنظمة للحملة إلى الأول من ديسمبر 2025، عندما دعا ناشطون سودانيون المشجعين إلى رفع شاشات هواتفهم مضاءة باللون الأحمر خلال مباراة جمعت المنتخب السوداني بنظيره الجزائري، عند الدقيقتين الثلاثين والستين، بهدف لفت الانتباه إلى الكارثة الإنسانية في الفاشر.
لكن المبادرة تجاوزت المناسبة الرياضية، وانتقلت إلى مخيمات النزوح واللجوء، حيث بدأ بعض النازحين تغيير خلفيات هواتفهم وألوان التطبيقات، بينما ارتدى آخرون ملابس حمراء أو نشروا صورًا ورسائل تضامن عبر المنصات الرقمية.
من المدرجات الرياضية إلى خيام النازحين
تكمن أهمية الحملة في أنها منحت النازحين وسيلة للمشاركة في إحياء ذكرى مدينتهم دون الحاجة إلى امتلاك موارد مالية أو تنظيم فعاليات جماهيرية واسعة.
ففي مخيمات اللجوء، حيث تعاني الأسر نقص الغذاء والمأوى والخدمات الأساسية، يصبح تنظيم الأنشطة العامة أمرًا بالغ الصعوبة، بينما يتيح الهاتف المحمول، لمن يمتلكه وتتوفر له الكهرباء والاتصال، المشاركة في رسالة تضامن تتجاوز الحدود.
ويشير الناشط عبدالقادر يحيى، وهو من نازحي الفاشر، إلى أن المبادرة لم تعد مرتبطة بمناسبة واحدة، وإنما أصبحت ممارسة رمزية يتبناها بعض النازحين، بالتوازي مع حملات أوسع للتضامن مع دارفور.
وتحمل هذه الممارسة دلالة اجتماعية تتجاوز تغيير الألوان على الشاشة. فالنازح الذي فقد منزله ومكان عمله وربما أفرادًا من أسرته، يحاول المحافظة على صلته بالمدينة من خلال رمز بصري يستطيع حمله أينما ذهب.
كما أن اللون الأحمر، بما يرتبط به من دلالات الدم والخطر والاستغاثة، يختصر رسالة يصعب أحيانًا التعبير عنها بالكلمات.
لكن المبادرة لا تعني أن جميع النازحين يستخدمون الهواتف أو يشاركون في الحملة، إذ تحد ظروف الفقر وانقطاع الكهرباء وضعف الإنترنت من قدرة كثيرين على الوصول إلى المنصات الرقمية.
شهادات تكشف ما وراء الشاشات
يروي الدكتور محمد سليمان حامد أتيم، الباحث في علم الاجتماع وأحد الذين غادروا الفاشر ليلة سقوطها، أنه شاهد جثامين في الشوارع ومنازل تحترق وأسرًا تفر بحثًا عن النجاة.
وبحسب شهادته للجزيرة نت، فقد أوقفه مسلحون من قوات الدعم السريع خلال محاولته مغادرة المنطقة، واحتجزوه أيامًا قبل إطلاق سراحه بعد دفع فدية.
وتكشف روايته عن جانب من المخاطر التي واجهها المدنيون خلال الفرار، حين لم تكن مغادرة المدينة تعني بالضرورة الوصول إلى مكان آمن.
وفي شهادة أخرى، تحدثت مريم آدم عن خروجها من حي الدرجة الأولى برفقة أطفالها الثلاثة، بعد أن فقدت زوجها في قصف سابق. وقالت إنها سارت أربعة أيام باتجاه طويلة، لكنها وصلت بطفلين فقط، بعدما فقدت طفلها الثالث أثناء الرحلة، دون أن تعرف مصيره.
أما مصطفى بره، الذي غادر الفاشر ووصل إلى مخيم أردمي شرقي تشاد، فتحدث عن جثامين شاهدها على الطريق، وعن رحلة نجاة لم تسمح له بالتوقف.
هذه الشهادات، التي نقلتها الجزيرة عن أصحابها، تقدم صورة إنسانية لما واجهه بعض النازحين، لكنها لا تمثل تحقيقًا جنائيًا مستقلًا في جميع الوقائع المذكورة، ولا تسمح وحدها بتحديد الحصيلة الكاملة للضحايا أو المفقودين.
