محررو لقطة AI
30 أكتوبر 2026
أعادت شهادات ميدانية ومعلومات طبية جديدة قضية القصف الذي استهدف سوقًا شعبيًا بمدينة نيالا، عاصمة ولاية جنوب دارفور، إلى واجهة الاهتمام الإنساني والحقوقي، بعدما أعلنت مجموعة حقوقية سودانية مقتل أكثر من مئة شخص وإصابة 113 آخرين، في حين وثقت منظمة أطباء بلا حدود وصول 36 جثمانًا إلى مستشفى نيالا التعليمي واستقبال أكثر من 150 مصابًا، في واحدة من أكثر الهجمات إثارة للقلق بشأن حماية المدنيين خلال التصعيد الأخير في الحرب السودانية.
ووقع الهجوم مساء الاثنين 26 أكتوبر، عندما تعرض سوق مزدحم في منطقة دوماية غربي نيالا لضربة بطائرة مسيّرة، بالتزامن مع ضربة أخرى أصابت حيًا سكنيًا، وفق ما أعلنته منظمة أطباء بلا حدود.
وقالت المنظمة إن الطواقم الطبية العاملة في مستشفى نيالا التعليمي، الذي تدعمه، استقبلت جثامين 36 شخصًا، كان 21 منهم يرتدون ملابس مدنية، إلى جانب أكثر من 150 جريحًا وصلوا إلى قسم الطوارئ مصابين بجروح ناجمة عن الشظايا والحروق.
وأوضحت أن المصابين نُقلوا من موقع الهجوم باستخدام مركبات التوك توك والعربات التي تجرها الدواب، بينما عملت الفرق الطبية لساعات طويلة لاستيعاب الأعداد الكبيرة من الجرحى.
ونسبت المنظمة الهجوم إلى القوات المسلحة السودانية، لكنها لم تقدم في بيانها حصيلة شاملة ونهائية لجميع الضحايا الذين سقطوا في المنطقة.
وفي المقابل، أعلنت مجموعة «محامو الطوارئ»، التي توثق الانتهاكات المرتبطة بالحرب، أن الهجوم أسفر عن مقتل أكثر من مئة شخص وإصابة 113 آخرين، مشيرة إلى وجود نساء وأطفال بين الضحايا.
أما شبكة أطباء السودان فقد أعلنت حصيلة أولية أقل، بلغت 21 قتيلًا وأكثر من أربعين مصابًا، وأوضحت أن صعوبة الوصول إلى المعلومات الطبية والميدانية أعاقت إعداد قوائم كاملة بأسماء الضحايا.
وتكشف هذه الأرقام عن اختلاف كبير بين الجهات التي رصدت الحادث، ولا يجوز التعامل مع أي منها باعتباره حصيلة نهائية مؤكدة، خصوصًا أن بعض المؤسسات وثقت الحالات التي وصلت إلى مرافق طبية محددة، بينما اعتمدت جهات أخرى على إفادات ميدانية أوسع.
وكانت وكالة أسوشيتد برس قد أجرت مقابلات مع شهود تحدثوا عن سقوط مدنيين ومقاتلين في الهجوم، لكنها أكدت عدم قدرتها على التحقق بصورة مستقلة من العدد النهائي للقتلى والمصابين.
وتكتسب هذه التفاصيل أهمية خاصة لأنها تنقل القضية من مجرد إعلان عن سقوط ضحايا إلى محاولة فهم طبيعة المكان المستهدف، والظروف التي أحاطت بالهجوم، ومدى وجود مدنيين بالقرب من عناصر عسكرية.
وبحسب الشهادات التي جمعتها أسوشيتد برس، كان عدد من مقاتلي قوات الدعم السريع موجودين في السوق وقت وقوع الضربة، بينما كان باعة مدنيون يعرضون الطعام والشاي والسجائر والسلع اليومية.
