محررو لقطة AI
1 نوفمبر 2026
لم يعد انشقاق القيادات العسكرية عن قوات الدعم السريع مجرد أحداث متفرقة يمكن التعامل معها باعتبارها خلافات شخصية أو تبدلات في المواقف السياسية، فالتتابع الزمني لهذه الانشقاقات، وتنوع المواقع التي شغلها القادة المغادرون، وطبيعة الاتهامات التي يوجهونها إلى القيادة المركزية، تكشف عن مشكلة أعمق تتعلق ببنية التنظيم نفسه، وبمدى قدرته على المحافظة على التحالفات التي اعتمد عليها منذ اندلاع الحرب في أبريل 2023.
ويأتي إعلان اللواء صديق محمد عبدالرحمن أندر، قائد المجموعة 15 ورئيس تجمع قوى تحرير السودان للإصلاح والتنمية، انشقاقه عن قوات الدعم السريع وخروجه من تحالف «تأسيس» وانضمامه إلى القوات المسلحة، ليضيف حلقة جديدة إلى سلسلة الانشقاقات التي شهدتها القوات خلال الأشهر الماضية. وتكتسب هذه الخطوة أهمية إضافية بالنظر إلى ارتباط موقع أندر بملفات الاستنفار والتعبئة والتجنيد، وهي وظائف تتجاوز القيادة الميدانية المباشرة إلى إدارة الموارد البشرية وشبكات استقطاب المقاتلين.
وفي تسجيل مصور نشرته وسائل إعلام سودانية، قال أندر إنه قرر فك ارتباطه الكامل بالدعم السريع، متهماً قيادة القوات بإدارة التنظيم وفق ما وصفه بمشروع أسري، تتحكم فيه دائرة عائلية ضيقة في الأموال والأسلحة وتحركات القوات والترقيات العسكرية. كما تحدث عن تعرض الأصوات المعارضة داخل التنظيم للإقصاء والسجن والتهديد بالتصفية، وفق روايته.
وتبقى هذه الاتهامات جزءاً من إفادة قائد أعلن انشقاقه، ولا تمثل وحدها إثباتاً مستقلاً لكل ما ورد فيها، لكنها تكتسب أهمية سياسية وتنظيمية لأنها تتقاطع مع انتقادات سابقة صدرت عن قادة آخرين غادروا القوات، وتعيد طرح مسألة توزيع السلطة والموارد داخل بنيتها القيادية.
من خلافات القيادة إلى أزمة الثقة
لفهم دلالة هذه الانشقاقات، ينبغي العودة إلى الطريقة التي تشكلت بها قوات الدعم السريع وتوسعت قبل الحرب وخلالها. فالقوات لم تعتمد فقط على هيكل عسكري مركزي تقليدي، وإنما توسعت عبر استيعاب مجموعات مسلحة وتشكيلات محلية وقيادات ذات نفوذ اجتماعي وقبلي، إلى جانب شبكات تجنيد واستنفار ومصالح اقتصادية وعسكرية.
وقد وفرت هذه التركيبة قدرة على التوسع السريع، لأنها أتاحت للقيادة الاستفادة من نفوذ القادة المحليين وعلاقاتهم بالمقاتلين والمجتمعات التي ينتمون إليها. لكن النموذج نفسه يحمل نقطة ضعف أساسية؛ إذ إن ولاء المجموعات والقادة قد يرتبط بالمصالح والموارد والمكانة داخل التنظيم، وليس بالضرورة بانضباط مؤسسي ثابت يمكنه الصمود أمام الأزمات.
وعندما تتراجع الموارد أو تتغير موازين السيطرة العسكرية، تصبح قدرة القيادة على المحافظة على التحالفات أكثر صعوبة. فالقائد الذي كان يتمتع بنفوذ واسع في مرحلة التوسع قد يجد نفسه أمام تراجع في الصلاحيات أو الموارد أو فرص الترقية، بينما قد ترى مجموعته أن حصتها من السلاح والإمدادات والتمثيل لا تتناسب مع ما تقدمه من مقاتلين.
وهنا تتحول الخلافات من مجرد تنافس على المواقع إلى أزمة ثقة في القيادة المركزية، خصوصاً إذا شعر القادة بأن القرارات العسكرية والمالية والسياسية تتركز في دائرة محدودة لا تسمح بالمشاركة أو الاعتراض.
