محررو لقطة AI
29 أكتوبر 2026
افتتحت العاصمة الروسية موسكو، الأربعاء 28 أكتوبر، أعمال القمة الروسية الأفريقية الثالثة بمشاركة وفود من 48 دولة أفريقية، في تحرك دبلوماسي واقتصادي واسع تسعى من خلاله روسيا إلى تعزيز حضورها في القارة، وتوسيع التعاون في مجالات الأمن والطاقة والغذاء والتكنولوجيا، بينما يشارك السودان بوفد رفيع المستوى يقوده رئيس مجلس السيادة عبدالفتاح البرهان، وسط تساؤلات بشأن مستقبل العلاقات السودانية الروسية وتأثيرها على التوازنات الإقليمية في البحر الأحمر والقرن الأفريقي.
وأعلن الرئيس الروسي فلاديمير بوتين، خلال افتتاح القمة التي تستمر يومين، استعداد بلاده لتوسيع التعاون مع الدول الأفريقية، مؤكدًا أن موسكو تسعى إلى بناء علاقات اقتصادية وأمنية تقوم على المصالح المتبادلة.
وتشارك في القمة وفود من 48 دولة أفريقية، بينها 22 رئيس دولة أو حكومة، وفق المعلومات التي نقلتها وكالة رويترز عن المسؤولين الروس.
وأشار بوتين إلى أن روسيا قدمت نحو 13 مليون طن من المنتجات الزراعية إلى الدول الأفريقية خلال الأشهر التسعة الأولى من العام الجاري، مؤكدًا أهمية توسيع التعاون في مجالات الأمن الغذائي والطاقة والتكنولوجيا.
كما تحدث عن استعداد بلاده لنقل الخبرات الزراعية وتطوير آليات الدفع والتبادل التجاري مع الشركاء الأفارقة.
وتأتي القمة في وقت تواجه فيه روسيا عقوبات غربية مرتبطة بحربها في أوكرانيا، وتسعى إلى توسيع شراكاتها الاقتصادية والسياسية خارج الأسواق الأوروبية التقليدية.
السودان يشارك بوفد سياسي وأمني واقتصادي
أعلنت وكالة الأنباء السودانية أن عبدالفتاح البرهان غادر الخرطوم الثلاثاء متوجهًا إلى موسكو للمشاركة في القمة.
ويضم الوفد السوداني وزير الخارجية، ووزير المالية، ومدير جهاز المخابرات العامة، ومدير منظومة الصناعات الدفاعية.
وتحمل تركيبة الوفد دلالات مهمة بشأن الملفات التي قد تحظى بالأولوية خلال الزيارة.
فوجود المسؤولين عن الاقتصاد والأمن والصناعات الدفاعية يشير إلى اهتمام الخرطوم بمناقشة مجالات تعاون تتجاوز العلاقات الدبلوماسية التقليدية.
لكن لا يمكن اعتبار هذه التركيبة دليلًا على التوصل إلى اتفاقات عسكرية أو اقتصادية جديدة.
وكان السفير السوداني لدى روسيا، محمد الغزالي التجاني سراج، قد أعلن أن البرهان يعتزم إجراء مباحثات ثنائية مع الرئيس الروسي فلاديمير بوتين على هامش القمة.
ولم أتحقق حتى إعداد المادة من انعقاد لقاء ثنائي بين الرجلين أو صدور اتفاق محدد عنه.
ومن المنتظر أن تتناول المباحثات، إذا انعقدت وفق البرنامج المعلن، العلاقات الثنائية والتعاون الاقتصادي والأمني وعددًا من القضايا الإقليمية والدولية.
البحر الأحمر في خلفية العلاقات السودانية الروسية
تكتسب مشاركة السودان أهمية خاصة بسبب موقعه الجغرافي على البحر الأحمر، الذي يمثل أحد أهم الممرات البحرية للتجارة العالمية.
وقد شهدت العلاقات السودانية الروسية خلال السنوات الماضية نقاشات بشأن إنشاء منشأة لوجستية بحرية روسية على الساحل السوداني.
لكن مسار هذا المشروع تعرض لتعقيدات سياسية وقانونية، خصوصًا بعد التغيرات التي شهدتها السلطة في السودان، ثم اندلاع الحرب في أبريل 2023.
وتنظر روسيا إلى البحر الأحمر بوصفه منطقة ذات أهمية استراتيجية، نظرًا لارتباطه بالملاحة الدولية وخطوط التجارة والطاقة.
وفي المقابل، يحتاج السودان إلى استثمارات وشراكات تساعد على إعادة تأهيل البنية التحتية والموانئ وشبكات النقل.
لكن أي ترتيبات تتعلق بوجود عسكري أجنبي على الأراضي السودانية ستثير أسئلة بشأن السيادة الوطنية والتوازنات الإقليمية والالتزامات القانونية.
ولا توجد معلومات موثقة تشير إلى أن القمة الحالية شهدت توقيع اتفاق جديد بشأن قاعدة بحرية روسية في السودان.
ولهذا ينبغي التمييز بين الملفات التي قد تكون مطروحة للنقاش والاتفاقات التي أُعلنت رسميًا.