اللون الأحمر بين الذاكرة والأدلة الفضائية
يرتبط اختيار اللون الأحمر، بحسب المشاركين في الحملة، بصور الأقمار الصناعية التي نشرت عقب سقوط الفاشر في أكتوبر 2025.
فقد أظهرت تحليلات أجراها مختبر البحوث الإنسانية بجامعة ييل تغيرات لونية حمراء في مواقع داخل المدينة، إلى جانب أجسام وأشكال قال الباحثون إنها تتسق مع مؤشرات محتملة على وجود جثامين وآثار قتل جماعي.
وأصبحت هذه الصور جزءًا من الذاكرة البصرية للمأساة، بعدما تداولتها وسائل إعلام ومنظمات حقوقية، وأثارت مطالبات بإجراء تحقيقات مستقلة في الانتهاكات.
لكن ينبغي التمييز بين دلالة الصور العلمية والدلالة الرمزية للحملة. فصور الأقمار الصناعية يمكن أن تقدم أدلة مهمة للمحققين، لكنها تحتاج إلى تحليل متخصص وربطها بشهادات ومعلومات ميدانية قبل تحديد طبيعة كل موقع أو المسؤولية عن الجرائم.
أما اللون الأحمر على شاشات الهواتف، فلا يمثل دليلًا جنائيًا على وقوع جريمة بعينها، وإنما تعبيرًا جماعيًا عن التضامن والاحتجاج والتذكير بضرورة كشف الحقيقة.
وهذا التمييز لا يقلل من أهمية الحملة، بل يوضح طبيعتها بوصفها شكلًا من أشكال التعبير المدني الذي يسعى إلى إبقاء ملف المساءلة حاضرًا.
عام على سقوط الفاشر.. مأساة لم تنتهِ
سقطت الفاشر في 26 أكتوبر 2025، بعد حصار استمر أكثر من خمسمائة يوم، وكانت آخر معقل رئيسي للجيش السوداني في إقليم دارفور.
وفي فبراير 2026، نشر مكتب الأمم المتحدة لحقوق الإنسان تقريرًا وثق مقتل آلاف المدنيين داخل المدينة وأثناء محاولات الفرار منها، محذرًا من أن العدد الفعلي للضحايا قد يكون أكبر بكثير بسبب وجود مفقودين وصعوبة الوصول إلى مواقع الانتهاكات.
ومع اقتراب الذكرى الأولى لسقوط المدينة، جدد أعضاء في مجلس الأمن ومسؤولون أمميون الدعوة إلى حماية المدنيين والتحقيق في الانتهاكات ومحاسبة المسؤولين عنها، محذرين من استمرار الهجمات على الأسواق والمرافق الصحية ومناطق السكن في أنحاء السودان.
وتشير تقارير حقوقية حديثة إلى أن الفاشر فقدت معظم سكانها، وأن من بقي داخلها يواجهون ظروفًا قاسية تشمل تدهور الخدمات وانعدام الأمن والخوف من الاعتقال والانتهاكات.
وتكشف هذه المعطيات أن مرور عام على سقوط المدينة لا يعني انتهاء آثار الكارثة، وإنما استمرارها بأشكال مختلفة، سواء بالنسبة إلى الناجين الموجودين داخل الفاشر أو الذين يعيشون في مخيمات النزوح واللجوء.
الهواتف وسيلة للمقاومة المدنية وحفظ الذاكرة
أظهرت الحرب السودانية أن الهاتف المحمول لم يعد مجرد أداة للتواصل الشخصي، بل أصبح وسيلة لنقل الشهادات وتوثيق الانتهاكات وتنظيم حملات التضامن.
فقد استخدم مدنيون هواتفهم لتصوير آثار القصف وتسجيل شهادات الناجين وتبادل معلومات عن طرق النزوح ومواقع الخدمات الإنسانية.
لكن حملة الهاشتاغ الأحمر تقدم استخدامًا مختلفًا للتكنولوجيا، لأنها لا تعتمد بالضرورة على تسجيل الوقائع، وإنما على تحويل الهاتف نفسه إلى رمز مرئي للذاكرة الجماعية.
