محررو لقطة AI
30 أكتوبر 2026
اتهم وزير الدفاع السوداني، الفريق حسن داؤود كبرون، أكثر من عشرين دولة بالمشاركة في الحرب المستمرة منذ أبريل 2023، عبر تقديم الدعم العسكري والمالي واللوجستي لقوات الدعم السريع، في تصريحات تعكس تصاعد الاتهامات الرسمية بشأن الأدوار الخارجية في النزاع، وتفتح تساؤلات جديدة حول حجم التدخلات الإقليمية والدولية، ومدى تأثيرها في إطالة أمد القتال وتعقيد فرص الوصول إلى تسوية سياسية.
وجاءت تصريحات الوزير في حوار نشرته وكالة السودان للأنباء «سونا»، الأربعاء 28 أكتوبر، بالتزامن مع مؤتمر صحفي عقدته الحكومة السودانية في الخرطوم، عرضت خلاله ما وصفته بأدلة تقنية على انطلاق طائرات مسيّرة من الأراضي الإثيوبية لتنفيذ هجمات على منشآت مدنية وخدمية داخل السودان.
وقال كبرون إن الدول التي يتهمها بالمشاركة في الحرب تقدم أشكالًا متعددة من الدعم لقوات الدعم السريع، تشمل التمويل وتوفير المقاتلين الأجانب والطائرات المسيّرة والمعدات والإسناد اللوجستي. واعتبر أن الحرب تجاوزت طبيعتها الداخلية، وأصبحت مرتبطة بمصالح وتدخلات خارجية تهدد سيادة السودان ووحدة أراضيه.
غير أن الوزير لم يقدم قائمة بأسماء الدول العشرين، ولم ينشر أدلة مستقلة تثبت مسؤولية كل منها أو طبيعة مشاركتها. ويظل الرقم المعلن اتهامًا حكوميًا يحتاج إلى توثيق، وليس حقيقة ثبتت بصورة مستقلة.
إثيوبيا في قلب الاتهامات الجديدة
تزامنت تصريحات وزير الدفاع مع اتهامات أكثر تحديدًا وجهتها وزارة الخارجية السودانية إلى إثيوبيا، بشأن استخدام أراضيها في إطلاق طائرات مسيّرة استهدفت محطات كهرباء ومنشآت للطاقة في ولايات سودانية متعددة.
وقال وكيل وزارة الخارجية، معاوية عثمان خالد، إن السلطات تمتلك بيانات فنية وصورًا ومعلومات عن مسارات الطائرات المستخدمة في الهجمات الأخيرة، مشيرًا إلى أن بعض الإحداثيات التي عرضتها الأجهزة المختصة تشير إلى مواقع داخل الأراضي الإثيوبية، من بينها مطار بحر دار.
وشمل العرض الحكومي بقايا طائرات مسيّرة قالت السلطات إن الدفاعات الجوية السودانية أسقطتها، إلى جانب خرائط لمسارات الطيران والمواقع المستهدفة.
وتتهم الخرطوم إثيوبيا بتسهيل العمليات العسكرية لقوات الدعم السريع، كما تتهم الإمارات بتوفير دعم عسكري ولوجستي للقوات نفسها. وتنفي الإمارات دعم قوات الدعم السريع، بينما لم يتوافر رد إثيوبي جديد موثق على التفاصيل التي عرضتها الخرطوم في مؤتمرها الأخير.
ولا تكفي البيانات التي قدمتها الحكومة، دون إتاحتها لفحص مستقل، للجزم بالجهة التي شغّلت الطائرات أو أصدرت أوامر تنفيذ الهجمات. وحتى إذا ثبت انطلاق طائرات من أراضي دولة معينة، فإن تحديد مسؤولية حكومتها يتطلب أدلة إضافية تتعلق بطبيعة مشاركتها أو علمها بالعمليات.