وقال أحد الشهود إن تجمع المقاتلين جذب عددًا من الباعة الذين يعتمدون على هذه الأنشطة لتوفير دخل لأسرهم، وإن الانفجار أدى إلى مقتل مقاتلين ونساء كن يعملن في بيع الطعام.
كما نقلت الوكالة عن متحدث باسم قوات العمليات الخاصة المتحالفة مع الجيش السوداني قوله إن ضربة جوية استهدفت معسكرًا في منطقة دوماية وأدت إلى مقتل أكثر من 150 عنصرًا من قوات الدعم السريع.
لكن هذه الرواية تختلف عن المعلومات التي قدمتها المنظمات الطبية والحقوقية بشأن إصابة السوق وسقوط ضحايا مدنيين.
ولا تتوافر حتى الآن معلومات مستقلة كافية لتحديد ما إذا كانت الضربات التي تحدثت عنها المصادر المختلفة قد استهدفت موقعًا واحدًا أو مواقع متجاورة، أو ما إذا كانت الحصائل المعلنة تشمل جميع المواقع التي تعرضت للقصف.
وتطرح هذه المسألة سؤالًا قانونيًا مهمًا يتعلق بوجود مقاتلين داخل الأسواق والأحياء السكنية، ومدى تأثير ذلك على حماية المدنيين.
فالقانون الدولي الإنساني يميز بين المقاتلين والمدنيين، ويُلزم أطراف النزاع باتخاذ الاحتياطات الممكنة لتجنب إلحاق أضرار غير مشروعة بالسكان.
ولا يؤدي وجود مقاتلين داخل سوق إلى فقدان جميع الموجودين فيه الحماية المدنية، كما لا يجعل السوق بأكمله هدفًا عسكريًا مشروعًا بصورة تلقائية.
ويظل تقييم مشروعية أي هجوم مرتبطًا بطبيعة الهدف العسكري، ومدى التمييز بين المدنيين والمقاتلين، والأضرار المدنية المتوقعة، والاحتياطات التي اتخذتها الجهة المنفذة.
ولهذا فإن التحقيق في الحادث ينبغي ألا يقتصر على تحديد عدد القتلى، وإنما يجب أن يشمل طبيعة المعلومات التي استند إليها قرار تنفيذ الضربة، والوسائل المستخدمة، ومدى وجود بدائل تقلل المخاطر على المدنيين.
وتبرز أهمية هذه الأسئلة في ظل التحول الكبير الذي شهدته الحرب السودانية مع تصاعد استخدام الطائرات المسيّرة.
فبعد أن كانت المواجهات العسكرية تعتمد بصورة رئيسية على القوات البرية والمدفعية والطيران التقليدي، أصبحت المسيّرات وسيلة تستخدمها الأطراف المتحاربة لاستهداف مواقع بعيدة عن خطوط الاشتباك المباشر.
وقد سمح هذا التطور بتوسيع نطاق العمليات العسكرية، لكنه زاد أيضًا المخاطر التي تواجه الأسواق والمرافق الصحية ومحطات الكهرباء ومراكز تجمع السكان.
وخلال أكتوبر، تعرضت مواقع متعددة في دارفور وكردفان والخرطوم وولايات وسط السودان وشرقه لهجمات جوية، وأدت بعض الضربات إلى سقوط ضحايا وتعطيل خدمات أساسية.
ويكشف استهداف سوق نيالا جانبًا آخر من الأزمة، يتمثل في تداخل النشاط المدني والعسكري داخل المدن التي تسيطر عليها الأطراف المتحاربة.
ففي ظل انهيار فرص العمل وتراجع النشاط الاقتصادي، أصبح كثير من السكان يعتمدون على التجارة الصغيرة وبيع الطعام والخدمات اليومية، بما في ذلك في المناطق التي تشهد وجودًا كثيفًا للمقاتلين.
