محررو لقطة AI – 6
3 نوفمبر 2026
لم تعد هجمات الطائرات المسيّرة في السودان تستهدف مواقع عسكرية أو تجمعات للقوات المتحاربة فحسب، بل امتدت بصورة متسارعة إلى واحدة من أكثر البنى التحتية ارتباطاً بالحياة اليومية للمواطنين: شبكة الكهرباء القومية. وخلال الفترة من 20 أكتوبر إلى الأول من نوفمبر 2026، تعرضت 15 محطة كهرباء في تسع ولايات سودانية لهجمات متتالية، وفق خريطة أعدتها وحدة المصادر المفتوحة بشبكة الجزيرة، استناداً إلى بيانات رسمية وتقارير إعلامية ومشاهد ميدانية وصور أقمار صناعية.
وتكشف خريطة الاستهدافات عن اتساع جغرافي لافت، بدأ من ولاية النيل الأبيض، وامتد إلى الجزيرة وسنار والقضارف والخرطوم ونهر النيل والولاية الشمالية، وصولاً إلى ولاية البحر الأحمر، فضلاً عن مواقع أخرى ضمن نطاق الرصد. ولم تعد المسألة مرتبطة بتعطل محطة منفردة أو انقطاع الكهرباء عن مدينة بعينها، بل أصبحت تتعلق بسلامة شبكة مترابطة يمكن أن يؤدي استهداف عدد محدود من منشآتها الرئيسية إلى تعطيل الإمداد في مناطق واسعة.
وتكمن خطورة هذا التصعيد في أن الكهرباء ليست خدمة منفصلة عن بقية القطاعات، وإنما تمثل أساساً لتشغيل المستشفيات ومحطات المياه والمخابز والاتصالات ومرافق تخزين الأدوية واللقاحات، فضلاً عن ارتباطها بالنشاط الزراعي والصناعي والتجاري.
البداية من تندلتي.. ثم اتساع دائرة الاستهداف
بدأت موجة الهجمات التي وثقتها خريطة الجزيرة في 20 أكتوبر، عندما تعرضت محطة تندلتي التحويلية بولاية النيل الأبيض لهجوم بطائرة مسيّرة أدى إلى اندلاع حريق داخل المنشأة وخروجها عن الخدمة.
ولم تتوقف آثار الهجوم عند مدينة تندلتي، إذ امتدت انقطاعات الكهرباء إلى مناطق مرتبطة بخطوط الإمداد، من بينها أم روابة والأبيض بولاية شمال كردفان. وأظهرت صور الأقمار الصناعية الأوروبية آثار حريق داخل حدود المحطة، فيما كشفت زيارة تفقدية لوالي النيل الأبيض عن تدمير محولين رئيسيين.
وكانت هذه الضربة بداية سلسلة استهدافات متقاربة زمنياً، أظهرت أن منشآت الكهرباء أصبحت ضمن نطاق العمليات الجوية المتصاعدة، وأن الأضرار التي تلحق بمحطة تحويل واحدة يمكن أن تتجاوز حدود الموقع المستهدف إلى مناطق تعتمد عليه في الحصول على الطاقة.
26 أكتوبر.. خمس محطات في يوم واحد
شهد يوم 26 أكتوبر واحدة من أكثر موجات الاستهداف اتساعاً، عندما أعلنت شركة كهرباء السودان القابضة تعرض خمس محطات تحويلية لهجمات بالطائرات المسيّرة.
وشملت المواقع المستهدفة محطات سنجة بولاية سنار، والحواتة والفاو بولاية القضارف، ومشكور بولاية النيل الأبيض، والجنيد بولاية الجزيرة.
وقالت الشركة إن الهجمات ألحقت أضراراً كبيرة بالمكونات الفنية للمحطات، وتسببت في خروج أجزاء من الشبكة الجنوبية الشرقية عن الخدمة، وانقطاع الكهرباء عن الولايات الأربع.