من حرب داخلية إلى شبكة مصالح إقليمية
اندلعت الحرب في السودان في 15 أبريل 2023، بعد تصاعد الخلافات بين قيادة الجيش وقوات الدعم السريع بشأن الترتيبات الأمنية ودمج القوات ضمن مؤسسة عسكرية موحدة، في سياق أزمة سياسية أوسع أعقبت سقوط نظام عمر البشير وتعثر الانتقال إلى الحكم المدني.
ومع استمرار القتال، اتسعت أبعاد الحرب لتشمل الاقتصاد والموارد الطبيعية وطرق الإمداد والعلاقات مع دول الجوار. وأصبحت السيطرة على المطارات والمعابر والمناجم والطرق الاستراتيجية جزءًا من حسابات الأطراف المتحاربة.
وفي فبراير 2026، نشرت وكالة رويترز تحقيقًا استقصائيًا أفاد بوجود معسكر داخل إثيوبيا لتدريب مقاتلين لصالح قوات الدعم السريع، استنادًا إلى مصادر وصور أقمار صناعية ومعلومات أخرى. ويمثل هذا التحقيق مادة مستقلة تستحق الفحص ضمن ملف التدخلات الخارجية، لكنه لا يثبت الادعاء الأوسع بأن أكثر من عشرين حكومة تشارك في الحرب.
وتختلف أشكال التدخل المحتمل من دولة إلى أخرى؛ فهناك فرق بين تقديم السلاح بصورة مباشرة، والسماح بمرور الإمدادات، وتورط شبكات تهريب خاصة، أو انتقال مقاتلين أجانب عبر الحدود. كما أن وجود أفراد من جنسية معينة ضمن قوات متحاربة لا يثبت تلقائيًا مسؤولية حكومتهم.
وهذا التمييز ضروري لفهم طبيعة الاتهامات السودانية، وتحديد الجهات التي يمكن مساءلتها استنادًا إلى أدلة موثوقة.
لماذا لم تكشف الحكومة أسماء الدول العشرين؟
يطرح إعلان وزير الدفاع سؤالًا جوهريًا بشأن عدم تسمية الدول التي يتهمها بالمشاركة في الحرب، خصوصًا أن الرقم المعلن يتجاوز عدد الدول التي تناولتها الاتهامات السودانية العلنية بصورة متكررة.
فقد تكون لدى الأجهزة السودانية معلومات استخباراتية لم تُنشر لأسباب أمنية أو دبلوماسية، لكن هذا احتمال لا يمكن تأكيده دون تصريح واضح أو وثائق داعمة.
كما أن عدم الكشف عن أسماء الدول يجعل من الصعب على المؤسسات الدولية تقييم الاتهامات، أو مطالبة الحكومات المعنية بالرد، أو تحديد مسؤوليات قانونية محتملة.
وقال كبرون إن الوفد السوداني المشارك في مؤتمر الدفاع والأمن لمنظمة دول منطقة البحيرات العظمى حمل صورًا ومقاطع فيديو قال إنها توثق معسكرات تدريب وإمدادات عسكرية ومقاتلين أجانب.
غير أن وجود هذه المواد لدى الحكومة لا يغني عن ضرورة فحصها وتحديد مصادرها وتواريخها وصلتها بالجهات المتهمة.
ويصبح التحدي الأكبر أمام الخرطوم هو تحويل المعلومات الاستخباراتية والاتهامات السياسية إلى ملفات موثقة يمكن تقديمها إلى المؤسسات الإقليمية والدولية.
البحر الأحمر يدخل الحسابات الأمنية
لم تقتصر تصريحات وزير الدفاع على الاتهامات المتعلقة بالحرب، إذ كشف أيضًا عن مساعٍ سودانية للانضمام إلى ترتيبات الحماية المشتركة للبحر الأحمر.
وتأتي هذه الخطوة في وقت تتزايد فيه أهمية الممر البحري بسبب اضطرابات الملاحة والتوترات العسكرية في المنطقة.
ويمتلك السودان ساحلًا يمتد لأكثر من ثمانمائة كيلومتر على البحر الأحمر، ما يمنحه أهمية جغرافية في أمن الملاحة والتجارة والطاقة.
