محررو لقطة AI
30 أكتوبر 2026
هل يمكن لشخص عادي، لا يحمل عداءً تجاه الآخرين، أن يتسبب في إيذائهم لمجرد أن شخصًا يتمتع بالسلطة طلب منه ذلك؟ وهل تنشأ الطاعة العمياء من الخوف من العقاب، أم من الثقة في المؤسسة التي تصدر الأوامر، أم من ميل الإنسان إلى التخلي تدريجيًا عن مسؤوليته الأخلاقية عندما يجد نفسه داخل نظام صارم من التعليمات؟
هذه الأسئلة التي طرحها عالم النفس الأميركي ستانلي ميلغرام قبل أكثر من ستة عقود عادت إلى واجهة البحث العلمي، بعدما أعادت دراسات حديثة اختبار بعض جوانب تجربته الشهيرة، باستخدام إجراءات معدلة تراعي المعايير الأخلاقية المعاصرة، وتحليلات جديدة لتسجيلات التجارب الأصلية. وتشير النتائج إلى أن الطاعة ليست استجابة آلية للأوامر، وأن سلوك الأفراد يتأثر بطريقة تقديم السلطة لنفسها، وبالدور الذي يؤديه الشخص، وبمدى إدراكه لمسؤوليته عن الأذى الواقع على الآخرين.
وتكتسب هذه النتائج أهمية تتجاوز المختبرات النفسية، لأنها تساعد على فهم كيفية اتخاذ القرارات داخل المؤسسات العسكرية والإدارية والطبية والتعليمية، ولماذا يستمر بعض الأشخاص في تنفيذ تعليمات تتعارض مع قناعاتهم الأخلاقية، بينما يقرر آخرون الاعتراض أو الانسحاب.
ومن أبرز الأبحاث الحديثة دراسة نشرها العالمان توماش غجيب وداريوش دولينسكي في مجلة Frontiers in Psychology في أكتوبر 2025، اختبرت ما إذا كان منح المشاركين دورًا تعليميًا حقيقيًا قبل مطالبتهم بمعاقبة شخص آخر يؤدي إلى تقليل امتثالهم للأوامر المؤذية. كما قدمت أبحاث منشورة خلال عام 2026 قراءة أكثر تعقيدًا للتجارب الأصلية، وكشفت أن كثيرًا ممن استمروا في تنفيذ الصدمات لم يلتزموا بجميع تعليمات الباحثين.
تجربة بدأت بسؤال عن مسؤولية الإنسان
في عام 1961، بدأ ميلغرام تجاربه في جامعة ييل الأميركية، في فترة كان العالم لا يزال يناقش خلالها مسؤولية الأفراد الذين شاركوا في الجرائم النازية، وما إذا كانت طاعة الأوامر الصادرة عن السلطات تفسر بعض أفعالهم.
صمم ميلغرام تجربة اعتقد المشاركون فيها أنهم يساعدون باحثين على دراسة العلاقة بين التعلم والعقاب. وكان يُطلب من المشارك، الذي يؤدي دور «المعلم»، توجيه صدمة كهربائية إلى شخص يؤدي دور «المتعلم» كلما أخطأ في الإجابة عن سؤال.
وبدأت الصدمات المزعومة عند مستوى منخفض، ثم ارتفعت تدريجيًا حتى وصلت إلى 450 فولت.
لم يكن المتعلم يتلقى صدمات كهربائية حقيقية، لأنه كان ممثلًا ضمن فريق التجربة، لكن المشاركين لم يكونوا على علم بذلك.
ومع تصاعد مستويات الصدمة، كان المتعلم يصرخ ويعترض ويطلب وقف التجربة، ثم يتوقف عن الاستجابة. وفي المقابل، كان الباحث يطلب من المشارك مواصلة الإجراءات.
في أشهر شروط التجربة، استمر نحو 65% من المشاركين حتى المستوى الأقصى البالغ 450 فولت.
وأثارت النتيجة صدمة واسعة، لأنها أوحت بأن أشخاصًا عاديين قد يواصلون أفعالًا يعتقدون أنها تسبب ألمًا شديدًا للآخرين عندما تصدر التعليمات عن سلطة تبدو علمية ومشروعة.
لكن الرقم الشهير لا يعني أن 65% من البشر سيطيعون أي أمر مؤذٍ في جميع الظروف؛ فقد اختلفت النتائج بصورة كبيرة بين شروط التجربة، كما تعرضت منهجيتها وتفسيراتها لانتقادات علمية وأخلاقية لاحقة.
ماذا أضافت التجارب الحديثة؟
في دراسة نُشرت في 15 أكتوبر 2025، حاول باحثان من جامعة SWPS البولندية معرفة ما إذا كان الدور الذي يؤديه الشخص قبل تلقي الأمر يؤثر في استعداده للطاعة.