وتبرز هنا أهمية التمييز بين ثلاثة أدوار للوسائط الرقمية: توثيق الوقائع بالصور والفيديوهات، ونشر شهادات المتضررين، والتعبير الرمزي عن التضامن.
ولكل دور قيمته وحدوده. فالتوثيق يحتاج إلى التحقق من المكان والزمان والمصدر، بينما تحتاج الشهادات إلى مراعاة سلامة أصحابها وموافقتهم، أما الحملات الرمزية فتسهم في إبقاء القضايا الإنسانية ضمن النقاش العام.
وتواجه هذه الأنشطة مخاطر مرتبطة بانتشار المعلومات المضللة وإعادة تداول صور قديمة أو غير مرتبطة بالأحداث، فضلًا عن احتمالات تعريض الناجين للخطر إذا كُشفت هوياتهم أو مواقعهم دون موافقتهم.
ولهذا فإن حماية الذاكرة الرقمية للضحايا تتطلب أيضًا حماية الأشخاص الذين يقدمون شهاداتهم، وعدم تحويل معاناتهم إلى مواد إعلامية متداولة دون ضوابط مهنية وأخلاقية.
هل يستطيع هاشتاغ تغيير واقع الحرب؟
لا توجد أدلة تسمح بالقول إن حملة الهاشتاغ الأحمر أدت بمفردها إلى تغيير موقف سياسي أو وقف انتهاكات في الفاشر.
كما لا تتوافر بيانات مستقلة تحدد حجم المشاركة فيها أو مدى انتشارها بين النازحين والسودانيين في الخارج.
لكن قيمتها الاجتماعية تكمن في توفير مساحة للتعبير عن الفقد والانتماء، خصوصًا لمن يعيشون بعيدًا عن مدينتهم ولا يمتلكون وسائل أخرى لإيصال أصواتهم.
وقد تساعد مثل هذه المبادرات في جذب انتباه الصحفيين والمنظمات الإنسانية إلى قصص الناجين، لكنها لا تستطيع أن تحل محل التحقيقات الجنائية أو الجهود الدبلوماسية أو الاستجابة الإنسانية المطلوبة.
وتظل المطالب الأساسية للنازحين مرتبطة بالأمن والغذاء والعلاج والمأوى ومعرفة مصير المفقودين، فضلًا عن تهيئة الظروف التي تسمح بالعودة الطوعية والآمنة إلى منازلهم.
الذاكرة التي لا تنطفئ
في مخيمات طويلة وشرق تشاد، يحمل بعض النازحين هواتفهم ذات الشاشات الحمراء بوصفها تذكيرًا بمدينة لم تعد كما عرفوها.
وقد تكون المسافة بين الهاتف الصغير والمدينة المدمرة آلاف الكيلومترات، لكن اللون الذي يظهر على الشاشة يعيد وصل النازح بمكان فقده وبأشخاص لا يعرف مصيرهم.
ولا تكمن أهمية هذه المبادرة في قدرتها على تغيير موازين الحرب، وإنما في رفض اختزال مأساة الفاشر إلى أرقام الضحايا والنازحين.
فالمدن لا تتكون من المباني والأسواق والشوارع وحدها، وإنما من العلاقات والذكريات والحياة اليومية التي يصنعها سكانها. وعندما يفقد الناس هذه الحياة، تصبح محاولات حفظها جزءًا من معركتهم الإنسانية من أجل الاعتراف بما حدث.
وبينما تواصل المنظمات الحقوقية المطالبة بالتحقيق والمساءلة، يواصل بعض النازحين التعبير عن مأساتهم بأبسط الوسائل المتاحة.
إن الهاشتاغ الأحمر ليس بديلًا عن العدالة، لكنه يطرح سؤالًا لا ينبغي تجاهله: كيف يمكن ضمان ألا تختفي أصوات ضحايا الفاشر من الذاكرة العامة، بينما لا تزال مصائر آلاف الأشخاص مجهولة، ولا تزال العودة إلى المدينة بعيدة عن متناول كثير من سكانها؟
عين ترصد الحدث. وعقل يقرأ المشهد.
التعليقات
0 تعليقات