محررو لقطة AI
30 أكتوبر 2026
دخلت أزمة الكهرباء في السودان مرحلة جديدة من التصعيد، بعدما تعرضت محطة أم دباكر الحرارية بمدينة ربك في ولاية النيل الأبيض لهجوم بطائرات مسيّرة فجر الخميس 29 أكتوبر، أدى إلى خروج أجزاء من المحطة عن الخدمة وانقطاع التيار الكهربائي عن مدينتي ربك وكوستي ومناطق أخرى، في أحدث حلقة من سلسلة هجمات تستهدف منشآت الطاقة وتضاعف معاناة السكان الذين يواجهون أصلًا تدهورًا حادًا في الخدمات الأساسية نتيجة الحرب المستمرة منذ أبريل 2023.
وأفادت مصادر محلية وشهود عيان بأن طائرات مسيّرة استهدفت المحطة في الساعات الأولى من صباح الخميس، وسط دوي انفجارات قوية وتصاعد أعمدة الدخان من الموقع.
ونقلت صحيفة «سودان تربيون» عن مصادر محلية أن الهجوم أصاب المغذيات الكهربائية الرئيسية وغرفة التحكم، ما أدى إلى توقف المحطة عن العمل وانقطاع الإمداد الكهربائي عن مناطق في ولايتي النيل الأبيض وشمال كردفان.
كما نقل راديو دبنقا عن سكان في مدينة ربك سماع انفجارات وأصوات المضادات الأرضية أثناء محاولة التصدي للمسيّرات.
وبحسب مصدر عسكري تحدث إلى وسائل إعلام سودانية، تمكنت الدفاعات الجوية من إسقاط أربع طائرات مسيّرة، بينما وصلت طائرتان إلى المحطة التحويلية وأصابتا أجزاء منها.
لكن هذه التفاصيل العسكرية لم تخضع لتحقق مستقل، كما لم تصدر حصيلة فنية نهائية تحدد حجم الأضرار أو المدة المتوقعة لإعادة تشغيل المنشأة.
ونسبت المصادر العسكرية الهجوم إلى قوات الدعم السريع، في حين لم يتوافر رد مستقل من القوات بشأن العملية.
وتتفق التقارير المتاحة على وقوع الهجوم وتعطل إمدادات الكهرباء، لكنها تختلف في التفاصيل المتعلقة بعدد المسيّرات وحجم الأضرار والنطاق الجغرافي الكامل لانقطاع التيار.
وتكتسب الضربة الجديدة أهمية خاصة لأنها لم تستهدف منشأة معزولة عن شبكة الكهرباء، وإنما أصابت واحدة من المحطات التي تعتمد عليها مناطق واسعة في وسط السودان.
وتؤدي محطة أم دباكر دورًا مهمًا في منظومة إنتاج الكهرباء ونقلها، ويعني توقفها زيادة الضغوط على الشبكة القومية التي تعرضت خلال السنوات الماضية لأضرار كبيرة نتيجة العمليات العسكرية ونقص الصيانة وقطع الغيار والوقود.
وكانت المحطة قد تعرضت لهجمات سابقة منذ اندلاع الحرب، بينها ضربة وقعت في يناير 2026 وألحقت أضرارًا بالمحولات وخفضت قدرتها التشغيلية.
ويشير تكرار استهداف المنشأة إلى مشكلة تتجاوز الأضرار الناتجة عن ضربة واحدة، لأن إعادة تأهيل المحطات الكهربائية تحتاج إلى معدات متخصصة وفرق فنية قادرة على العمل في ظروف آمنة.
كما أن إصلاح المحولات وغرف التحكم والمغذيات الرئيسية قد يتطلب فترات أطول من إصلاح خطوط التوزيع التقليدية، خصوصًا إذا كانت قطع الغيار غير متوافرة داخل البلاد.
ولم تعلن الجهات المختصة حتى الآن جدولًا زمنيًا مؤكدًا لاستعادة التشغيل الكامل، ما يجعل تقدير مدة الانقطاع سابقًا لأوانه.
ويأتي الهجوم بعد ثلاثة أيام فقط من ضربات استهدفت خمس منشآت كهربائية في ولايات سنار والقضارف والجزيرة والنيل الأبيض، وأدت إلى اضطرابات واسعة في الإمداد.
وكانت الشركة السودانية القابضة للكهرباء قد أعلنت، الاثنين 26 أكتوبر، تعرض منشآت في سنجة والحواتة والفاو ومشكور والجنيد لهجمات بالمسيّرات، مشيرة إلى وقوع أضرار كبيرة في المعدات الكهربائية.