وتكشف هذه الهجمات عن أهمية محطات التحويل في منظومة الطاقة؛ فهي لا تنتج الكهرباء بالضرورة، لكنها تنقل الطاقة وتوزعها بين خطوط الشبكة والمناطق المختلفة. ولذلك فإن تدمير محول رئيسي قد يؤدي إلى تعطيل الإمداد حتى عندما تظل محطات التوليد قادرة على إنتاج الكهرباء.
وحذرت شركة كهرباء السودان من أن تكرار الاستهدافات يهدد استقرار الشبكة القومية، خصوصاً أن إعادة تشغيلها لا تعتمد فقط على إصلاح المعدات المتضررة، بل تتطلب أيضاً تحقيق التوازن بين التوليد والنقل والتوزيع.
المرخيات والمناقل.. انتقال الهجمات إلى قلب العاصمة والجزيرة
في 27 أكتوبر، امتدت الهجمات إلى محطة المرخيات التحويلية في أم درمان، وهي من المنشآت المهمة في نقل وتوزيع الكهرباء إلى أجزاء واسعة من الخرطوم والمناطق المجاورة.
وأظهرت صور فضائية عالية الدقة التقطت في 28 أكتوبر آثار حريق داخل المنشأة، فيما زار رئيس الوزراء كامل إدريس المحطة في اليوم التالي للوقوف على حجم الأضرار.
وتكتسب محطة المرخيات أهمية استراتيجية بسبب موقعها ودورها في شبكة نقل الكهرباء، ما يجعل خروجها عن الخدمة مؤثراً في مناطق تتجاوز محيطها الجغرافي المباشر.
وفي الجزيرة، تعرضت محطة المناقل لهجوم ضمن سلسلة الاستهدافات التي طالت منشآت الكهرباء خلال الفترة نفسها، الأمر الذي زاد الضغط على الإمداد الكهربائي في وسط البلاد.
أم دباكر وشندي.. ضرب منشآت التوليد والنقل
في 29 أكتوبر، تعرضت محطة أم دباكر الحرارية والتحويلية بولاية النيل الأبيض لهجوم ألحق أضراراً كبيرة بالمنشأة.
وأفادت التقييمات الفنية التي نقلتها وسائل إعلام سودانية بتدمير أربعة محولات رئيسية وإصابة إحدى وحدات البخار، ما أدى إلى خروج المحطة من الخدمة.
وتكمن خطورة هذا التطور في أن أم دباكر ليست مجرد محطة تحويل، بل منشأة رئيسية في منظومة التوليد الحراري، وتبلغ قدرتها التصميمية نحو 500 ميغاواط، ما يجعل تعطلها خسارة كبيرة لقدرات إنتاج الكهرباء في البلاد.
وحذر مسؤولون في قطاع الكهرباء من أن آثار الأضرار قد تستمر عدة أشهر، وأن ولايتي النيل الأبيض وشمال كردفان تأثرتا بصورة مباشرة بانقطاع الإمداد.
وفي 30 أكتوبر، تعرضت محطة شندي التحويلية بولاية نهر النيل لهجوم جديد أدى إلى انقطاع الكهرباء عن المدينة، وسط تقارير عن أضرار لحقت بالمحولات الرئيسية ومرافق أخرى في الموقع.
أما في 31 أكتوبر، فقد امتدت الهجمات إلى محطة هيا بولاية البحر الأحمر، وسط تقارير عن استهداف منشأة كهربائية قيد الإنشاء ومنشأة لضخ النفط، دون توفر تقييم فني رسمي شامل لحجم الأضرار.
الدبة وأبو حمد.. الشمال يدخل دائرة الاستهداف
في الأول من نوفمبر، تعرضت محطتا الدبة بالولاية الشمالية وأبو حمد بولاية نهر النيل لهجمات جديدة بالطائرات المسيّرة.
وأدت الهجمات، وفق تقارير صحفية وإفادات محلية، إلى خروج المحطتين عن الخدمة وانقطاع الكهرباء عن المدينتين.
وفي الدبة، أفاد سكان بسماع انفجار قوي في الساعات الأولى من الصباح، أعقبه انقطاع التيار الكهربائي واندلاع حريق داخل المحطة. كما تحدثت إفادات محلية عن مقتل حارس المنشأة محمد النور أثناء الهجوم.