وقد يدفع الفقر بعض المدنيين إلى العمل بالقرب من التجمعات العسكرية، رغم المخاطر المرتبطة بذلك.
لكن هذه الظروف الاقتصادية لا تنزع عنهم الحماية التي يكفلها القانون الدولي الإنساني.
وتعاني نيالا أصلًا أزمة إنسانية عميقة نتيجة سنوات الحرب وتدهور الخدمات الصحية ونقص الغذاء وارتفاع الأسعار.
وتحذر المنظمات الإنسانية من تصاعد سوء التغذية بين الأطفال، بينما تواجه المرافق الطبية صعوبات في توفير الأدوية والمعدات والكوادر اللازمة للاستجابة للحالات الطارئة.
وكانت منظمة أطباء بلا حدود قد أعلنت أن نسبة الأطفال الذين وصلوا إلى مرافقها في نيالا وهم يعانون سوء التغذية الحاد الشديد ارتفعت خلال الأشهر الماضية.
وتعني هذه الظروف أن أي هجوم يؤدي إلى سقوط أعداد كبيرة من المصابين يمكن أن يضع ضغطًا إضافيًا على نظام صحي يعاني أصلًا ضعف الإمكانات.
كما أن تدمير الأسواق أو تعطيل نشاطها قد يؤدي إلى تقليل فرص الحصول على الغذاء والسلع الأساسية، خصوصًا للأسر التي تعتمد على الدخل اليومي.
وتزيد صعوبة الوصول إلى مواقع الهجمات من تعقيد توثيق الانتهاكات.
ففي كثير من مناطق دارفور، تواجه الفرق الطبية والحقوقية مخاطر أمنية تمنعها من الوصول إلى جميع الضحايا أو جمع المعلومات بصورة منتظمة.
وقد يؤدي ذلك إلى ظهور حصائل متباينة، أو تأخر الإعلان عن بعض الوفيات، أو تعذر تحديد هويات المفقودين.
ولهذا فإن الاختلاف بين أرقام محاميي الطوارئ وشبكة أطباء السودان ومنظمة أطباء بلا حدود لا ينبغي تفسيره تلقائيًا باعتباره تناقضًا متعمدًا، وإنما يجب فهمه في ضوء اختلاف مصادر المعلومات ونطاق التوثيق والقيود المفروضة على العمل الميداني.
ومع ذلك، فإن وجود هذه الاختلافات يفرض ضرورة إجراء تحقيق مستقل يجمع الأدلة الطبية والشهادات والصور والبيانات المتعلقة بالهجوم.
كما ينبغي مطالبة الجهات العسكرية المعنية بتقديم معلومات واضحة عن الأهداف التي استُهدفت، والاحتياطات التي اتُخذت لحماية المدنيين.
إن ما حدث في سوق نيالا يعكس مأساة أوسع تتجاوز حدود المدينة، حيث أصبح المدنيون عرضة لمخاطر متزايدة نتيجة اتساع استخدام الأسلحة بعيدة المدى، وتداخل مواقع القتال مع أماكن العمل والسكن.
ولا تكفي الإعلانات العسكرية عن نجاح الضربات لتحديد طبيعتها القانونية أو الإنسانية، كما لا تكفي الحصائل الأولية للضحايا لإغلاق ملف المسؤولية.
وتبقى الأولوية في الكشف عن العدد الحقيقي للقتلى والمصابين، وتحديد هوياتهم، وضمان وصول المساعدات الطبية، وإجراء تحقيق مستقل في الظروف التي أدت إلى سقوطهم.
ففي حرب تتزايد فيها أعداد الضحايا وتتراجع فيها فرص المساءلة، يصبح التوثيق الدقيق ضرورة لحماية المدنيين ومنع تكرار الانتهاكات، وليس مجرد إجراء صحفي لتسجيل أرقام جديدة.
عين ترصد الحدث. وعقل يقرأ المشهد
التعليقات
0 تعليقات