ونقلت وكالة رويترز عن الشركة أن الضربات أثرت على إمدادات الكهرباء في أربع ولايات، وحذرت من انعكاس الأضرار على استقرار الشبكة القومية.
ولم تتمكن رويترز آنذاك من التحقق بصورة مستقلة من جميع تفاصيل الهجمات أو تحديد الجهة المنفذة، بينما حملت السلطات السودانية قوات الدعم السريع المسؤولية.
ويعني استهداف أم دباكر بعد تلك الضربات أن الأزمة لم تعد مرتبطة بمحطة واحدة يمكن إصلاحها بمعزل عن بقية الشبكة، وإنما أصبحت تشمل عدة مواقع مترابطة تعتمد عليها عمليات الإنتاج والنقل والتوزيع.
وتؤدي هذه الطبيعة المترابطة إلى زيادة احتمالات امتداد آثار الأعطال إلى مناطق لم تتعرض منشآتها للهجمات المباشرة.
وتتجاوز تداعيات انقطاع الكهرباء حدود المنازل والأحياء السكنية، لأن التيار يمثل عنصرًا أساسيًا في تشغيل محطات المياه والمستشفيات والمخابز ومرافق حفظ الأغذية والأدوية.
وفي المدن التي تعاني نقص الوقود وارتفاع تكاليف النقل، تصبح المولدات الكهربائية بديلًا مكلفًا لا تستطيع جميع المؤسسات والأسر الاعتماد عليه.
وقد يؤدي توقف الكهرباء لفترات طويلة إلى تعطيل ضخ المياه، خصوصًا في المناطق التي تعتمد على المضخات الكهربائية لنقل المياه من مصادرها إلى شبكات التوزيع.
كما تواجه المستشفيات مخاطر إضافية عندما تضطر إلى تشغيل أجهزة الطوارئ وحضانات الأطفال ومعدات حفظ الأدوية باستخدام مولدات تحتاج إلى إمدادات مستمرة من الوقود.
ولا تتوافر حتى الآن بيانات موثقة بشأن عدد المستشفيات أو محطات المياه التي تعطلت نتيجة هجوم أم دباكر تحديدًا، لكن التجارب السابقة في الخرطوم وولايات أخرى توضح حجم الترابط بين استقرار الكهرباء واستمرار الخدمات الأساسية.
فقد كشفت تغطية لوكالة أسوشيتد برس في 27 أكتوبر أن الهجوم على محطة المرخيات التحويلية بأم درمان أدى إلى انقطاع الكهرباء عن أجزاء واسعة من العاصمة، وأجبر مستشفيات ومخابز على الاعتماد على المولدات.
كما تحدث سكان عن تعطل إمدادات المياه وصعوبات في حفظ الأدوية التي تحتاج إلى التبريد.
وتشير هذه الوقائع إلى أن الضرر الذي يصيب الشبكة الكهربائية لا ينتهي عند توقف المصابيح والأجهزة المنزلية، وإنما قد يتحول إلى أزمة صحية ومعيشية تمس حياة السكان بصورة مباشرة.
ومن الناحية الاقتصادية، تأتي الهجمات في وقت يواجه فيه السودان تراجعًا كبيرًا في الإنتاج الصناعي والزراعي والخدمي.
وتحتاج المصانع الصغيرة وورش الصيانة والمطاحن والمخابز إلى الكهرباء للمحافظة على نشاطها، بينما تعتمد مشروعات زراعية على المضخات الكهربائية لتوفير المياه.
وقد يؤدي تكرار الانقطاعات إلى ارتفاع تكاليف الإنتاج، وتراجع كميات السلع المتاحة في الأسواق، وزيادة الأسعار التي يتحملها المستهلكون.
كما أن المؤسسات التي تستطيع شراء مولدات كهربائية ستواجه تكاليف إضافية للوقود والصيانة، بينما قد تضطر المشروعات الصغيرة ذات الموارد المحدودة إلى تقليص نشاطها أو إغلاق أبوابها مؤقتًا.
وتزداد خطورة هذه التداعيات عندما تتزامن مع ارتفاع معدلات النزوح والفقر، لأن الأسر التي فقدت مصادر دخلها خلال الحرب تصبح أقل قدرة على تحمل أي زيادة جديدة في تكاليف المعيشة.
وتطرح الهجمات المتكررة أيضًا أسئلة قانونية بشأن حماية منشآت الطاقة أثناء النزاعات المسلحة.