وفي أبو حمد، أفادت السلطات المحلية بتعرض المحطة لأضرار كبيرة أدت إلى توقفها عن العمل، دون تسجيل خسائر بشرية وفق المعلومات الأولية.
وبذلك اتسعت دائرة الاستهدافات لتشمل منشآت في شمال السودان، بعد أن تركزت الضربات السابقة بصورة أكبر في مناطق الوسط والشرق والعاصمة.
لماذا يمثل استهداف 15 محطة تهديداً للشبكة القومية؟
تكمن المشكلة الأساسية في طبيعة الترابط الفني بين محطات التوليد والتحويل وخطوط النقل. فالشبكة الكهربائية ليست مجموعة منشآت مستقلة، وإنما منظومة متكاملة يعتمد بعضها على بعض.
وعندما تتعرض محطات التحويل الرئيسية للتدمير، تتراجع قدرة الشبكة على نقل الكهرباء وتوزيعها، حتى إذا ظلت بعض محطات التوليد تعمل.
وتزداد خطورة الوضع عندما تتزامن الهجمات على أكثر من ولاية خلال فترة زمنية قصيرة، لأن فرق الصيانة تجد نفسها أمام أضرار متعددة، بينما تتطلب بعض المحولات والمعدات الرئيسية عمليات تصنيع واستيراد ونقلاً وتركيباً قد تستغرق وقتاً طويلاً.
وتشير بيانات نقلتها وكالة أسوشيتد برس إلى أن إنتاج الكهرباء في السودان تراجع من نحو 4,400 ميغاواط قبل الحرب إلى قرابة 1,100 ميغاواط، حتى قبل احتساب الآثار الكاملة للهجمات الأخيرة.
كما أصبحت سدود مروي المصدر الرئيسي المتبقي لتوليد الكهرباء، إذ توفر أكثر من 70% من الإمداد الكهربائي وفق بيانات نقلتها الوكالة عن مسؤول في شركة الكهرباء.
وهذا يعني أن استمرار تعطيل المحطات الحرارية والتحويلية يضع البلاد أمام مخاطر متزايدة، لأن الاعتماد على عدد محدود من مصادر التوليد يجعل الشبكة أكثر هشاشة أمام أي استهداف جديد أو عطل فني واسع النطاق.
الأثر الإنساني.. الكهرباء أبعد من إنارة المنازل
لا تتوقف تداعيات هذه الهجمات عند انقطاع التيار عن المنازل، بل تمتد إلى قطاعات حيوية ترتبط مباشرة بحياة المواطنين.
فالمستشفيات تحتاج إلى الكهرباء لتشغيل غرف العمليات وأجهزة العناية المركزة ومحطات الأكسجين، كما تعتمد مراكز غسيل الكلى وبنوك الدم على إمدادات مستقرة لضمان استمرار خدماتها.
وتواجه محطات المياه تحديات إضافية عندما تتوقف المضخات، بينما تتأثر المخابز والمصانع والأسواق بارتفاع تكاليف التشغيل والاعتماد على المولدات الخاصة.
وفي مناطق مثل الدبة وأبو حمد، تتضاعف المشكلة بسبب نقص الوقود اللازم لتشغيل المولدات الاحتياطية، ما يجعل العودة إلى البدائل أكثر صعوبة.
وحذرت شبكة أطباء السودان من أن انقطاع الكهرباء يهدد استمرار الخدمات الطبية، خصوصاً في مراكز غسيل الكلى وبنوك الدم والمرافق التي تعتمد على التبريد لحفظ الأدوية واللقاحات.
كما يواجه المزارعون مخاطر إضافية مع بداية الموسم الزراعي الشتوي، بسبب اعتماد عمليات الري على المضخات الكهربائية، وهو ما قد ينعكس على الإنتاج الزراعي والأمن الغذائي.