شارك في التجربة ثمانون شخصًا، قُسموا إلى مجموعتين. اقتصرت مهمة أفراد المجموعة الأولى على اختبار المتعلم ومعاقبته عند الخطأ، بينما شارك أفراد المجموعة الثانية أولًا في تعليمه، قبل الانتقال إلى مرحلة الاختبار والعقاب.
واستخدم الباحثون نسخة معدلة من نموذج ميلغرام، توقفت عند 150 فولت بدلًا من الاستمرار حتى 450 فولت، للحد من الضغط النفسي على المشاركين.
أظهرت النتائج أن 90% من أفراد المجموعة التي أدت دور الممتحن فقط وصلوا إلى مستوى 150 فولت، مقابل 77.5% من المجموعة التي شاركت في تعليم المتعلم أولًا.
وهذا يعني أن رفض الاستمرار كان أكثر من ضعف ما سُجل في المجموعة الثانية: 22.5% مقابل 10%.
لكن الباحثين أوضحوا أن الفرق في نسبة الرفض لم يبلغ مستوى الدلالة الإحصائية، ولذلك لا يمكن الجزم بأن تغيير الدور وحده يؤدي إلى خفض الطاعة في عموم السكان.
في المقابل، احتاج الباحث إلى تكرار تعليمات الاستمرار بمعدل أعلى بصورة ذات دلالة إحصائية لدى المشاركين الذين أدوا دور المعلم أولًا، وهو ما يشير إلى زيادة التردد أو المقاومة أثناء تنفيذ المهمة.
وتفتح هذه النتيجة احتمالًا مهمًا: عندما يرى الإنسان نفسه مسؤولًا عن تعليم شخص آخر ومساعدته، بدلًا من الاقتصار على تقييمه ومعاقبته، قد يصبح أكثر حساسية تجاه الأذى الذي يتعرض له ذلك الشخص.
غير أن هذا التفسير يحتاج إلى اختبارات إضافية قبل اعتماده قاعدة عامة.
هل السلطة وحدها تكفي لانتزاع الطاعة؟
أعادت دراسة أخرى، نشرتها مجلة Scientific Reports في يوليو 2025، فحص دور المكانة المؤسسية والمبررات العلمية في استجابة المشاركين للأوامر.
وضمت الدراسة 58 مشاركًا في تحليلها النهائي، بعد استبعاد شخصين لوجود شكوك بشأن مدى اعتقادهما بواقعية الصدمات.
واختبر الباحثون تأثير الظروف التي تُقدم فيها التعليمات، بدلًا من افتراض أن مجرد وجود شخص يرتدي معطفًا علميًا أو يتحدث باسم مؤسسة مرموقة يكفي لضمان الامتثال.
وتشير هذه المقاربة إلى أن علاقة الفرد بالسلطة أكثر تعقيدًا من مجرد خوفه من مخالفة التعليمات. فقد يطيع لأنه يثق في خبرة الشخص الذي يصدر الأمر، أو لأنه يعتقد أن المهمة تخدم هدفًا مشروعًا، أو لأنه لا يعرف كيف ينسحب من موقف اجتماعي يزداد ضغطه تدريجيًا.
وهذه العوامل لا تعمل بالضرورة بالطريقة نفسها لدى جميع الأشخاص أو في جميع المؤسسات.
وتبرز أهمية النتائج في أنها تنقل النقاش من سؤال يتعلق بطبيعة الأشخاص المطيعين إلى سؤال عن الظروف التي تجعل الطاعة أكثر احتمالًا.
مفاجأة أخرى: المطيعون لم يطيعوا كل شيء
قدمت دراسة نُشرت في فبراير 2026 بمجلة Political Psychology نتيجة تبدو متناقضة مع الصورة الشائعة لتجربة ميلغرام.
فقد أعاد الباحثان ديفيد كابوسي وديفيد سومغي تحليل سلوك المشاركين في التسجيلات الأصلية، ولم يكتفيا بالسؤال عن وصولهم إلى أعلى مستوى من الصدمات، وإنما فحصا مدى التزامهم بالتعليمات التفصيلية التي كان يفترض أن يتبعوها أثناء التجربة.
وأظهرت النتائج أن المشاركين المصنفين بوصفهم «مطيعين بالكامل» لم يلتزم أي منهم بجميع الإجراءات المطلوبة دون مخالفة، وأن نسبة مخالفة التعليمات الإجرائية بلغت في المتوسط 48.4% خلال الجلسات المصنفة ضمن الطاعة الكاملة.
وهذا لا يعني أنهم رفضوا توجيه الصدمات، بل يعني أن الامتثال للأمر المؤذي لم يكن مصحوبًا بالضرورة بطاعة كاملة لكل التفاصيل.