روسيا توسع حضورها في أفريقيا
تأتي القمة في سياق تحولات أوسع في العلاقات الروسية الأفريقية.
فخلال السنوات الماضية، عززت موسكو تعاونها العسكري والأمني مع عدد من الدول الأفريقية، خصوصًا في منطقة الساحل.
كما توسعت العلاقات في مجالات التعدين والطاقة والأسمدة والحبوب والتكنولوجيا النووية.
وتسعى روسيا إلى تقديم نفسها بوصفها شريكًا اقتصاديًا وسياسيًا بديلًا للدول الغربية.
لكن هذا التوجه يثير نقاشًا داخل أفريقيا بشأن طبيعة الشراكات المطلوبة، ومدى قدرتها على تحقيق التنمية دون خلق أشكال جديدة من الاعتماد الاقتصادي أو الأمني.
فالدول الأفريقية تحتاج إلى الاستثمار والتكنولوجيا والبنية التحتية، لكنها تواجه كذلك تحديات تتعلق بالديون والحوكمة والشفافية.
ولهذا فإن نجاح التعاون مع روسيا أو غيرها من القوى الدولية يعتمد على طبيعة الاتفاقات وشروطها، وقدرتها على تقديم فوائد اقتصادية ملموسة للمجتمعات المحلية.
الغذاء والطاقة في قلب المفاوضات
تحتل قضايا الأمن الغذائي والطاقة موقعًا مهمًا في أجندة القمة.
فروسيا من كبار المنتجين والمصدرين للقمح والأسمدة والنفط والغاز، بينما تعتمد دول أفريقية عديدة على الواردات لتلبية جزء من احتياجاتها.
وقد أدى اضطراب الأسواق العالمية خلال السنوات الماضية إلى زيادة تكاليف الغذاء والطاقة، خصوصًا في الدول التي تعاني ضعف العملات المحلية.
وبالنسبة إلى السودان، فإن أي تعاون جديد في مجالات الزراعة والأسمدة والطاقة قد تكون له أهمية اقتصادية.
لكن الاستفادة الفعلية تتطلب معالجة مشكلات الإنتاج والنقل والتمويل التي تسببت فيها الحرب.
فاستيراد الأسمدة أو المعدات الزراعية لا يكفي لإعادة تشغيل القطاع الزراعي إذا كانت شبكات الري والطرق والكهرباء متضررة.
كما أن توفير التمويل الخارجي يحتاج إلى مؤسسات قادرة على تنفيذ المشروعات ومراقبة الموارد وضمان وصول فوائدها إلى المواطنين.
العلاقات الدولية السودانية بين المصالح والضغوط
تأتي زيارة البرهان إلى موسكو في مرحلة تواجه فيها الحكومة السودانية ضغوطًا دولية متزايدة بشأن الحرب وسبل إنهائها.
وتسعى قوى إقليمية ودولية إلى دفع الأطراف السودانية نحو وقف إطلاق النار، بينما تتمسك الحكومة بشروط تتعلق بانسحاب قوات الدعم السريع من المناطق التي تسيطر عليها والترتيبات الأمنية المستقبلية.
وفي هذا السياق، قد توفر العلاقات مع روسيا للخرطوم مساحة إضافية للتحرك الدبلوماسي.
لكن توسيع العلاقات مع موسكو لا يعني بالضرورة حدوث تحول شامل في السياسة الخارجية السودانية.
فالسودان يرتبط كذلك بعلاقات اقتصادية وسياسية وأمنية مع دول عربية وأفريقية وآسيوية وغربية.
وتحتاج إدارة هذه العلاقات إلى توازن يراعي المصالح الوطنية ويجنب البلاد الدخول في استقطابات دولية قد تزيد تعقيد أزمتها الداخلية.
ما الذي ينبغي متابعته؟
ستكون الأولوية خلال اليوم الثاني من القمة لمعرفة نتائج اللقاءات الثنائية التي يعقدها الوفد السوداني، وما إذا كانت ستصدر اتفاقات جديدة في مجالات الطاقة أو الزراعة أو الاستثمار أو التعاون العسكري.
كما ينبغي متابعة البيان الختامي للقمة وخطة العمل الروسية الأفريقية للفترة من 2027 إلى 2029.
وسيكون من المهم كذلك معرفة ما إذا كانت موسكو ستطرح مبادرات تتعلق بالحرب السودانية، أو ستكتفي بتأكيد دعم العلاقات الثنائية والمؤسسات الحكومية.
إن مشاركة السودان في القمة الروسية الأفريقية تمثل فرصة لإعادة طرح احتياجاته الاقتصادية والدبلوماسية أمام شريك دولي مؤثر.
لكن قيمة هذه المشاركة لن تتحدد بالصور الرسمية أو التصريحات السياسية، وإنما بما يمكن أن ينتج عنها من اتفاقات واضحة وشفافة تخدم الاقتصاد السوداني وتساعد على تخفيف آثار الحرب.
فالسودان يحتاج إلى شراكات دولية تدعم السلام والتنمية وإعادة الإعمار، لا إلى ترتيبات تزيد اعتماده على التنافس العسكري بين القوى الكبرى.
عين ترصد الحدث. وعقل يقرأ المشهد
التعليقات
0 تعليقات