ماذا تقول سلسلة الانشقاقات؟
شهدت قوات الدعم السريع خلال عام 2026 مغادرة عدد من القيادات البارزة، من بينهم اللواء النور أحمد آدم المعروف بالنور القبة، والعميد علي رزق الله المعروف بالسافنا، والمقدم محمد أزرق الفنجري، إلى جانب قيادات أخرى أعلنت الانفصال عن القوات أو الالتحاق بالجيش.
وفي 8 أكتوبر، أعلن محمد أزرق الفنجري انشقاقه برفقة نحو 300 ضابط وجندي و30 عربة عسكرية، وفق ما أوردته الجزيرة. كما سبق ذلك إعلان الطيب الوحيدو مغادرته القوات في سبتمبر، وانضمامه إلى الجيش برفقة عشرات المقاتلين، بحسب تقارير صحفية سودانية.
وتختلف القيمة العسكرية لكل انشقاق بحسب الموقع الذي كان يشغله صاحبه، وحجم القوة التي يستطيع التأثير عليها، ومدى احتفاظه بعلاقاته مع القيادات والجنود في المناطق التي كان يعمل فيها.
ومن هنا، فإن انشقاق أندر لا ينبغي قياسه بمجرد إعلان انضمامه إلى الجيش، وإنما بما قد يترتب عليه من تأثير في المجموعة 15 وشبكات الاستنفار والتجنيد التي ارتبطت به. فإذا تبعته قيادات ميدانية أو مجموعات من المقاتلين، فإن ذلك قد ينعكس على قدرة الدعم السريع على إعادة تنظيم صفوفه واستقطاب عناصر جديدة.
لكن لا توجد حتى الآن معلومات مستقلة كافية لتحديد عدد المقاتلين الذين غادروا معه فعلياً، ولذلك لا يصح التعامل مع الانشقاق باعتباره خسارة عسكرية محددة الحجم قبل ظهور تفاصيل موثوقة.
الاقتصاد الحربي يضغط على التحالفات
من أهم العوامل التي تساعد على تفسير الانشقاقات التغيرات التي طرأت على البيئة الاقتصادية والعسكرية التي تعمل فيها قوات الدعم السريع.
فالحرب الطويلة تحتاج إلى تمويل مستمر، وإمدادات من الوقود والذخيرة، وقدرة على دفع المستحقات وتوفير الإمدادات الطبية واللوجستية. ومع اتساع رقعة القتال وتغير السيطرة على المناطق الاقتصادية والتجارية، تتزايد المنافسة على الموارد المتاحة.
وفي هذا السياق، قدمت مجموعة الأزمات المسلحة ACLED تحليلاً مهماً للانقسامات داخل الدعم السريع، ربطت فيه تصاعد الاقتتال الداخلي والانشقاقات بتراجع الموارد الاقتصادية التي كانت تساعد على الحفاظ على التحالفات المحلية، وبزيادة المنافسة بين المجموعات المسلحة على النفوذ والمكاسب المتبقية.
وأشار تحليل المنظمة إلى أن بعض النزاعات داخل التحالفات المسلحة لم تعد مرتبطة فقط بالخلاف السياسي، بل أصبحت تتصل أيضاً بالتنافس على الأراضي والموارد وطرق التجارة والتعدين والتجنيد.
وهذا يعني أن الانشقاقات ليست بالضرورة نتيجة خلاف واحد أو قرار فردي، وإنما قد تكون مؤشراً على تراجع قدرة القيادة على إدارة المصالح المتعارضة داخل تحالف واسع يضم مجموعات تختلف في أهدافها وحساباتها المحلية.
هل تتجه قوات الدعم السريع إلى التفكك؟
من السابق لأوانه الجزم بأن تتابع الانشقاقات يعني انهيار قوات الدعم السريع أو قرب تفككها الكامل. فالتنظيم لا يزال يمتلك تشكيلات مسلحة وقيادات ميدانية وشبكات إمداد ونفوذاً في مناطق واسعة، كما أن خروج قائد أو مجموعة لا يعني بالضرورة انتقال جميع المقاتلين المرتبطين بها إلى الطرف الآخر.
لكن استمرار الظاهرة قد يؤدي إلى ثلاثة تحولات مهمة.