فالقانون الدولي الإنساني يفرض على أطراف الحرب التمييز بين الأهداف العسكرية والأعيان المدنية، ويحظر الهجمات العشوائية والهجمات التي يُتوقع أن تتسبب في أضرار مدنية مفرطة مقارنة بالميزة العسكرية المباشرة والملموسة المتوقعة.
ولا يؤدي استخدام منشأة كهربائية في تغذية مرافق عسكرية إلى اعتبار جميع أجزائها أهدافًا مشروعة بصورة تلقائية، إذ يتطلب تقييم كل هجوم تحديد طبيعة استخدام المنشأة ومساهمتها الفعلية في العمليات العسكرية.
كما ينبغي أخذ الأضرار غير المباشرة المتوقعة في الاعتبار، خصوصًا عندما يؤدي تعطيل الكهرباء إلى توقف خدمات المياه والصحة التي يعتمد عليها المدنيون.
وكانت مجموعة «محامو الطوارئ» قد أدانت الهجمات التي استهدفت منشآت الكهرباء والوقود في أم درمان والمناقل وهيا يومي 27 و28 أكتوبر، معتبرة أن استمرار ضرب البنية التحتية المدنية يهدد الخدمات الأساسية ويضاعف الأزمة الإنسانية.
وقالت المجموعة إن نحو ثلاث عشرة محطة كهربائية تعرضت لهجمات خلال أكتوبر، وهي حصيلة حقوقية لم يتسن التحقق بصورة مستقلة من جميع تفاصيلها.
وطالبت المجموعة بوقف استهداف المنشآت المدنية ومحاسبة المسؤولين عن الانتهاكات وفق القانون الدولي الإنساني.
وتبرز أهمية هذا الموقف في ظل التحول الذي تشهده الحرب السودانية مع تصاعد الاعتماد على المسيّرات بعيدة المدى.
فقد أصبحت هذه الطائرات قادرة على الوصول إلى منشآت تقع بعيدًا عن خطوط المواجهة البرية، ما يوسع النطاق الجغرافي للتهديدات الأمنية.
ويعني ذلك أن المناطق التي تشهد استقرارًا نسبيًا مقارنة بجبهات القتال قد تظل معرضة لهجمات تستهدف منشآتها الحيوية.
كما أن تكرار الضربات على الكهرباء والوقود يثير مخاوف من تحول البنية التحتية إلى ساحة استنزاف اقتصادي متبادل بين أطراف الحرب.
لكن تحديد ما إذا كانت هذه الهجمات جزءًا من استراتيجية عسكرية منسقة يتطلب أدلة تتجاوز التشابه بين الأهداف المستهدفة.
وفي الوقت نفسه، تتصاعد الاتهامات السودانية بشأن وجود دعم خارجي لبعض عمليات المسيّرات، بما في ذلك اتهامات وجهتها الخرطوم إلى إثيوبيا.
وتظل هذه الاتهامات بحاجة إلى أدلة مستقلة قابلة للتحقق، ولا يمكن اعتبارها حقائق مثبتة بمجرد صدورها عن جهة رسمية.
إن التطور الأهم في هجوم أم دباكر لا يتمثل فقط في خروج محطة جديدة عن الخدمة، وإنما في اتساع المخاطر التي تهدد منظومة الكهرباء السودانية بأكملها.
فكل منشأة تتعرض للتدمير تضيف أعباء جديدة على شبكة تعاني أصلًا نقص التمويل والصيانة، وتجعل استعادة الإمداد المستقر أكثر صعوبة.
وسيكون من الضروري خلال الساعات والأيام المقبلة متابعة نتائج التقييم الفني للأضرار، وموعد استئناف التشغيل، وحجم المناطق المتأثرة، ومدى توافر قطع الغيار اللازمة للإصلاح.
كما ينبغي متابعة تأثير الانقطاع على المستشفيات ومحطات المياه والمخابز، باعتبارها مرافق ترتبط بصورة مباشرة بسلامة المدنيين.
إن استمرار الحرب على منشآت الكهرباء يهدد بتحويل أزمة الطاقة من مشكلة فنية قابلة للإصلاح إلى أزمة إنسانية واقتصادية طويلة الأمد، تتراكم آثارها حتى في المناطق البعيدة عن المواجهات العسكرية المباشرة.
ولهذا فإن حماية الشبكة الكهربائية وإتاحة المجال أمام الفرق الفنية لإصلاح المنشآت المتضررة يجب أن تكونا جزءًا أساسيًا من أي جهود لحماية المدنيين وتخفيف آثار الحرب.
عين ترصد الحدث. وعقل يقرأ المشهد
التعليقات
0 تعليقات