اتهامات لإثيوبيا والدعم السريع.. والمسؤولية تحتاج إلى تحقيق مستقل
اتهمت الحكومة السودانية قوات الدعم السريع بتنفيذ الهجمات على محطات الكهرباء، وقالت إنها تمتلك أدلة على استخدام طائرات مسيّرة انطلقت من مواقع داخل الأراضي الإثيوبية.
وفي 28 أكتوبر، عقدت مؤسسات حكومية وأمنية سودانية مؤتمراً صحفياً عرضت خلاله حطام طائرات مسيّرة قالت إنها استخدمت في استهداف المنشآت المدنية، وقدمت معلومات بشأن مواقع انطلاقها المحتملة.
كما وجهت الخرطوم اتهامات إلى إثيوبيا والإمارات بالتورط في توفير الدعم اللوجستي والعسكري لهذه العمليات.
وفي المقابل، تنفي الإمارات تقديم دعم عسكري لقوات الدعم السريع، ولم تقدم إثيوبيا إقراراً بالاتهامات السودانية المتعلقة باستخدام أراضيها لإطلاق المسيّرات. ولم يصدر عن قوات الدعم السريع رد تفصيلي على الاتهامات المتعلقة بهذه الهجمات في التقارير المشار إليها.
ومن المهم التمييز بين الاتهامات التي تقدمها أطراف الحرب وبين المسؤولية التي يمكن إثباتها من خلال تحقيقات مستقلة، خصوصاً أن تحديد مصدر الطائرة لا يكفي وحده لإثبات الجهة التي أصدرت الأمر أو نفذت العملية.
لكن استهداف المنشآت التي تقدم خدمات أساسية للمدنيين يثير تساؤلات قانونية جدية بموجب قواعد القانون الدولي الإنساني، التي تفرض حماية الأعيان المدنية وتحظر الهجمات العشوائية والهجمات التي لا تراعي مبدأ التمييز والتناسب.
هل أصبحت شبكة الكهرباء جبهة جديدة في الحرب؟
تظهر خريطة الاستهدافات أن الحرب دخلت مرحلة تتجاوز المواجهة التقليدية حول السيطرة على المدن والمواقع العسكرية، لتشمل البنية التحتية التي تقوم عليها الحياة الاقتصادية والاجتماعية.
فاستهداف 15 محطة في تسع ولايات خلال عشرة أيام يثير تساؤلات حول طبيعة الأهداف العسكرية التي يمكن أن تحققها هذه العمليات، مقارنة بالأضرار الواسعة التي تلحق بالسكان والخدمات العامة.
كما يضع الحكومة السودانية أمام تحدٍ يتجاوز إعادة إصلاح المحطات المتضررة، إلى ضرورة وضع استراتيجية لحماية شبكة الكهرباء، وتنويع مصادر التوليد، وتأمين المعدات وقطع الغيار، وتوفير بدائل للمرافق الحيوية.
وفي الوقت نفسه، فإن الاعتماد المتزايد على سد مروي يجعل حماية منشآت التوليد والنقل المرتبطة به مسألة تتعلق بالأمن القومي، وليس مجرد ملف خدمي.
إن أخطر ما تكشفه هذه التطورات هو أن المواطن السوداني أصبح يدفع ثمن الحرب مرتين؛ مرة بسبب النزوح وانهيار الاقتصاد، ومرة أخرى بسبب تدمير الخدمات التي يعتمد عليها في حياته اليومية.
وقد تستغرق إعادة بناء محطات الكهرباء وإصلاح المحولات المتضررة أشهراً، وربما سنوات في بعض المواقع، بينما لا يستطيع المرضى والمستشفيات ومحطات المياه والمخابز انتظار انتهاء الحرب حتى تعود الكهرباء.
ولهذا فإن وقف استهداف البنية التحتية المدنية، وتأمين وصول فرق الصيانة، ومحاسبة المسؤولين عن الهجمات وفق تحقيقات موثوقة، يجب أن تكون من الأولويات العاجلة، بعيداً عن الحسابات العسكرية والسياسية.
عين ترصد الحدث. وعقل يقرأ المشهد.
التعليقات
0 تعليقات