وأشار الوزير إلى اهتمام بلاده بتطوير قدرات خفر السواحل وتعزيز التعاون الإقليمي في مكافحة التهريب والقرصنة والجريمة المنظمة.
لكن هذه التوجهات لا تعني أن السودان انضم بالفعل إلى تحالف بحري جديد، وإنما تعكس مساعي حكومية تحتاج إلى ترتيبات واتفاقات رسمية.
ويكتسب هذا الملف أهمية إضافية لأن الحرب أضعفت بعض آليات التنسيق الأمني السابقة مع دول الجوار، بما فيها القوات المشتركة التي كانت تعمل على مراقبة الحدود ومكافحة الجرائم العابرة لها.
التدخل الخارجي لا يلغي المسؤولية الداخلية
رغم أهمية التحقيق في التدخلات الخارجية، فإن تفسير الحرب السودانية من خلالها وحدها لا يقدم صورة مكتملة عن أسباب النزاع.
فالحرب اندلعت نتيجة خلافات سياسية وعسكرية داخل السودان، وتفاقمت بسبب التنافس على السلطة والسيطرة على الموارد والمؤسسات الأمنية.
وقد تؤدي التدخلات الخارجية إلى زيادة قدرة الأطراف المتحاربة على مواصلة القتال، لكنها لا تعفي القيادات السودانية من مسؤولياتها عن القرارات العسكرية والانتهاكات التي ترتكبها القوات الخاضعة لسيطرتها.
كما أن توصيف الحرب بأنها دولية لا يغير تلقائيًا تصنيفها القانوني. فذلك يتطلب تقييمًا لطبيعة مشاركة الدول الأجنبية ومدى سيطرتها على القوات أو العمليات المعنية، وفق المعايير التي يحددها القانون الدولي الإنساني.
وتبقى حماية المدنيين واجبًا على جميع الأطراف، بغض النظر عن مصادر تسليحها أو الجهات التي تدعمها.
ماذا بعد الاتهامات؟
تواجه الحكومة السودانية اختبارًا يتعلق بما ستفعله بالمعلومات التي أعلنت امتلاكها. فإذا كانت لديها أدلة على مشاركة حكومات أجنبية في هجمات عسكرية، فإن نشر ما يمكن نشره منها، وإتاحته للفحص المستقل، سيمنح الملف قوة أكبر من الاكتفاء بالتصريحات.
كما سيكون من المهم معرفة ما إذا كانت الخرطوم ستقدم شكاوى جديدة إلى مجلس الأمن أو مجلس السلم والأمن الأفريقي، وما إذا كانت ستطلب تحقيقًا دوليًا في مسارات الطائرات المسيّرة وشبكات نقل السلاح والمقاتلين.
ويحتاج ملف الدول العشرين تحديدًا إلى توضيح الأسماء وطبيعة الأدوار المنسوبة إليها، والتمييز بين المسؤولية الحكومية ونشاط الشركات والأفراد والشبكات غير الرسمية.
إن إعلان وزير الدفاع السوداني يعكس حجم القلق الرسمي من تحول الحرب إلى ساحة تتداخل فيها مصالح أطراف خارجية متعددة. لكنه يضع الحكومة أيضًا أمام مسؤولية إثبات اتهاماتها، خصوصًا عندما يتعلق الأمر بعدد كبير من الدول قد تكون أدوارها مختلفة بصورة جوهرية.
وبالنسبة إلى السودانيين الذين تحملوا آثار الحرب من قتل ونزوح ودمار اقتصادي، فإن القضية الأساسية لا تتعلق بعدد الدول المتهمة فحسب، وإنما بكيفية وقف تدفق السلاح، وحماية المدنيين، ومحاسبة المسؤولين عن الانتهاكات، وفتح طريق سياسي ينهي الحرب ويمنع تجددها.
عين ترصد الحدث. وعقل يقرأ المشهد.
التعليقات
0 تعليقات