وتقترح النتيجة أن الطاعة قد تكون انتقائية ومتناقضة، وأن الشخص يمكن أن يخالف تعليمات صغيرة بينما يستمر في تنفيذ الفعل الأكثر ضررًا.
وفي دراسة أخرى نُشرت في ديسمبر 2025، وجد باحثون أن العبارة البسيطة «يرجى الاستمرار» أدت دورًا متكررًا في إبقاء المشاركين داخل التجربة، ما يشير إلى أن التأثير لا يحتاج دائمًا إلى تهديد مباشر أو أمر صريح؛ فقد يكفي أحيانًا ضغط اجتماعي هادئ ومتواصل.
كيف يستطيع الإنسان مقاومة الأوامر غير الأخلاقية؟
تقدم هذه الأبحاث عدة مؤشرات لفهم المقاومة. أولها أن إدراك الشخص لعواقب أفعاله على الآخرين قد يساعده على إعادة تقييم التعليمات التي يتلقاها. وثانيها أن وجود مساحة للاعتراض والتشكيك في شرعية الأمر يختلف عن بيئة لا تسمح إلا بالتنفيذ.
وتشير مراجعة علمية شملت 21 شرطًا تجريبيًا من تجارب ميلغرام، بإجمالي 740 مشاركًا، إلى أن سلوك الآخرين الذين يعارضون السلطة، ومدى قرب الشخص من المتضرر، وطريقة تعامل صاحب السلطة مع الاعتراض، كلها عوامل ارتبطت باختلاف مستويات الطاعة.
كما أضاف بحث منشور في فبراير 2026 بعدًا إنسانيًا لافتًا، إذ درس باحثون العمليات النفسية والعصبية لدى أشخاص شاركوا في الإبادة الجماعية في رواندا، وآخرين ساعدوا على إنقاذ الضحايا، إضافة إلى شهود لم يشاركوا في أي من الدورين.
ووجد الباحثون أن الأشخاص الذين سبق لهم إنقاذ آخرين أظهروا استجابة انفعالية أكبر لمعاناة الضحية في مهمة تجريبية، وارتبط ذلك بزيادة رفضهم للأوامر المؤذية.
لكن الدراسة لا تثبت وجود صفة عصبية ثابتة تميز المنقذين عن غيرهم، ولا تسمح بتوقع سلوك شخص معين اعتمادًا على استجابة دماغية واحدة.
لماذا تهمنا هذه النتائج اليوم؟
تتجاوز دلالات تجربة ميلغرام علم النفس الاجتماعي إلى طبيعة العمل داخل المؤسسات الحديثة، حيث قد يجد الموظف أو العسكري أو المسؤول نفسه أمام تعليمات صادرة عن سلطة يعتقد أنها تمتلك المعرفة أو الشرعية.
وقد يتسبب تقسيم العمل إلى مهام صغيرة في جعل الشخص يركز على تنفيذ الجزء المكلف به دون رؤية النتائج الكاملة لقراراته. لكن هذه الآلية لا تفسر جميع حالات الامتثال، ولا تعفي الأفراد من المسؤولية القانونية أو الأخلاقية.
وفي السياقات التي تشهد نزاعات مسلحة، تبرز أهمية هذه النتائج عند دراسة كيفية تنفيذ الأوامر غير المشروعة، ودور ثقافة المؤسسة والقيادة في تشجيع الاعتراض أو معاقبته. ومع ذلك، لا يمكن استخدام تجربة مختبرية وحدها لتفسير جرائم الحرب أو الإبادة الجماعية، لأن هذه الوقائع تتداخل فيها عوامل سياسية وأيديولوجية ومؤسسية وتاريخية أوسع.
إن الدرس الأهم الذي تقدمه الأبحاث الحديثة ليس أن البشر محكومون بالطاعة العمياء، وإنما أن الطاعة والمقاومة تتأثران بظروف يمكن فهمها وتغيير بعضها.
فالشخص الذي يدرك مسؤوليته عن أفعاله، ويستطيع مساءلة السلطة، ويرى المتضرر إنسانًا له حقوق، قد يجد أسبابًا أقوى لرفض الأوامر التي تتعارض مع القيم الأخلاقية.
وبعد أكثر من ستين عامًا، لا تزال تجربة ميلغرام تطرح سؤالًا يتجاوز المختبر: عندما تتعارض التعليمات مع الضمير، هل يتوقف الإنسان ليفكر في نتائج أفعاله، أم يواصل التنفيذ لأنه اعتاد أن يثق بمن يصدر الأوامر؟
عين ترصد الحدث. وعقل يقرأ المشهد.
التعليقات
0 تعليقات