أولها تراجع مركزية القرار، إذ تصبح القيادة مضطرة إلى التعامل مع ولاءات محلية متغيرة، بدلاً من الاعتماد على تسلسل قيادي مستقر.
وثانيها اتساع المنافسة بين القيادات المتبقية على الموارد والنفوذ، وهو ما قد ينتج عنه صراع داخلي حتى بين المجموعات التي لا تزال تعلن ولاءها للتنظيم.
أما التحول الثالث فيتعلق بالجانب السياسي. فمشروع «تأسيس» الذي يسعى إلى تقديم الدعم السريع وحلفائه باعتبارهم مكوناً سياسياً وعسكرياً قادراً على إدارة سلطة بديلة، يحتاج إلى درجة من الانضباط والتماسك الداخلي. وكلما اتسعت الانشقاقات والاتهامات المتبادلة، أصبح من الأصعب تقديم صورة موحدة عن القيادة والتمثيل السياسي والقدرة على إدارة المناطق الواقعة تحت النفوذ العسكري.
مكاسب الجيش لا تعني نهاية الحرب
من الطبيعي أن يحاول الجيش السوداني الاستفادة من الانشقاقات، سواء باستيعاب القادة والعناصر المنضمة إليه أو توظيف هذه التطورات في إضعاف الروح المعنوية للطرف الآخر وإظهار وجود خلافات داخل قيادته.
لكن تحويل الانشقاقات إلى مكاسب عسكرية مستدامة يتطلب أكثر من استقبال القادة المنشقين. فالمسألة تتعلق بمدى قدرتهم على إقناع المقاتلين بالعودة، وضمان عدم إعادة إنتاج التشكيلات المسلحة خارج مؤسسات الدولة، ووضع ترتيبات واضحة للدمج والتأهيل والمساءلة.
كما أن انتقال قادة ومقاتلين من طرف إلى آخر لا ينبغي أن يعفي أي شخص من المساءلة عن الانتهاكات التي ارتكبت خلال الحرب. فالانضمام إلى الجيش لا يمحو المسؤولية القانونية الفردية، ولا يجوز أن تتحول المصالحات العسكرية إلى مدخل لإهدار حقوق الضحايا.
ما الذي ينبغي مراقبته؟
المؤشر الأهم خلال المرحلة المقبلة ليس عدد البيانات التي تعلن الانشقاق، بل ما إذا كانت هذه الإعلانات ستتحول إلى حركة جماعية متواصلة، وما إذا كانت ستشمل قادة يمتلكون نفوذاً فعلياً على الوحدات المقاتلة وشبكات الإمداد والتجنيد.
كما ينبغي متابعة طبيعة رد قيادة الدعم السريع على هذه الانشقاقات: هل ستتجه إلى إعادة توزيع الصلاحيات واحتواء القيادات المتبقية، أم ستعتمد على تشديد السيطرة والإجراءات العقابية؟ فطريقة التعامل مع المعارضين قد تحدد ما إذا كانت الأزمة ستظل محدودة أم ستتسع إلى انقسامات جديدة.
وفي المقابل، يبقى السؤال المتعلق بمستقبل المقاتلين المنشقين مهماً، خصوصاً في المناطق التي تتداخل فيها الولاءات العسكرية مع العلاقات القبلية والمحلية. فالتفكك غير المنظم للتشكيلات المسلحة قد لا يؤدي بالضرورة إلى استقرار المجتمعات، بل يمكن أن ينتج مجموعات جديدة خارج السيطرة ويزيد مخاطر العنف المحلي.
في المحصلة، يكشف انشقاق صديق أندر عن أزمة تتجاوز خلاف قائد مع قيادته؛ إنها مواجهة بين طبيعة تنظيم توسع عبر تحالفات متعددة ومصالح محلية، وبين مركز قيادة يسعى إلى إحكام السيطرة على المال والسلاح والقرار السياسي والعسكري.
ولا يعني ذلك أن انهيار الدعم السريع أصبح أمراً محسوماً، لكنه يعني أن تماسكه الداخلي بات ملفاً يستحق مراقبة أكثر دقة، لأن مستقبل الحرب لن يتحدد فقط بما يحدث على خطوط المواجهة، وإنما أيضاً بما يجري داخل التحالفات التي تشكل القوة العسكرية لكل طرف.
عين ترصد الحدث. وعقل يقرأ المشهد
التعليقات
0 تعليقات